الجمعة، 4 نوفمبر 2022

إفريقيا الدكتاتورية وقمة المناخ

إفريقيا الدكتاتورية وقمة المناخ


• إن الجهود الإفريقية النظرية التي بذلت من أجل اتخاذ موقف أفريقي موحد بخصوص المناخ ليتسق مع المساعي الدولية لم تتوقف منذ العام 2008م في جوهانسبيرج و2009م في نيروبي، وقد بذلت جهود لوضع استراتيجية إفريقية شاملة حول التغير المناخي، اصطدمت تلك الجهود دوما وأبدا بأنظمة عدووة لشعوبها قبل المناخ.

• وفي ذلك تم بذل جهود مشتركة مع الشركاء الدوليين والإقليميين لإعداد البيانات الفنية والقطاعية وتكاليفها الاقتصادية وكمية الانبعاثات التي تسببها الأنظمة البيئية الإفريقية، تم ذلك نظريا وحظي بالموافقة الدولية ولكن أعاقتها إما الاضطرابات السياسية أو الحروب الأهلية أو الانقلابات العسكرية كما هو حادث في السودان.


• وقد تمت الاستعانة بالنيباد وبرنامج الأمم المتحدة ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والدول الأعضاء والبنك الإفريقي للتنمية وغيرها من المؤسسات لوضع تلك الاستراتيجية التي لا زال البحث عنها جار في قمة المناخ في شرم الشيخ.

• تنظر الكثير من دول العالم والدول للتغيرات المناخية كعائق بيئي بينما تراه غالبية الدول الأفريقية كتحد تنموي، وقد وصلت الآثار المناخية السالبة لأغلب دول القارة فهناك شح في المياه بأقل من ألف لتر مكعب للفرد في العام لعدد من البلدان وانحسار للغطاء النباتي وتمدد الزحف الصحراوي، وقلة جريان عدد من الأنهار.

• وكذلك من نتائج التغيرات المناخية حدوث الفيضانات والسيول، الأمر الذي تسبب في عدد من الكوارث الإنسانية وهجر مئات الآلاف من المواطنين نزوحا من مناطقهم الأصلية، وأدى لتهديد مصادر دخولهم الزراعية والرعوية والانتاجية والتنموية وضيع على كثير من البلدان موارد إيرادية وأهدر آلاف فرص العمل في شتى المجالات.

• وهو الأمر الذي ألقى بظلال سالبة وعرض مجتمعات هشة لخطورة الاستغلال والأجور الزهيدة في وظائف أغلبها ذات طابع مؤقت أو موسمي، ما يعني عدم الحصول على الغذاء الكافي أو فرص تعليم جيدة للأطفال وانعدام الرعاية الصحية والكفالة الاجتماعية والضمان، الأمر الذي ألقى بعبء كبير على الأسر وقاد لغياب كثير من الرجال وهجرتهم رغبة أو رغما عن أنفسهم أو التحاقهم بالجيوش الزاحفة في المنطقة أو الهجرة غير النظامية نحو أوروبا أو دول الجوار المحيطة.

• في ظل هذه الأوضاع المذكورة تم إلقاء العبء الأكبر على نساء القارة اللاتي امتزن بالصلابة في وجه هذه التحديات واكتسبن مهارات كبيرة، وقدرات عالية، رغم محدودية الفرص، وأعباء الأمومة من حمل وولادة وإرضاع وحضانة ورعاية في ظل إنعدام الأمن والسلامة وضعف الأمان الوظيفي.

• لذلك لا مجال لإنجاح استراتيجية مناخية إقليمية أو دولية في القارة الإفريقية دون إشراك فعلي للشباب والنساء في دول المنطقة، وهو ما يستوجب اتخاذ إجراءات حوكمة رشيدة، تحقق الكفالة والمساءلة والشفافية والمساواة وأن يصون تلك الاستراتيجية ويحصنها قانون محلي يتسق مع التشريعات الدولية، وهو الأمر الذي يتعذر القيام به في ظل الأنظمة الدكتاتورية المهيمنة  على القارة الإفريقية.

