معارك حامية ومخاض أكتوبري
● سيظل التباين الثقافي والسياسي والديني والقبلي سمة أهل السودان والخليفة الخالدة، وسيبقى الاختلاف في الألسن والألوان والمعتقدات ما بقيت السموات والأرض، ولكن السبيل الأنجع هو التسامح والتعايش بالحسنى واحترام بعضنا البعض، لا بتغذية الصراعات الإثنية وتأليب النعرات وتذخير الصراع بأدوات العنف الفتاكة، فقد ظلت منطقة الجبال (جبال النوبة) خصوصا الشرقية منها تشهد عدد من النزاعات ولكن سرعان ما يتم تداركها، وقد شهدت ولاية جنوب كردفان إيقاف عدائيات ووقف إطلاق نار وإبرام اتفاق (الحلو - حمدوك)، ولكننا نشهد هذه الأيام محاولات حثيثة لنسف أي بذرة استقرار فيها، وذلك لانتهاء فصل الخريف وبدء تحشيدات عسكرية وأخرى مضادة في مناطق يمكن أن تهدد حصاد الموسم الزراعي الناجح إلى حد ما.
● وتبعا لذلك استصدرت القوات المسلحة والدعم السريع بيانات تنديد وإدانة لما وصفوه بالعدوان و (جموح) الجيش الشعبي، ومن جانبها أصدرت الحركة الشعبية بيانا تتهم فيه (جنوح) القوات النظامية لفئة من أطراف الصراع، وجميع هذا معناه أن الأوضاع إذا استمرت بهذه الحرب الكلامية ستتصاعد لتخلف معارك حامية وجروح لا يرجى برؤها، وإحداث حالة من اللا استقرار والنزوح لآلاف الأسر، وهو أمر يقتضي من كل ذي عقل وقلب من أهل الوطن والمنطقة رجالا ونساء من ساسة وإدارات أهلية وقادة مجتمع الإسراع لوأد هذه الفتن في مهدها.
● كما على الشباب الذين انخرطوا في الترويج لمشاريع تمزيق الوطن الالتفات لأنفسهم أولا ولمستقبل الوطن المشترك الذي لن يشاركهم فيه من يروجون للحروب، اأن هذا الجيل ما بينه من مشتركات أكبر من كل المفرقات الموروثة والسموم المبثوثة، فهذا الجيل هو الذي خاض معارك الحامية مع دكتاتورية الإنقاذ لثلاثين عام بالسلاح والكفاح، وانتصر عليها بثورته السلمية الموحدة، وهناك من يعمل ليل نهار لتمزيق هذه الوشيجة ونحن بغفلة وغباء نهلل ونكبر له ونقدس بحمد حربه اللعينة، واجبنا الإنتباه فالإنتباه ثم الانتباه.
● لأن البلاد مرشحة للعنف الشديد فضبطيات الأسلحة التي تعلن بين الفنية والأخرى من قوات نظامية مختلفة تقول أن هناك عمليات تسلح خفي وهناك أسلحة بكميات كبيرة تتسرب إلي البلاد برا وبحرا ومن ثم لأيادي المواطنين وتمتلك خارج الأطر الرسمية، وهناك ما يحفز لاغتناء الأسلحة ولو بصورة غير شرعية (بدون اورنيك ١٢ س)، وذلك لما يعيشه المواطن من حالات خوف وهلع جراء فظائع الجماعات المنظمة التي تجتاح الأحياء والمجمعات والمرافق العامة تسلب وتنهب وتروع الآمنين وتقطع أوصالهم تحت مرأى ومسمع سلطة البرهان.
● في هذه الأثناء يأتي إلى البلاد قادما من واشنطن وزير المالية بخفي حنين، مرددا أن إجراءاتهم الإنقلابية في ٢٥ أكتوبر أثرت على التعاون الدولي مع السودان، وحجمت دور صندوق النقد والبنك الدوليين في السودان، وهددت التعاملات المالية الضخمة بينهما والسودان، وكأن (معاليه) قد اكتشف (الذرة)!!!، إلا أن صديق لي نبهني أنه اكتشف (الزرة) فقد بات الانقلاب وقادته (مزرورين) في ركن قصي يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا حتى أضحوا يتشاكسون ويتلاومون.
● ومع استمرار هذا المخاض المالي العسير، تزداد الضرائب والضوائق المعيشية والركود والكساد وتسرب التلاميذ من المدارس ويعاني كثير ممن زروعوا هذا العام من شح العمالة وارتفاع تكاليف الحصاد، وبعض المحاصيل كالسمسم عرضة للهدر والتلف ما لم يتم تداركها، وهو ما يتطلب تمويل عمليات الحصاد، وشراء المحصول الذي إن أحسن جمعه، سيدر على البلاد عملات صعبة ويوفر لها احتياطي غذائي يجنبها شح الغذاء وربما وقاها شبح مجاعة تلوح في الأفق وفق تقارير دولية.
