الثلاثاء، 27 سبتمبر 2022

حبيبي محمد ﷺ

حبيبي محمد ﷺ

(١)

هذا الحبيب المنتجب ﷺ، والصفي المنتخب ﷺ، لم يحُز بشرٌ على وجه البسيطة أو تحتها، ممن سبق أو لحق مجده أو سؤدده، ولم تخف على الخلق خافية عنه منذ ميلاده ونشأته وحياته وبعثته حتى مماته ﷺ، فكان هو الشخص الوحيد الذي ضُبطت أقواله وأفعاله، وأُحكم نسبه وأهله وصحابته وأزواجه وعياله، وعُرف كُتّابه وسفراؤه وحراسه وخدامه، وصُورت ثيابه وسيوفه ورماحه ودوابه ومشربه وطعامه، جميعها رُصدت بصورة متسلسلة متواترة محكمة النصوص ورسمت بدقة في التراث الموروث، حتى من حاول التقول عليه ﷺ جعل بينه وبينهم قولا قطعيا لوزن تقولاتهم فقد ال ﷺ: ( إذا سمعتُمُ الحديثَ عني تعرفُه قلوبُكم ، و تَلينُ لهُ أشعارُكم و أبشارُكم، و تَرون أنَّهُ منكُم قريبٌ، فأنا أولاكُم به، و إذا سمِعتُمُ الحديثَ عني تُنْكِرُه قلوبُكم، وتنفِرُ منه أشعارُكم و أبشارُكم ، وترون أنَّهُ منكُم بعيدٌ ، فأنا أبعدُكم منهُ) ١.




(٢)
وقد تم التأريخ والتوقيت زمكانيا لكل تفاصيل حراكه وسكونهﷺ، بالعام والشهر واليوم، ومهما تباينت الآراء ووجهات النظر حول موقف من المواقف إلا ووجد قولا راجحا لا يقبل الجرح ولا التعديل عن حياته ﷺ، فاستحق بذلك أن يكون الإنسان الأول الموثوق، المصدوق، موثق السيرة، وصادق السريرة، وحافل المسيرة، لم تطمس الأيام كتبه وكتاباته المسطورة، ولم تدرس الأيام سيرته المحفوظة والمنشورة، رغم محاولات أصحاب الملل والنحل والمستشرقين والطامسين والدول والممالك والإمبراطوريات الحثيثة والخبيثة لطمس صحائفه وتشويه تاريخه ﷺ.



(٣)
كانت ولا زالت حقيقته ﷺ ظاهرة لأولي الألباب والأخيار، ومحبته محفورة في لُبّ الشجر والحجر والأفلاك والدواب والمدر قبل استقرارها في سويداء قلوب البشر، لا يمر يوم أو لحظة أو ساعة أو دقيقة أو ثانية دون ذكره من إنسان لم يره ولم يسمعه ولم يقابله أو يصدح باسمه آذان بطول خطوط الأرض ودوائر عرضها، فجميع من في الكون من ملته اليوم لم يقابله منهم أحد، إلا أنهم يصدقونه ويمجدونه ويتبعونه ويصلون عليه ﷺ، تختلف الألسن، وتتباين اللغات إلا أنهم جميعا يلهجون بحبه ﷺ في كل أركان المعمورة دون توقف وكأن ساعة الزمان ضبطت دقاتها على ذكره تردد محمد محمد ﷺ.