• وأكثر البلدان تأثرا بارتفاع درجات الحرارة هي دول القارة الإفريقية والتي تتاثر صحة الإنسان فيها بدرجة عالية بأمراض كالسحائي وزيادة حالات الوفاة بسبب الإجهاد الحراري، والسكتات الدماغية وأمراض القلب، وانتشار الآفات والحشرات الناقلة للأمراض، كالبعوض والذباب واستشراء الأوبئة كالكوليرا وتفشي الملاريا وحمى الضنك المنتشرة في ولاية شمال كردفان بالسودان هذه الأيام.

• كما أن المواسم الزراعية ستضطرب وتختل عمليات الجدولة الموسمية أو ما يعرف بـ( العروة)، الأمر الذي سيغير كليا في أنماط الزراعة المتبعة وهو ما يترتب عليه تغير الثقافة الغذائية، والذي قاد في عدد من الدول إلى ارتفاع في أسعار المحاصيل والحبوب الغذائية وتسبب في نقص الغذاء وفاقم من المشاكل الصحية وأدخل ملايين الأطفال والسكان في دائرة سوء التغذية بحسب التقاريرالدولية.

• في تصوري أن غالبية دول العالم حدد المخاطر التي ستواجهها جراء التغير المناخي وآخرها ما ورد بصورة خجولة ومختصرة في قمة جامعة الدول العربية بالجزائر، ولكن على الدول الإفريقية اغتنام هذه الفرصة لتحديد مخاطرهم واستراتيجياتهم لمجابهة تلك المخاطر المناخية وإدماجها في الإطار الدولي، وأن تحرص أن تكون الدول الإفريقية قائدة في ملف المناخ لا منقادة، وذلك للتركيز على الأنشطة التنموية المرتبطة بتقييم المخاطر المناخية والفرص المتاحة.

• وعلي الدول تحديد وترتيب أولوياتها ووضعها ضمن الإطار الإقليمي والدولي وتحديد الإطار الزمني لتنفيذها، مقروءا ذلك مع الموروث النظري الذي تمت صياغته في فترات سابقة ولم ينفذ منه إلا النذر اليسير، والحرص على اتخاذ طرق فعالة وبرامج استجابة فورية تتواءم معواقع القارة وتتحكم في سيناريوهات المستقبل المناخي.

• ويقع على عاتق دول القارة الإفريقية تأسيس مراصد مناخية بأحدث التقنيات المتاحة وامتلاك أقمار صناعية خاصة بدول المنطقة ووكالة إقليمية للتعاون المعلوماتي فيما يخص المناخ، لتسهيل الحصول على المعلومة الموثوقة لوقف انتشار المعلومات المضللة وتحجيم دور منصات الهواة، لأن كافة الإجراءات والقرارات والسياسات المناخية تعتمد بصورة أساسية على المعلومة الموثوقة التي ينبغي تبادلها بين الدول، فكثير من الكوارث يمكن تلافيها قبل حدوثها، وعدد من الأزمات يمكن أن تشكل فرص لارتباط المعلومات المناخية بالمياه وإنشاء السدود والغذاء وسلاسل الإمداد ومشاريع الطاقة.


• هذا الأمر ينبغي أن يتزامن مع تعاون معلوماتي ديمغرافي يحدد كثافة السكان في الدول الإفريقية والتوقعات في الزيادة ومعدلات الوفيات والخرائط التنموية والمشاريع الاستراتيجية التي تؤثر وتتأثر بالمناخ، يدخل في ذلك تخطيط وإعادة التخطيط وتشيد المدن وأنظمة الري والتوسع في المشاريع الزراعية والتعدين والأنشطة النووية والنفطية وأنظمة الصرف الصحي وتطبيق برامج تعويضية للشرائح المتأثرة بالحروب والنزاعات والآثار المناخية وقد طبق في السودان برناج التحويلات النقدية المباشرة للأسر (ثمرات)، الأمر الذي سيسهم في خلق مجتمعات مستقرة تسهم إيجابا في تحقيق أهداف التنمية واستراتيجية القارة المناخية.

