يسألونك عن ذكرى الميلاد
مقدمة:
إن التأريخ للمناسبات الدينية والسياسية والوطنية والإجتماعية والإنسانية غاية في الأهمية، وضرورية لكل من يريد أن يتعلم من ماضيه الشخصي وتاريخ قومه والأمم من قبله، ومن نعم الله علينا أننا أمة قدر الله لها الاهتمام والإلمام بالتواقيت الزمانية والمواقيت المكانية، وجميع مناسكنا ومشاعرنا المقدسة ترتبط بالتوقيت، فكذا الميلاد والوفاة والعبادات والمعاملات كالدين والعلاقات كالنكاح، ومواعيد الزيارات الإجتماعية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النور (58)، والتغذية الروحية والأذكار:﴿ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ الحج (28)، لذلك تمثل بالنسبة لنا التواريخ والتوقيتات والذكريات أمر مهم نستلهم منه الدروس والعبر، نتعبد به ونعبد به الطريق لتجنب أخطاء الماضي، ونشحذ به الهمم لمقابلة المستقبلة برؤى السابقين وتجاربهم الوضيئة المضيئة.
أولا: نجد أننا من أمة تهتم بالقمر ومنازله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ يس (39)، وهذا أمر كوني مرتبط بالعلم والمتعلمين والعالمين، ولا تخطئه إلا أعين الجاهلين الرمداء، فقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يونس (5) ، وأكتب اليوم وقد رأيت هلال جمادى الآخر للعام الهجري 1444هـ، والذي يتزامن مع ليلة 24 ديسمبر ونهار 25 ديسمبر في التقويمين الغريغوري واليولياني التي توافق ميلاد السيد المسيح عليه السلام.
واحتفاؤنا بميلاده عليه السلام نابع من محبة سرمدية لإنسان بشر سوي تقي نقي هدي رضي، لم يكن جبارا ولا شقيا، وقد كانت أمه صديقة نحبها لنقائها وصفائها وطهرها وصدقها، السلام عليه وعلى أمه البتول،﴿ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ مريم (15).
ثانيا: من أسباب محبتنا الشديدة لهذا التاريخ ميلاد الإمام الصادق المهدي، والذي تطابق ميلاده في العام 1935م في ديمسبر مع ذكرى ميلاد المسيح عليه السلام، وغرة شوال 1354هـ، ومثل هذا الميلاد، نقطة تحول في قناعاتنا الشخصية بجدوى الاحتفاء بذكرى ميلادنا، إذ تعلمنا منه الآتي:
1. أن تكون لحياة الإنسان قيمة ومعنى، يعيشها لذاته ولغيره، دون إفراط أو تفريط، كما كان يردد صاحب الذكرى عليه الرضوان: " "حُبُّ التَّنَاهِي غَلَطْ خَيْرُ الأُمُورِ الْوَسَطْ".
2. أن يعظم الإنسان ذاته ويرفعها من الحطة الطينية أو الدناءة الحيوانية إلى المصاف الذي ميزه به الخلاق العليم بثلاثة أشياء عددها الحبيب: هي: العقل، وحرية الاختيار، والروحانية.
3. أن يلتزم الإنسان بحياة بعيدة عن الاستهتار بهذا البنيان المكرم من رب العالمين وذلك باتباع روشتة من خمس معنويات عددها صاحب الذكرى وهي: الإيمان، والمحبة لمن حولك، وألا تغضب، ولا تحقد، ولا تحسد. وستة حسيات: لا للخمر، ولا للدخان، ولا لزيادة الوزن، وممارسة الرياضة، والنوم ست ساعات في الليل، وتناول الإفطار بانتظام.
4. أن يتصف الإنسان بالتوازن في احتياجاته العشرة التي فصلها الحبيب تفصيلا في كتابه أيها الجيل والذي أنصح الأطفال والصبية والشباب والكهول بقراءته، وتلك العشرة الكاملة هي: الروحية، الخلقية، المعرفية، المادية، الاجتماعية، الفنية، العاطفية، البيئية، الرياضية، الترفيهية. والتي ينبغي إشباعها بصورة متوازنة.