● وكذلك تستمر مناهضة الشارع للإنقلاب بفعاليات وأنشطة كثيرة ومتعددة ومختلفة، فالضغط الجماهيري والتعبئة الشعبية والمواكب مستمرة، وقد اتجهت الحرية والتغيير لعقد ندوات جماهيرية حاشدة في المركز والولايات آخرها كانت في النيل الأبيض بمدينة كوستي في ميدان الحرية الذي عج بآميه، وكذلك تستمر التجمعات المهنية والقطاعية والفئوية والحرفية في تنظيم الاضرابات والاحتجاجات وصولا للعصيان المدني الشامل والإضراب العام، والآن كافة تسييريات النقابات المهنية والفئوية والحرفية تنسق مع بعضها البعض رفضا لسوء الأوضاع بعد عام كامل من الإنقلاب.
● في ذات الوقت تستمر العملية السياسية بالتوازي مع الضغط الجماهيري، فقد أكملت الحرية والتغيير رؤيتها الدستورية ومباديء وأسس الحل السياسي الشامل للأزمة لتحقيق التسوية السياسية الشاملة، لا المساومة كما يصورها البعض، وقد صاغت مسوداتها ونشرتها للكافة وانخرطت في مشاورات مع عدد كبير من قوى الثورة والفاعلين والمراقبين والميسرين الإقليميين والدوليين بغية الوصول لموقف موحد وإخراس كافة الألسن التي تتحدث عن اتفاقات سرية وتحت الطاولة مع قادة الإنقلاب، فالأمر منشور وقابل للجرح والتعديل، والضغط مستمر لإسقاط الانقلاب العسكرى وإبطال إجراءاته وإقامة السلطة المدنية الكاملة.
● فيما تنشط حملات حزبية أيضا للدعوة إلى مواكب ذكرى ٢١ أكتوبر المجيدة وذكرى مرور عام على الانقلاب المشؤوم والتي حشدت لها القوى السياسية قطاعات شبابية وطلابية ونسوية، ستنتظم أنشطة وفعاليات أكتوبر كل الأسبوع الأخير من الشهر والمتوقع أن يصل التصعيد ذروته فيه، لأن الإجراءات التي ينتهجها الانقلاب تقول بأن الإصرار على البطش والتنكيل بالخصوم لا زال سمة غالبة وسلوك أدمنته أجهزة قمع الإنقلاب.
● وهو ما يوجب وحدة جماهيرية وتنسيقية بين قوى الثورة لتضع حدا لهذا العبث الذي استطالت أيامه، كما أن أكبر محفز للتحرك الجماهيري والفئوي والقطاعي هو عودة الفلول بكل وقاحة وعنجهية لمفاصل دولاب الحكومة للهيمنة مجددا على الدولة ومرافقها التنفيذية في كل المستويات بل حتى المؤسسة القضائية شهدت عمليات تنقلات تمكينية عززت تواجد التنظيم المباد وعناصره في رئاسة الجهاز القضائي والمستويات القضائية العليا، فبعد أن أجهز البرهان على دولاب الدولة المدني وقضى على الخدمة المدنية وهيئات الجيش العليا وقادة أسلحته وألويته، وغير هيئة القيادة في الشرطة، هاهو يستكمل التمثيل بالمؤسسات القضائية ليتماهى تمام مع الدولة الإخوانية الخفية ويبتعث رميمها من القبور الثورية.
● ختاما: هذا المخاض أشبه بأواخر أيام المخلوع في إبريل، إلا أنه هذه المرة يطل علينا أكتوبريا خالصا، امتزج فيه (عبق) ذكرى ٢١ أكتوبر ١٩٦٤م، و(عطن) إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، فانتج حالة من الأسى والرفض الجماعي للواقع الذي سيشهد الجمعة ٢١ أكتوبر ٢٠٢٢م هزة شعبية جماهيرية سلمية تجتاح مدن السودان لتحيي أثر أكتوبر المجيد، وتمهد الطريق لأخرى أقوى في ٢٥ أكتوبر الذي يرجو الجميع أن يكون آخر مسمار في نعش السلطة الإنقلابية المتهالكة، وأن يكون مخاضا لميلاد فجر الحرية والسلام والعدالة.
عروة الصادق
١٩. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________
@orwaalsadig fb&tw
📧 orwaalsadig@gmail.com