*حميدتي: الهروب من «الديكتاتورية» إلى «اللا سلطوية» ثم إلى «المخادمة»*
✓• أبدى الخطاب المكتوب والمنشور إنابة عن قيادة الدعم السريع ونائب رئيسمجلس السيادة أسفا وحسرة على ما آلت إليه الأوضاع مترحما على ضحايا وصف أرواحهم بالعزيزة، ويدرك "حميدتي" أو كتبة البيان أن أولئك الضحايا ما كان لهم إن يسقطوا لولا تواطوء قيادة الدعم السريع وانفلات سلاحهم واشتراك جنودهم وضباطهم في القمع والتنكيل والقتل للخصوم.
✓• مضى البييان ليتحدث عن ظاهرة استشراء خطابات الكراهية والعنصرية، وهو - أي حمدتي- من أذكى أوارها واستدعاها من أضابير أجهزة مخابرات النظام السابق، واستخدمت كافة بيانات وأجهزة وعناصر أمن القبائل الذين سقطوا مع نظام المخلوع، ليعملوا ضمن طواقم مستشاريه ومكتبه واستخباراته وأجهزته وشركاته وبنوكه واستثماراته ووزاراته.
✓• بل "حميدتي" هو من أحيا رميم الإدارات الأهلية من المتملقين والمهادنين والفاسدين الذين سقطوا مع المخلوع وظل يبرر ضرورة استصحابهم، وصرف لأجل ذلك صرف من لا يخشى الفقر من رشا مالية وعينية وبعضهم من تم إرساله لحج بيت الله، وتم إبعاد وتدجين كل الإدارات الأهلية التي لم تقبل الرشوة أو تخضع لإمرة وأجندة قيادة الدعم السريع.
✓• من ضمن تلك الرشاوى استيعاب شباب عدد من أبناء شباب تلك القبائل كجنود في الدعم السريع، في الوقت الذي كان بإمكان - حميدتي - ابتعاثهم للتعليم كما فعل مع بعض رهطه، ولكنه اختار تجنيدهم وابتعاثهم للحرب والموت في اليمن.
✓• وأعجب تلك الرشا لمجموعات تجلس على جبال من الثروات، والمقدرات، والموارد، قدمتها لقمة سائغة لـ (حميدتي) الذي مهد لمجموعات أجنبية ودول الاستثمار فيها وبدورهم استغلوها أيما استغلال وهربوا ثروات تقدر بمئات الملايين من الدولارات تحت عين ومسمع "حميدتي"، وليست فاغنر وميروقولد ببعيد.
✓• حفز كل ذلك الاستقطاب لبروز خطاب اثني وعنصري وجهوي يستقوي ببندقية الدعم السريع، تدرج من رفض الأخر القبلي وصولا لتهديد المجتمع الدولي والتنديد بالبعثة الأممية والتلويح بطردها، ونجم عن ذلك استقطاب مضاد تنادى بعض قادته لتكوين جيش من مليون بندقية، وآخر يبشر وينادي بنزعات عنصرية انفصالية.
✓• أكد البيان أن هناك مخاطر ومؤامرات تحاك ضد البلاد من الداخل والخارج، وأن - حميدتي - ظل يراقبها، ولكنه لم يقر بأن تلك المؤامرات منها السياسي والأمني والاستخباري والاقتصادي والاجتماعي والاستعماري، وهو له سهم معلى في كل منها بدرجات تتفاوت تأثيراتها، وهو يعلم أن جل تلك المؤامرات تتم إما باسمه أو باسم أسرته أو باسم قواته أو باسم مكتبه في السيادي أو تحت غطاء الكارتل الذي يرعاه، ولا تعوزه المقدرة ولا القوة على إيقاف تلك الدسائس، إلا أنها تتم تحت بصره وسمعه.
