إضراب المعلمات والمعلمين في السودان – بعد ديني
• تمثل المدارس السودانية مغرسة الفضائل والقيم والأخلاق والأعراف والمعتقدات ومنبع التدين الراشد، لذلك نجد أنها قد تم استهدافها في كل الحقب بمحاولات التدجين أو الأدلجة القسرية التي جافت المهنية ونافت الأعراف والتقاليد وتضادت مع المعتقدات، وعليه اضطربت المناهج وثارت ثورات الرفض والتأييد الذي ضيع مصير جيل كامل بين تجديف في الدين والمعتقدات وتجريف للقيم والثوابت وتحريف لقطعي النصوص أو توظيف للدين في إثراة ثائرة الأطفال وشحنهم بمحمول ديني آحادي التوجه كما فعلت التجربة الإخوانية طوال الثلاثة عقود.
• هذا النزاع الأيدولوجي أقحم الصراع الديني في مصير أطفالنا، ما بين من يحاول علمنة العملية التعلمية وما بين أولئك الأصوليون الذي يريدون اتخاذها مفارخ تنظيمية أيدولوجية تجير لصالح تنظيماتها العابرة للحدود وأفكارهم التدميرية التي مزقت البلاد وشردت العباد.
• مع أن تلك التجربة محسوبة على الإسلام إلا أن الدين الإسلامي لا يحفظ في قوالب معلبة إخوانية أو صوفية أو طائفية أو سلفية أو شيعية أو أي نمط ثابت وإنما هو قطعيات لا تبديل فيها، وفروع واجتهادات يجد حتى أئمتها العذر لبعضهم البعض في اتباع مناهجهم فقد قال الإمام مالك رحمه الله: ((كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ)، وكذلك التدين عملية اختيارية لا مجال للجبر أو الإكراه فيها – فقد قال جل جلاله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ) وجاء في القرآن قوله سبحانه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ (256)، ولا ينبغي اقحام النزعات الفكرية أو النزوات الشخصية أو النزاعات الأيدولوجية في أذهان أطفال فطرهم الله فطرة سوية غير محشووة بنصوص الحشريين من غلاة التدين والدين.
• وينبغي الإعتراف والإقرار أن الفترة الإنتقالية لم تخل من تلك التوجهات الحشرية لإقحام بعض النصوص والتوجهات الأيدولوجية في المناهج، وهو ما حفز المناوئين لحشد المغالين والتزيدين لشن حروب من منابر خلافتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيقا وتكفيرا واتهاما بالزندقة والمروق عن الملة، ولم تنجح الوزارة في اتخاذ مؤسسات دينية مرجعية في أمر المناهج وحتى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية دخلت في تضاد مع وزارة التربية والتعليم، وهو الأمر الذي يوجب التأسيس لمرجعية إسلامية جامعة ومتجددة، تتولى أمر المسلمين، وتضع مناهج تعليم أطفالهم، كما يفعل الأزهر في مصر والزيتونة في تونس وغيرها في دول مماثلة.
• لذلك نجد أن هناك من يصور القائمين على هذه الاحتجاجات للمعلمات والمعلمين بأنه ضد الدين وضد القيم ومناف للأخلاق وهو دأب عاجزي المنطق وفاقدي الحيلة والسند الفكري، وهو مدخلهم للهجوم على لجنة المعلمين السودانيين ومثار تحريضهم ضدهم، ومسارهم الفكري والسياسي للوقوف ضد مطالب المعلمين، فهم يعلمون علم اليقين أن العملية التعليمية لو استمرت كما هو مخطط لها ومورست الحرية والاستقلالية والديمقراطية في التعليم سيثبت خبراء وعلماء وأساتذة السودان المنهج الذي يستقيم وجليل التقاليد، وكريم الأعراف، وعظيم الأخلاق، ورشيد القيم، وعظمة الدين المتين، وقويم الشعائر، وسليم الفطرة السوية، وهو ما لن يوجد للدين المبدل بالغلو سبيلا في تلك المناهج التي ستعتمد الدين المنزل وفق منهاج معتدل قويم.
• ختاما: سيظل التنازع الديني العلماني ماثلا في السودان، وسيستمر قادته في اتخاذ الميادين والسوح التعليمية مسارح للعبث باسم العلمانية والدين، ويجب أن يفض هذا الاشتباك الديني العلماني بعيدا عن عقول أطفالنا، إلى أن يصلوا سن التمييز والإختيار، والتفكير الحر، وتعزيز العقل الناقد فيهم، فلا الدين الإسلامي نصوصه للحفظ فقد نزل للتفكر والتدبر كما قال منزله العلي القدير: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٤٤ النحل﴾ وقال في محكم التنزيل: ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿١٧٦ الأعراف﴾ وأورد في كتابه سبحانه: (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٢٤ يونس﴾ وكرر مرارا قوله جل جلاله: ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ﴿٣ الرعد﴾، وغيرها كثير من النصوص التي أشارت للألباب والعقول والتدبر والتذكر، وهو ما يرد بوضوح على العقلانيين العلمانيين الذين يدفعون بحجج تصور أن الدين يهيمن على العقل والفكر ويمنع إعمالهما، لذلك الواجب هو مزاوجة الواقع التعليمي العلمي ومستحدثات العصر من أفكار وأطروحات ومناهج ووسائل تدريس وتدريب وتقنيات مع الواجب في مجتمعنا السوداني والمواءمة بينهما بعيدا عن الأهواء والرغبات والمحركات الذاتية امتثالا للقول المأثور لإبن القيم الجوزية: " أن على الفقيه إدراك الواجب إجتهاداً ومعرفة الواقع إحاطة ثم المزاوجة بينهم للفتوى"، وعدم تمكين شيخ أو مجموعة أو حركة أو مذهب أو جماعة من أمر المناهج التعليمية، وكذلك عدم الاستجابة للابتزاز الرافض للدين في الحياة العامة وتمكينهم من الهيمنة على مرافق التعليم ومؤسساته، لتكون تلك المؤسسات مستقلة ومهنية صرف بعيدة عما ذكرناه.
عروة الصادق
ORWAALSADIG@GMAIL.COM