5. أن تكون لحياة الإنسان قيمة مضافة في فكرة، وثقافته وتثقيفه، وتطويره، فقد كانت حياة الراحل توثيقا للأحداث وتدوينا للأفكار وتطويرا للقيم والمعاني بل حتى الملبوسات التي نتزيا بها، فجعل من مظهر الزي السوداني تحفة فنية ومن مجرد العامائم "الدلقان" على رؤوس أحبابه "تيجان".
6. أن يسر الإنسان بامتنانه لمن حوله ويعلن ذلك، فقد كان الحبيب في كل عام يعدد مآثر واجتهادات من حوله ومن يتبارون في عونه على الصعيد الأسري والخاص والعام، وظلت إشاداته بأبنائه في مكتبه الخاص أنصع صور الوفاء فعرف الناس عنقود الخدمة والوفاء المتصل من العم إبراهيم علي والأحباب محمد زكي وأحمد يوسف والحبيبات رباح الصادق وإنعام الجمري وسامية يعقوب، وكثر ظل يذكرهم من الأقارب والأغارب.
7. أن يظهر الإنسان وفاءه للراحلين ومواساته لأهلهم وذويهم، فقد كان الحبيب في كل عام يذكر من رحلوا عن حياته ويواسي أهلهم بكلمات تخفف الآلام والأحزان، وها نحن اليوم هذا العام لا نجد من يواسينا في فقدنا الأليم ولا من يضمد جرحنا الذي لن يلتئم.
ثالثا: إن هذا الحبيب كانت حياته محبة وسلام، لأنها كانت لها قيمة أضافت للمجتمع الأنصاري والإسلامي العريض والإنساني قاطبة، فقد عزز قيما عز أن تتوافر في مجتمعات اليوم، وأذكر منها:
1. أن الوصول إلى الحقيقة لا يتأتى إلا بالمثابرة، فقد سمعت أحدهم يسأله عن اسم الله الأعظم، فرد له قائلا: اسم الله الأعظم هو همة المؤمن، متى ما علت همة المؤمن أدرك اسم الله الأعظم.
2. أن قيمة الإنسان كونه من بنوة آدم عليه السلام ذكرا كان أو أنثى طفلا كان أو كهلا، توجب تكريمه: ﴿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ الإسراء (70)، وقد حرم علينا ترديد كلمة "شافع" التي تقال للأطفال لأنها تردد أصداء الموت، ومنعنا من ترديد كلمات "عوين، وحريم، أو مرا"، وشدد على أن نصفهن بما وصفهن به الله ورسوله الكريم، إما إمرأة أو نساء أو سيدة.
3. أن الحسنى والتعامل بها ينبغي أن تكون للجميع، فقد رأيناه يحسن لمن ناصبوه العداء ومن مكروا به مكر السوء، فعنده الدين المعاملة، وعنده تتدرج من المماثلة إلى الإيثار، ولكنه لم يقابل مسيئا بإساءة.
4. أن العضلة التي بين فكي الإنسان، ينبغي أن تصان وتسخر للخير والفضائل والطيبات، وألا تنجر للتسفل والسفاهات والتفاهات، فقد حاول أحدهم أن ينتزع منه إساءة لفظية ردد بأني لن أقول ذلك.
5. أن التعالي والكبرياء من المحرمات التي متى ما تركها فهي ما يرفع قدر الإنسان وظل يردد:" الارتفاع بالاتضاع"، فرغم رئاسته لأكبر حزب في السودان وإمامته لأكبر كيان ديني تجده، يجالس الجميع ويخاطبهم وكثيرا ما سمعته ورأيته يطلب الفرصة من رؤساء الجلسات ويرفع يده طلبا للحديث شأنه شأن أي عضو في تلك المؤسسات والمجالس عندما يرأسها غيره.
6. أن الديمقراطية ليست شعارات سياسية، وإنما هي نظام حياة يحترم الآخر وخصوصيته وحريته، وتقبل وجهات النظر المخالفة برحابة صدر، وتحمل نتائجها التي كثيرا ما توغر صدور المهزومين، فقد ارتقى بهذه الممارسة الديمقراطية إلى ما عرف عنده بالتوافق، وظلت جميع مواقفه الجماعية والمؤسسية وقرارته تتخذ طابعا توافقيا، ولم يرغم يوما أحد على الالتزام برأيه المخالف وكثيرا ما تنازل عن قراره لصالح قرار الجماعة.