✓• تحدث دقلو عن ضرورة تحكيم صوت العقل، وهو الذي أقسم في سبتمبر ٢٠٢١م قسما مغلظا بأنه لن يجلس مع الفرقاء السياسيين، وعطل لأجل ذلك مجالس كان بمقدورها حل الخلاف وفك الإشتباك، فقد عطل اجتماعات مجلس الشركاء، ومجلس السيادة، ومجلس الأمن والدفاع، والمجلس التشريعي المؤقت، واجتماعات الطواريء الإقتصادية، كل هذا يأتي اليوم ليتحدث عن تحكيم العقل وضرورة الوصول إلى حل ينهي الأزمة التي سببها انقلابه في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م.
✓• المدهش أن كاتب البيان يتجلى جهله العسكري، بتجريده للبرهان عند ذكر قرارات الرابع من يوليو من (التركين)، فذكر مجرداً من (ركن) ومضى إلى القول بأن القرارات ليست آحادية وأنها تمت بالتشاور معه، ولكن هل كان التعليق عليها يحتاج التأخر لثلاثة أسابيع، أم أن "حميدتي" لم يسمع بها إلا بعد وصوله الخرطوم للقاء مدراء شركات الاتصالات والاجتماع بالسفير؟؟!! والتي سيغادرها إلى دارفور مجددا ولأيام قد تطول.
✓• أبدى حميدتي زهده في التمسك بسلطة تكلف الدماء وأرواح الأبرياء، وألقى الحبل على قارب القوى السياسية المدنية للتشاور والتحاور، وهو لم ينطلق لهذا القول إلا من تحضيرات جيدة آخرها اجتماعات (سدنة) الإنقلاب الذين أوعز لهم التحرك نحو (المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير) للإسراع بتكوين «حكومة توافقية» تقود للانتخابات، متناسيا أن الخرق قد اتسع على الراتق، وليس (المركزي) وحده الذي يستشار في الحل السياسي وأن القوى التي مدها بالأموال والرصيد والحديد واستدعاها لاعتصام «القصر» لن تقو على إحداث "الاختراق" المطلوب في الأزمة السياسية، لذلك كلفهم بالتواصل مع قوى الثورة باذلا في ذلك ما شاء من مال وحديد ورصيد أو لمن أبى فالوعيد والبطش الشديد.
✓• لفت انتباهي حث حميدتي للقوى السياسية للإسراع في التوافق لتكوين ما سماها مؤسسات الحكم الانتقالي، والتي قوضها هو والبرهان، ومزقا مرجعيتها الدستورية، وخرقا وفاقها الوطني، وخانا التزامها السياسي، وعبثا بمقدراتها الإقليمية والدولية، وسجنا طاقمها الوزاري، وغيرا قيادة مؤسساتها بالإخوان، وأغرقا أهلها بحمامات الدم والدموع، وهي ذات المؤسسات التي أعاد إليها الفلول من الحركة والتنظيم المحلول، ومكنا كتائب الظل والعمل الخاص، والذين استوعب "حميدتي" كثيرين منهم في قواته ومكتبه ومؤسساته، وكفل لهم الحماية بل وأرسل بعضهم كممثلين وملحقيات في الخارج.
✓• كما أنه التزم إلتزاماً مريبا - بالنسبة لي- بأنه سيذلل كافة الصعاب التي من شأنها إعاقة الوصول للتوافق، وهو يعلمها علم اليقين وهي ما قدم للوساطة مكتوبا، ويعلمهم القاصي والداني، وعلى رأسها إنهاء الإنقلاب المشؤوم وإبطال قراراته وإجراءاته واستعادة الوضع الانتقالي بأسس دستورية جديدة، وهو ما تمنعوا عن فعله لما يقارب العشرة أشهر، حصدت إثرها بلادنا الهشيم والحصرم.