(٤)
ظل التباري في مدحه ﷺ ووصفه وإظهار محبته وتخليد آثاره دأب كل أمة وكل جيل، وتنافس المتنافسون، وتبارى الكتاب والشعراء والمؤرخون، في تعداد مآثره، وتحبير فضله وذخائره، وتقدم المتقدمون بالشهود على ذلك ولحقهم المتأخرون، فلم يقتصر التدوين على صحابته وتابعيه وأبناء عمومته وأهله وخاصته وملته، بل شهد بذلك العجم الذين جعلوه في صدر أعظم العظماء وأول شخص في قائمة عظماء الكون المائة كما قال بذلك مايكل هارت ٢، وقيل عنه :( إن ﻫﺬا اﻟﺮﺳﻮﻝ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻋﻈﻴﻢ «ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻮﻓﻴﻪ ﺣﻘﻪ ﻣﻦ اﻟﺘﻜﺮﻳﻢ، ﻭﻟﻮ ﺟﻌﻠﻨﺎ ﻣﺎء اﻟﺒﺤﺮ ﻣﺪاﺩا ﻟﻜﻠﻤﺎﺗﻨﺎ؛ إلى قوله، ﻫﺬﻩ اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ اﻟﻤﻌﺠﺰﺓ اﻟﺘﻲ اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ ﻓﻲ ﺳﻨﻮاﺕ ﻣﻌﺪﻭﺩﺓ، ﺃﻥ ﺗﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﻓﻮاﺭﻕ اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻭﻋﺼﺒﻴﺎﺕ ﻗﺒﻠﻴﺔ» ﻭﻣﻌﺘﻘﺪاﺕ ﺩﻳﻨﻴﺔ ﻭﺛﻨﻴﺔ، ﻭأﻋﺮاﻑ ﻭﻋﺎﺩاﺕ ﻣﺘﻮاﺭﺛﺔ، ﺿﺮﺑﺖ ﺟﺬﻭﺭﻫﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻕ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻘﺒﻠﻲ اﻟﺠﺎﻫﻠﻲ ﻣﻨﺬ ﻣﺌﺎﺕ اﻟﺴﻨﻴﻦ» ٣، وجمع البشرية من طنجه إلى جاكرته مُنهيا الإثنية والوثنية وهو لعمري الأمر الذي لا زالت البشرية تحاول الوصول إليه لتذيب تلك الفوارق ولتهذيب النفوس وتحقق المساواة بين الآدمية لكونهم من نسل آدم عليه السلام.



(٥)
وهذا كله لم يُلغ إجتراء البعض من التبغض عليه وان يَلِغ بعضهم ذما وقدحا وإساءة، منذ عهده ﷺ، إلى حوادث عصرنا هذا وأشهرها وأقساها وأمراها وأنكاها ما نشر في صحيفة جيلاندز - بوستن من صورة كاريكاتورية في سبتمبر 2005م قيل أنها للحبيب ﷺ حاشاه ومن بعدها ما نشر في شارلي أيبدو الفرنسية وغيرها، مما اتخذتها بعض الأحزاب في بعض الدول تحت ذريعة الحرية للأساءة له ﷺ ولديننا الحنيف ولكن الارتدادات التي ترتبت على ذلك كانت أقسى عليهم مما شعرنا نحن به، فارتدت الأوضاع عليهم سياسيا واقتصاديًا واجتماعيا وفي بعض الأحيان أمنيا، فهو وعد بذله الحق ﷻ لسيد الخلق ﷺ ، إذ قال : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ٤، ولا زالت العصمة متواصلة ماثلة حتى يومنا هذا وستستمر بأمر ربها إلى يوم يبعثون.



(٦)
لذلك ظلتُ على الدوام يتملكني يقيني الراسخ بأن هذا الحبيب ﷺ مهما ادعينا الانتصار إليه والذود عنه، نجد أن ألسنتنا أقصر وأيادينا أعجز وأقلامنا أدنى من أن تذُب عنه شيئا، بل في كثير من الأحيان نكون نحن أحوج الخلق لينصرنا ﷺ ويدافع عنا المولى عز وجل، فنجد بين ظهرانينا ما تركه فينا ﷺ قوله تعالى: ( ۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍۢ كَفُورٍ) ٥، وسيظل دأب الخونة والكفار الإساءة إليه إلى يوم الدين : ( وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) ٦، والتحدي ضدهم قائم وجوديا أزليا سرمديا بيننا وبينهم ودائم بدوام قوله تعالى: (فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) ٧.



(٧)
وستبقى رسالته وحقيقة نبوءته كالشمس في رابعة النهار لا ينكرها إلا خفاش، تومض في عقول العالمين ووتزهر في قلوب أولي الأبصار وتزدهر في ربوع الكون، وسيجد الباحثون عن الحقيقة في نصوص الزبر والأناجيل والألواح والعهدين إليها سبيلا إذا جدوا، فمهما طرأ على كتبهم من تحريف وتجريف وتخاريف سيجدون بين سطوره ما يشير إليه ﷺ، أولم يؤكد ذلك المولى القدير في قوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ٨؟، وسيصل لهذه الحقيقة عنه ﷺ كل منكر كذاب وكل ومتكبر مرتاب، ومن فتح الله عليه من أهل الكتاب في أناجيلهم بل حتى اليهود الذين قيل فيهم: ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) ٩.