• وبذات القدر الذي تتحمل فيه الحكومات مسؤولية وضع السياسات المناخية وتنفيذها،  ينبغي على الهيئات الحكومية الاشتراك في رسم تلك السياسا والتفاعل مع الخطط والاستراتيجيات القومية للبلدان والإقليمية وأهداف التنمية الأممية، وهو النهج الشمولي الذي يستصحب كل أهل المصلحة في تلافي أخطار التغيير المناخي، وهذا الأمر تراجع كثيرا في قمة شرم الشيخ، إذ تم تحجيم المشاركة للمنظمات غير  الحكومية أو الاستعاضة عنها بتمثيل من كيانات مناخية اصطناعية صممتها الأنظمة الحاكمة في القارة الإفريقية، والأوضاع السياسية في مصر أثرت سلبا في مشاركة نشطاء المناخ في البلد والقارة.

• تظل مسألة المياه العابرة للحدود أكبر الاشتباكات المناخية الدولية، ومصر تعاني من تبعات صراع مائي مع دول حوض النيل من جانب، ومن جانب آخر الآثار المترتبة على سد النهضة، لذلك على الدول المشتركة في هذا المؤتمر ألا تمرر أي قرارات أو خرائط أو معلومات مناخية من شأنها تغذية الصراع في القارة الإفريقية.

• ما يؤسف له أن كثير من الدول الإفريقية وصانعي القرار فيها، والهيئات الحكومية والأحزاب  السياسية لا تملك خريطة طريق لقضية المناخ إلا قلة قليلة من الساسة المهتمين بأجندة التنمية، والذين يجدون الاستهجان حتى من القطاعات الحية عند تناولهم قضية كالاحتباس الحراري، بل تجد هذه القضية إهمالا وتبخيسا للدرجة التي يتم تغييب وزارة البيئة في بعض الدول والاستعاضة عنها بمجالس كسيحة لا تسمن ولا تغن من جوع.

• شهدت القارة الإفريقية صراعات دامية جلها في الغالب نجمت عن نزاعات حول المياه والموارد والمراعي والمظالم التنموية، واتخذ بعضها في مراحل لاحقة صبغات أيدولوجية أو إثنية أو دينية، وراح جراء ذلك ملايين الضحايا وضعفهم من النازحين واللاجئين، كل ذلك في سبيل البقاء والاستحواذ على نفوذ جغرافي أو جيوسياسي أو هيمنة على الموارد تطورت لاحاقا لبسط نفوذ سياسي وزحف نحو مستعمرات جديدة.

• إزاء ذلك لن تثمر الجهود المناخية المبذولة من ساسة يضعون استراتيجيات مناخية بيدهم اليمنى ويمزقونها ببنادقهم التي تفتك بالسلم الاستقرار خارج أروقة انعقاد القمة، فالدول العربية والأفريقية ودول العالم ترى في كثيرة من قادة العالم أخطر مهددات الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة والإقليم وأنهم جزء لا يتجزأ من الأزمات المناخية الناجمة عن الحروب، وكذلك يمثلون معيق رئيس للتنمية في بلدانهم وحائط صد أمام تدفق المنح والتمويل الخاص بالمناخ، فالسودان مثلا أهم دول القارة الإفريقية مناخيا والذي بإمكانه خفض درجة حرارة الكوكب باستزراع ملايين الأشجار ليكون أمازون إفريقيا، قطع الطريق إنقلاب 25 أكتوبر أمام مضيه قدما في الإسهام المناخي مع شركائه الدوليين، والذي كان يرجى أن يقلل من نسبة التلوث الناجم عن توليد الطاقة عبر إنشاء منظومات الطاقة النظيفة التي بإمكانها تغذية الوسط والشرق الإفريقي.

• إن العالم يشهد طفرة تكنولوجية في مجالات البيئة والزراعة والمراصد، وأحرز تقدما علميا وتنبؤيا يمكن أن يجعل من التعاون المناخي بين الدول أمرا مثمرا، ويحقق تطورا تنمويا بصورة سريعة، ويتسبب في قفزات اقتصادية في عدد من الدول، وهو ما تنشده القارة الإفريقية، ففها مكنيزمات التعويض البيئي والتكيف المناخي للكوكب، ولكنها حرمت من الإمكانيات والتكنولوجيا، ورزئت بالحكام المستبدين، والأنظمة الدكتاتورية، وهربت مواردها وأموالها إلى دول تتأثر مناخيا اليوم وتجف أنهارها وترتفع درجات الحرارة فيها.