✓• أما في حديثه عن اندهاشه لما آلت إليه أوضاع دارفور، وما ترتب على حروبها من فقر وعوز وضيق وأزمات وكوارث وتردي في الخدمات، فهو الأمر الذي يذكرني بطرفة قالها المخلوع: ((أنه صلى في مسجد يدعو إمامه بأن لا يسلط الله عليه من لا يخافه ولا يرحمه، فصاح أحد الحضور قد كان يجلس بجوار البشير: "يا مولانا هو سلط وانتهى"))، وفجر البشير ضحكة بلهاء، فبربك يا دقلو حينما كنت تجرب كافة الأسلحة المباحة والمحظورة في دارفور، بدءاً من الآلي إلى صواريخ الشواظ والمدافع الفتاكة، تحت تغطية طيران الأبابيل، الم تكن تعلم أن تلك هي ثمرة الحرب؟؟، دقلو: حدثنا عن كل شيء ولكن لا تحدثنا عن آثار الحرب، فأنت قد أفقرت سلاطينا وملوكا ونظارا وفرشا وشاراتي وجلست على كنوزهم، وحرقت ديارا وحواكيرا ورتعت في أطلالها، وأذكيت نيرانا للحرب وفتحت بابها الذي لن توصده إلا مؤسسات دولة تحقق العدالة الانتقالية والقصاص للضحايا وعقاب الجناة.
✓• وتناول البيان مساعي دقلو التي أتت بصيغة المتخاطب (أنا) وفعلت وتركت، هذا ما يبين لك حتى آحادية ودكتاتورية وسلطوية العقل الاستشاري الذي يصوغ مثل هذه الخطابات، فدقلو ليس فرادا واحداً لا شريك له، وإنما هو منظومة سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية متكاملة يريد دقلوا الهروب منها إلى حيز جديد وهو «اللاسلطوية» والجلوس في منطقة رمادية كالتي جلس فيها بعد قرارات ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، وحاول العودة منها عبر استعادة د. حمدوك وفشل في ذلك.
✓• هذه المساعي في دارفور لن تكون ذات جدوى وسترتد حروبها أكثر شراسة وضراوة وحدة بعد خروج القوات من دارفور، وذلك لأن الحل للأزمة السودانية لا يكون بالتجزئة وإنما بالحل السياسي الشامل لتحقيق السلام العادل والتحول الديمقراطى الكامل، وأن كل المساعي التي ينشط فيها الإنقلابيين ووكلاءهم في دارفور أو من تم إرسالهم للنيل الأزرق، فهي تسكينية ولن تبرئ جراح الوطن.
✓• وما يستخدم في هذه المصالحات هو ما أسميه «المخادمة»، وهو بمثابة البيع والشراء السياسي والبراغماتية المتبادلة إن لم يتعداه للانتهازية، وذلك لأن هناك مصالح متبادلة بين إدارات وامارات أهلية تطمح للسلطة والغنى وبين طموح كبير لـ "حميدتي" زينه له (السدنة)، بأنك يمكن أن تحكم هذه البلاد إن لم يكن بالرغبة فبالرهبة، وبعد أن استعصى عليه الشعب بالترهيب والتركيع والبطش والتجويع، ها هو يحاول عن طريق استخدام بعض البيوتات الدينية والإدارات الأهلية والحركات المسلحة والقيادات الحزبية لشراء بعض الذمم وتدجين أصوات بعض الجماهير، فمبدأ «المخادمة» تجلى بصورة كبيرة في نهج حميدتي، الذي يميل دوما لإبرام "الصفقات" التي غالبا ما يكسب طرفيها ويخسر الوطن، فقد استخدم «المخادمة» سياسياً وأمنيا واقتصادياً وأهليا وجهويا، ولنا في تصرفات كثيرين خير دليل كاعتصام القصر الذي حمى فاسديه، وإغلاق الشرق الذي أكرم منفذيه.
✓• في الفقرة الأخيرة بين "حميدتي" الجهة التي رسمت له (خارطة الطريق نحو المخرج الآمن) الذي حاول البرهان استباقه إليه عند لقاء السفير البريطاني، إلا أنهما ألفيا نفسيهما لدى الباب، وهذا المخرج تطرحه بعض الدول الكبرى وحددت مطلوباته في قمة جدة وبيان الرباعية وبيانات الترويكا وهمست به المملكة المتحدة ومبعوثيها، ولك أن تقرأها عزيزي اقتباس السبع نقاط التالية:
(( ١. إلتزامي التام بالعمل من أجل حماية أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.
٢. وحماية المرحلة الإنتقالية حتى تقود لتحول ديمقراطي حقيقي وانتخابات حرة ونزيهة.