(٨)
كما سيخلد رب العالمين نظما لم يقله بشر في مخلوق سواه، يؤكد محبة العالمين له وما أدركوه عنه من عظمة قدر وجلال مقدار وعظيم حكمة وهداية ورحمة وبركة، كما قال الحكيم:

ﺟﺰﻯ اﻟﻠﻪ ﺭﺏ اﻟﻨَّﺎﺱ ﺧﻴﺮ ﺟَﺰَاﺋِﻪِ ... ﺭَﻓِﻴﻘَﻴْﻦِ ﻗَﺎﻻَ ﺧَﻴْﻤَﺘﻲ ﺃﻡ ﻣﻌﺒﺪ
ﻫﻤﺎ ﻧﺰﻝ ﺑِﺎﻟْﻬﺪﻯ ﻭاﻫﺘﺪﺕ ﺑِﻪِ ... ﻓﻘﺪ ﻓَﺎﺯَ ﻣﻦ ﺃَﻣْﺴَﻰ ﺭَﻓِﻴﻖ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
ﻓﻴﺂﻝ ﻗﺼﻲ ﻣَﺎ ﺯﻭﻯ اﻟﻠﻪ ﻋَﻨْﻜُﻢ ... ﺑِﻪِ ﻣﻦ ﻓﻌﺎﻝ ﻻَ ﺗﺠﺎﺯﻯ ﻭﺳﻮﻭﺩ
ﻟِﻴﻬﻦ ﺑﻨﻲ ﻛَﻌْﺐ ﻣَﻜَﺎﻥ ﻓَﺘَﺎﺗﻬﻢْ ... ﻓَﺈِﻧَّﻜُﻢ ﺇِﻥ ﺗﺴﺄﻟﻮا اﻟﺸَّﺎﺓ ﺗﺸﻬﺪ
ﺩَﻋَﺎﻫَﺎ ﺑِﺸَﺎﺓ ﺣَﺎﺋِﻞ ﻓﺘﺤﻠﺒﺖ ... ﻟَﻪُ ﺑِﺼَﺮِﻳﺢ ﺻﺮﺓ اﻟﺸَّﺎﺓ ﻣُﺰْﺑِﺪ

ومهما عظمناه ومدحه أصحابه فقد ظل ﷺ يؤكد بشريته وسمعنا من تبار في وصف شمائله وتنافس في تبجيله هديهم قوله تعالى: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)  ١٠، حتى رددوا قول ﻫﺮﻡ ﺑﻦ ﺳِﻨَﺎﻥ:
ﻟَﻮ ﻛﻨﺖ ﻣﻦ ﺷَﻲْء ﺳﻮﻯ ﺑﺸﺮ ... ﻛﻨﺖ اﻟﻤﻀﻲء ﻟﻠﻴﻠﺔ اﻟْﺒَﺪْﺭ

ﻭَﻓِﻴﻪ ﻳَﻘُﻮﻝ ﻋَﻤُّﻪ ﺃَﺑُﻮ ﻃَﺎﻟﺐ:
ﻭﺃﺑﻴﺾ ﻳﺴﺘﻘﻰ اﻟْﻐَﻤَﺎﻡ ﺑِﻮَﺟْﻬِﻪِ ... ﺛﻤﺎﻝ اﻟْﻴَﺘَﺎﻣَﻰ ﻋﺼﻤَﺔ ﻟﻷﺭاﻣﻞ
ﻳﻄﻮﻑ ﺑِﻪِ اﻟﻬﻼﻑ ﻣﻦ ﺁﻝ ﻫَﺎﺷﻢ ... ﻓﻬﻢ ﻋِﻨْﺪﻩ ﻓِﻲ ﻧﻌْﻤَﺔ ﻭﻓﻮاﺿﻞ
ﻭﻣﻴﺰاﻥ ﺣﻖ ﻻَ ﻳﺨﻴﺲ ﺷﻌﻴﺮﻩ ... ﻭﻭﺯاﻥ ﻋﺪﻝ ﻭَﺯﻧﻪ ﻏﻴﺮ ﻋﺎﺋﻞ