7. إن الحكم ليس غاية وإنما قيمته السامية تتجلى عند تحقيق العدالة والمساواة والشفافية والمساءلة وسيادة حكم القانون، وأن حوكمة كافة المؤسسات في كل مرافق الحياة ومراحلها ينبغي لها أن تلتزم بهذه الأركان الرشيدة.
رابعا: حرم هذا الجيل من القرب الوجداني والفكري والوطني والسياسي والإجتماعي من الإمام الصادق المهدي، لعوامل كثيرة، منها الذاتي كالحسد والغيرة، ومنها الموضوعي كالتنافس والتدافع السياسي والديني، وأتى الوقت ليتجردوا جميعا من تلك النزعات الذاتية والموضوعية، للاستبصار في مسيرة الرجل الذي مضى إلى ربه راضيا مرضيا، أفنى زهرة شبابه من الركاب إلى التراب في خدمة الدين ونجدة الوطن، لا يبتغي الأجر إلا وجه ربه الأعلى عله يرضى، وواجبنا اليوم الذي لا غنى عنه هو الإنصاف والإقرار بما تم اقترافه من ضلالات فيه حقه، وذلك بالآتي:
1. أن يبذل أنصاره كل جهدهم لرفع راياته الدينية والوطنية والبيئية والإنسانية والأخلاقية، ويتابعوا مشاريعه الوطنية والإقليمية والدولية مساعيه حتى بلوغ تمامها.
2. أن يراجع جميع من صمموا الحملات المدفوعة بأجندة سياسية وأمنية ضده كتاباتهم وأقوالهم ويعتذروا عن ممارساتهم التي وصل بعضها محاولات التصفية والإغتيال.
3. أن يطلع الذين ناصبوه العداء دون علم أو فهم لمشروعه على ما تركه من كتابات مسطورة ومنشورة في كل المواقع والوسائط، عسى ولعل تذوب تلك الجفوة المصطنعة.
4. أن يسعى السودانيات والسودانيون ويصروا على استكمال المشروع الذي أكد رجاحته "الديمقراطية عائدة وراجحة"، وأن يؤسسوا ذواتهم في وطن أجدادهم ومنبت رزقهم.
5. أن تفتح تحقيقات شفافة حول المؤسسات والشخصيات الأمنية والسياسية التي حاولت مرارا اغتياله، لردع كافة المحاولة الماثلة لاغتيال آخرين ماديا ومعنويا.
6. أن تصان المعاني التي جسدها في حياته حتى مماته، وتحرس كما حرسها سلفه الأوائل مهما كلف الحرص، وأن تبذل التضحيات لبلوغ الغايات.
7. وأعظم العرفان أن يلتئم من تفرقوا بعده، فالوفاء له يستحق الاجتماع في داره الدينية ومقره الحزبي وقطيته العامرة، وخلف نصوص ومسودات ومشروعات كد لصياغتها وإنضاجها.
ختاما: فضلا وتكرما لا تلومونا في محبتنا له ولفكره ولنهجه، فقد حفنا باللطف، وغذى عقولنا بالفكر، وفتح ألبابنا وقلوبنا للنقد وتحمل الأذى، وجعل منا تواقين للحق، مناصرين للضعفاء والمظلومين، حماة وحراسا ونجادين، عزز فينا المروؤة والنجدة والشهامة وأوصانا بالصلاة والزكاة ما دمنا أحياء، وحببنا في ديننا ووطنا وبعضنا فترك فينا مفردة (حبيب) التي لها استحقاق واحد وهو المحبة الخالصة لأخووة الوطن والمحبة في الله والدين الحنيف.
تهاني للجميع بذكرى الميلاد المجيد، ولكل المحتفين بميلاده وميلاد السيد المسيح عليه السلام، ولكل أحبابه وأصحابه وجيرانه وعارفي فضله، وأن يربط الله على قلوبهم لفقده ويلهم زوجه وأهله وذريته من الدم والروح الصبر والهداية والرشاد، وأن يرزقنا وإياهم حسن العزاء،﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ البقرة (156).
• اللهم أنر وجه الحبيب الإمام الصادق بنور وجهك الكريم وارزقنا وإياه لذة النظر لنور وجهك يا رحيم وتفضل علينا بجود منك وصحبة نبيك عليه الصلاة وأفضل التسليم.
عروة الصادق
25 ديسمبر 2022م
البقعة