٣. كما أؤكد إلتزامي التام بالعمل مع "الجيش" السوداني وكل المخلصين الوطنيين الحادبين للالتزام بمهامنا الدستورية.
٤. والعمل على إصلاح المنظومة العسكرية والأمنية.
٥. وتنفيذ إتفاق جوبا لسلام السودان بما في ذلك بند الترتيبات الأمنية المنصوص.
٦. وصولاً لـ (جيش) واحد مهني ويعكس تعدد السودان وتنوعه، ويحافظ على أمن البلاد وسيادتها ويصد كل أشكال العدوان ضدها.
٧. كما نجدد الدعوة للأخوة حملة السلاح للانضمام للسلام.))
انتهي الاقتباس
✓• الخلاصة: أن حميدتي ومن معه من مستشارين قدامى وجدد ايقنوا أن الدكتاتورية ونظام الهيمنة الآحادي الذي حاولوا ترسيخه بالإنقلاب ثبت بطلانه وعجزه. لما أشعله من حروب دموية ومعارك سياسية وتلك الثقافية الرهيبة التي أضرمتها قوى الإنقلاب وأججتها وسائل إعلامه، وتبين ألا فرصة لأي تعاون خلاق بين الانقلاب والشعب السوداني ومكوناته الثورية، بل حتى التنافر وصل بين مكونات الإنقلاب العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك لجأ "حميدتي" لبث هذه التطمينات للشعب والإقليم والعالم بل والجيش السودان الذي ذكر حميدتي لأول مرة ضرورة أن يكون هناك جيش واحد.
✓• وهو يرى أن ينسحب إلى حيز «اللا سلطوية» ويمارس السلطة تدريجياً عبر السيطرة على العناصر الحاسمة في أي صراع أهمها الإقتصاد، والقوى الخفية المرجحة في القرار المحلي والوطني، عبر واجهات يجري تصميمها بعناية شديدة، بها آلاف القيادات والمنظمات والأجسام. ستنشط تلك المؤسسات «اللا سلطوية» باللجوء لمبدأ «المخادمة» وتفتح لها الدور وتبذل لها العطايا وتمنح إليها الهدايا وستمول البنوك المملوكة للمنظومة «اللا سلطوية» عمليات كبيرة وصغيرة ومتناهية الصغر كشراء الأراضي والشركات والعقارات والمنقولات والأصول المملوكة للمجتمع لتخدم "حميدتي". والهدف النهائي هو استبدال كيان بآخر ومجتمع ببديل وإحلال ناخب جديد يهيأ للإنتخابات التي أشار إليها "دقلو" في ثنايا الخطاب، فـ "المخادمة" لا تحقق فقط الحكم ولكن أيضًا الهيمنة الاقتصادية والتحكم في القرار السياسي.
ختاماً: نحن ننحو بانحدار سريع ومريع تجاه الإنهيار المؤسسي الشامل في بنية الدولة، ومؤسساتها وكياناتها وأحزابها وهيئاتها وتكويناتها وأنظمتها وقوانينها وأعرافها، ومن يملك السلطة والمال هو وحده من سيرث منظومة الدولة المتهالكة، وأن السعي نحو ذلك يجب الوقف له والتصدي بحسم لإيقافه، ونصح كل من يريد خلخلة كيان الدولة ليستحوذ على ما تبقى منها، بأن هذا الوطن لا يستحق أن يفعل فيه مثلما فعل أو كما هو مخطط، وأن الطريق لقطع جميع المؤامرات التقسيمية لا تكون بالالتفاف عبر هذه الخطابات، وإنما بمواجهة الأمر بعبارات صريحة وجريئة، تقر بفشل الإنقلاب، وتبطل قراراته، وتوقف إجراءاته التي لا زالت متواصلة وتتغول قيادته الانقلابية على ملفات الحكم والإدارة والدبلوماسية، وأن يحدث تنحي فعلي وفوري عن السلطة في البلاد وليس كما هو بالصورة التضليلية التي حدثت بعد قرارات ٤ يوليو ٢٠٢٢م، أو فالحالقة.
______
@orwaalsadig