إلى قول صاحب البُرده عليه الرحمة ١١: 

ﻭﻛﻴﻒ ﺗﺪﻋﻮ ﺇﻟﻰ اﻟﺪّﻧﻴﺎ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻣﻦ ... ﻟﻮﻻﻩ ﻟﻢ ﺗﺨﺮﺝ اﻟﺪّﻧﻴﺎ ﻣﻦ اﻟﻌﺪﻡ
ﻣﺤﻤّﺪ ﺳﻴّﺪ اﻟﻜﻮﻧﻴﻦ ﻭاﻟﺜّﻘﻠﻴﻦ ... ﻭاﻟﻔﺮﻳﻘﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﺮﺏ ﻭﻣﻦ ﻋﺠﻢ
ﻫﻮ اﻟﺤﺒﻴﺐ اﻟﺬﻱ ﺗﺮﺟﻰ ﺷﻔﺎﻋﺘﻪ ... ﻟﻜﻞّ ﻫﻮﻝ ﻣﻦ اﻷﻫﻮاﻝ ﻣﻘﺘﺤﻢ


(٩)

ولم يكن ﷺ ذلك الإنسان الذي يطربه أي مدح أو ينتشي لمغالاة في الإطراء، وقد نبه صحابته عليهم الرضوان بقوله: (لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النَّصارى ابنَ مريمَ؛ إنّما أنا عبدُهُ، فقُولُوا: عبد الله ورَسُولُه) ١٢، لذلك لم ينكروا بشريته وفاقوا من صدمة موته ﷺ سريعا واستذكروا قول الله تعالى: (  إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) ١٣،  وهي من المحاذير التي يقع فيها كثير منا مغالاة للانتصار إليه ﷺ وهي أمور توردنا الانتحار والإساءة لجنابه الكريم لا الإضاءة على محيا نهجه الرحيم ﷺ.



(١٠)
لم يدع ﷺ يوما أنه يمنع الشر ويمنح الخير، وظل دوما يقدم ما خصه الله به من فضل وفضائل وتفضيل ويرجعه إلى بارئه ذي الجلال والإكرام ويردد :( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ١٤، ولم يبتدع ﷺ أو يجترح أمرا، فما من قول أو فعل أتى به إلا وقد أوحاه إليه الله أو ألهمه إياه: ( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) ١٥، وظل ﷺ نذيرا مبينا واختار كثيرون منا اليوم أن يجترئوا عليه ويتجاوزوا كل ذلك ليوهموا الخلق بأنهم يضرون وينفعون واتخذوا لأجله سُبلا وتضليلا.




(١١)
لقد جعل الحبيب ﷺ حياته نبراسا لنا للاقتداء والإهتداء فما نهانا عن شيء إلا وابتدأ به نفسه منتهيا وممتثلا لأمر الله: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۚ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) ١٦، واليوم تجد أئمة المسلمين وعامتهم يتناهون عن أمور ويبتدرون فعلها، وبعضهم يتوجهون إلى غير شرعه وشريعته ويبتغون إلى غير ذي العرش سبيلا، متناسين توجيهه ﷻ إلى حبيبه الأعظم ﷺ: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ١٧.



(١٢)
وقد جاءنا هذا الحبيب ﷺ ببصائر ربنا وحدد مصائرنا أننا لله وأنا إليه راجعون، وبين لنا أن من استجاب لدعوته على بصيرة فقد هدي، ومن أعمى الله بصره وبصيرته فقد ضل ضلالا بعيدا، وليس هناك ما يمنعنا من الحق واتباعه إذ هو آخذ بنواصينا وأيدينا، فمنا المحرومين ومنا المرحومين، وكذلك المسعفين  والمسفوعين، ليس هناك يومئذ حميم ولا شفيع يرفع مقت الله وغضبه عنا إذ ضللنا وليس هناك من يمسك رحمتها إن تولنا: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) ١٨.