• إن إفريقيا تنشد تعاونا نديا مع دول العالم التي تريد خفض درجة حرارة الكوكب وتلافي الآثار المناخية، وليكون ذلك كذلك على الجميع التواضع على معاهدات ملزمة للدول وإلتحاق إجباري ومصادقة على كافة البروتوكولات والمعاهدات الدولية، وبالأخص ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وعلى المجتمع الإقليمي والدولي والحكومات المحلية تكييف التشريعات والمعاهدات لتردع جميع المتهاونين في ِشأن المناخ أنظمة كانوا أو حكومات، وأن تستصحب تلك الدول تشريعات مكافحة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب وتفعل اتفاقات التعاون الأمني في تبادل أمراء الحروب ومدمري اقتصادات الدول وفرض عقوبات دولية على الشركات والأنظمة التي تغتال الأمم وتستنزف موارد شعوبها وتتسبب في كوارث مناخية وبيئية وتلزمها بتعويضات مجزية للدول والشعوب.


• ختاما:
• سيظل الحشد السياسي الدولي لقضية المناخ مستمرا فهو لم ينقطع منذ قمة بوزنان البولندية في 2008م، ومؤتمر التغيرات المناخية في نيويورك 2009م، وكوبنهاجن للمناخ في 2009م، وكانكون المكسيكية في 2010م، وصولا لمؤتمر دروبان بجنوب إفريقا في 2011م الذي وافقت فيه أكثر من 190 دولة على توسيع نطاق الجهود المنصوص عليها في اتفاق كيوتو 1997م، وأخطر التقارير الدولية التي تم تقديمها من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيير المناخ كان في 2018م والذي سلط الضوء على تأثيرات الاحترار العالمي البالغ درجة ونصف الدرجة المئوية، الأمر الذي دفع أنطونيو غوتريش في 2019 وهذا العام لمطالبة الدول بالإيفاء بالتزاماتها السابقة في خفض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة، وفي هذا الصدد التزمت 75 دولة بالتبرع بحوالي 100 مليار دولار لخفض انبعاثات الغازات إلى المستويات المطلوبة، ولكن جزء كبير من تلك الالتزامات أخرت الحرب الروسية الأوكرانية الوفاء به، لتتحول تلك الأموال إلى جهود حربية وإغاثات إنسانية أو تم دفعها لتمويل شراء حبوب وأغذية ووقود.

• ويتحتم على كل إنسان في هذه القارة الشابة أن يرفع درجة وعيه بضرورة إسقاط الطغاة وإلغاء الأنظمة الدكتاتورية في القارة وتوطين الديمقراطية وتنصيب أنظمة مدنية تهتم بمخاطر التغير المناخي، وتمكن من الضغط الشعبي للحكومات في سبيل استنان قوانيين واجتراح سياسيات مناخية عادلة وتحديد إجراءات تسهم في خفض درجات الحرارة في الكوكب،  وتكوين جماعات غير حكومية لرصد كافة المخالفات الإقليمية والمحلية والدولية المخالفة للمعاهدات والاتفاقات والصكوك الإقليمة والدولة المنظمة للمناخ، وبالضرورة السعي جماعيا لتنوير بمخاطر التغير المناخي عبر منصات التواصل الحديثة والإعلام البديل وحث صناع المحتوى والمشاهير للإهتمام بهذه القضية التي لا تشغل حتى حيزا من تفكيرهم، ويبقى واجب الحكومات المسؤولة تغيير أنماط التعليم التقليدية ونشر المعاهد والأكاديميات والكليات والجامعات المختصة بالبيئة والمناخ وإدخال السياسات البيئية والطاقوية النظيفة والمسدامة قدر الإمكان في أعمال الحكومات والمؤسسات والشركات والتوجه استراتيجيا نحو دول نظيفة.

عروة الصادق

٤. نوفمبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com