(١٣)
واجبنا ونحن نظن ظنا حسنا أننا في خيرية أمته ﷺ ليس استلال السيوف وإرغام الخلق على الإيمان برسالة الحق، ولا ذبح الأعناق وضرب الرقاب والدق، ض٩١حتى يذعن الناس لدينه ويدفعوا الجزية كما يصور البعض، فنحن ملة الرحيم الذي فرض علينا مناجاته ومصافاته في اليوم (١٧ مرة) ونحن نردد اسم إلهنا "الرحمن الرحيم"، ليس من واجبنا سلب الحرية وإكراه الخلق على امتثال نهجه ﷺ، فقد بين ذلك صاحب الشأن الذي لا يشغله شأن عن شأن في قوله:  (لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ١٩، لذا ينبغي علينا الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن عن معرفة وعلم وفقه وتدبر في آياته سبحانه الله أو الرحمن، واتباع طريقته وحكمته ﷺ، وأن تكون دعوتنا إلى سبيله جل جلاله على بصيرة لا عن تنطع وجهالة كما يفعل كثير ممن اعتلوا منابر خلافة الحبيب ﷺ وجلسوا على كرسيه يعظون، وعلينا أن نتمثل قوله ﷻ: ( قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ٢٠.



(١٤)
ختاما: هذه المقالة من عروة الصادق وهو عبد مفتقر إلى ربه حقير ذليل يرجو نوال الله وكريم عطائه، ويبتغي بها وجهه الكريم وصحبة نبيه الرحيم ﷺ، فإن طابق ما فيها الحق فهو من فضل الله على هذا المتبتل المتذلل، أما إن جانبته إلى الخطأ فهو تقصير  مؤمل ولممٌ يتضرع صاحبه لغفران ربه وكريم عفوه سبحانه، ما أرجوه وأطلبه من كل قاريء/ة وقع في عينيه مقالي هذا أن يكتب ما شاء الله له عن حبيبنا الأعظم ﷺ تعريفا عنه وتشرفا به، بأي لغة علمها إياه ربي وينشر ويرسل ما كتب لأستهدي به في سكة التعرف على الحقيقة الكاملة عن هذا النبي الأكرم، وهو ما أبتغيه منكم من أجر ولا أؤحو سواه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ٢١.


الدعاء: 
اللهم اجز حبيبنا محمد ﷺ أفضل ما جازيت نبيا عن أمته يا مجيب وصل عليه صلاة دائمة بدوام نور وجهك الكريم، وأعنا ومن صحبنا ومن أحبنا على اتباع سكته حتى نلقاك على صفاء ويقين، وارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا واهدنا واهد أبناءنا وبناتنا، وارزقنا وإياهم لذة النظر إلى وجهك الأنور وصحبة رسولك الأطهر ﷺ وآله مع التسليم.

آمين




الثلاثاء:  ١ ربيع الأول ١٤٤٤ ه
الموافق: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٢م

______________________
الهوامش: 
١. أخرجه الإمام أحمد.
٢. مايكل هارت ‏ هو فيزيائي فلكي يهودي أمريكي، صاحب كتاب الخالدون المئة.
٣. ﻛﺘﺎﺏ ﺭﺳﺎﻟﺔ اﻻﺳﻼﻡ، اﻟﺮﺳﻮﻝ اﻟﻌﺮﺑﻲ، اﻟﻌﻤﺎﺩ ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻃﻼﺱ.
٤. سورة المائدة - الآية ٦٧.
٥. سورة الحج - الآية ٣٨.
٦. سورة يوسف - الآية ٥٢.
٧. سورة المرسلات - الآية ٣٨.
٨. سورة الأعراف - الآية ١٥٧.
٩. سورة الأعراف - الآية ١٥٩.
١٠. سورة القلم - الآية ٤.
١١. الشيخ العلامة ﺷﺮﻑ اﻟﺪﻳﻦ ﻣﺤﻤﺪ اﻟﺒﻮﺻﻴﺮي.
١٢. أخرجه الإمام البخاري.
١٣. سورة الزمر - الآية ٣٠.
١٤. سورة الأعراف - الآية ١٨٨.
١٥. سورة الأحقاف - الآية ٩.
١٦. سورة الأنعام- الآية ٥٦.
١٧. سورة الأنعام - الآية ٧٩.
١٨. سورة يونس- الآية ١٠٨.
١٩. سورة البقرة- الآية ٢٥٦.
٢٠. سورة يوسف - الآية ١٠٨.
٢١. سورة ص - الآية ٨٦.