الخميس، 26 يناير 2023

تشكيل السودان كدولة في 26 يناير 1885م

تشكيل السودان كدولة في 26 يناير 1885م

• تبدت ملامح السودان بخارطته الموروثة حتى قبيل الإنفصال، والمعروفة منذ أن لاح رموز السلطة الدينية والسياسية والاجتماعية والعسكرية في الفترة من 1882م-1898م، وقد بين ذلك تفصيلا الكاتب والمؤرخ هيذر ج. شاركي من جامعة بنسلفانيا، والذي أشار لاستعراض كتاب: تشكيل الدولة المهدية السودانية: مراسم السلطة ورموزها لكيم سيرسي.



• عندما نشر هولت دراسته التاريخية عن الدولة المهدية في عام 1958م وحاول تأكيد أنها استمدت كثير من تعاليمها وانظمتها من الحكم التركي واجتهد لتأكيد ذلك، فقد تطرق عدد قليل من المؤرخين إلى هذا الجزء من التاريخ السوداني. ويمثل بحث كيم سيرسي أحدث مساهمة في هذا الموضوع. وركز سيرسي على شخصيتين هما الإمام المهدي الذي أسس الدولة المهدية وتوفي فجأة عام 1885م، وخليفته السيد عبد الله بن السيد محمد الذي حكم بسط سلطته على كل حدود السودان من العاصمة التارخية أم درمان، حتى أطاح الاستعمار الأنجلو -مصري بنظامه عام 1898م ". وقد شرح سيرسي أن أحد الاهتمامات الأساسية لكتابه هو شارات ورموز المهديين، مع الانتباه إلى كيفية تشكيلهم لدولة كانت "مهدية وسودانية بشكل فريد"، على عكس ما ظل يردده مؤرخون يريدون النيل من المهدي وخليفته. وقد تناول المؤلف هذا الاهتمام في الفصل الثاني، المعنون "التشريف، والاحتفال، ورموز السلطة"، عندما ينظر إلى استخدام الدولة المهدية لعناصر من الثقافة المادية تتراوح من الملابس مثل العمامة (الإمام)، إلى عناصر مثل المسبحة. الخرز (سبحة) والعملات المعدنية، وتصنيع الأسلحة وتدريع الخيول والفرسان، وهو الأمر الذي يبين أن تحرير الخرطوم لم يكن مجرد معركة عابرة وإنما هو تأسيس لدولة كاملة الأركان بعلمها وأعلامها وعلمائها وعملتها وعمالها على الأمصار المختلفة.



• وقد مثل الإسلام الصوفي واثنتين من الأنظمة السياسية الإسلامية السودانية - سلطنتي الفونج والفور، بالإضافة لممالك تقلي والمسبعات – أهم روافد الانطلاق المهدوي لتوحيد السوداينين إذ عبر الإمام المهدي بكل قوة ووضوع عن عزمه توحيد العباد بمختلف مشاربهم القبلية والإثنية والإنطلاق بهم لتحرير البلاد، وفي سبيل ذلك سكب مدادا غزيرا ودما عزيزا على أرض الوطن، وآزره في ذلك شموس الدعوة وأقمار الدولة من بني السودان الأشاوس وبناته، إذ كان للنساء دورا مشهودا في انتصارات المهدية وأعمالها الاستخباراتية.



• وما ميز النظام المهدوي وقتئذ سودانيته الخالصة وعنفوانه الشاب، وذاتية دفعه وقومية موارده، ورفضه القطعي للنظام التركي المصري وعدم ركونه للإملاء أو الإبتزاز والإغراء. فقد حاول الأعداء كل سبل الاستمالة والتهديد والوعيد للمهدي عليه السلام للعدول عن موقفه مرسلين له الهدايا والنياشين والقرابين والعطايا، إلا أنه ركلها كلها وقرأ عليهم قول الله تعالى على لسان نبي الله سليمان عليه السلام: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (النمل: 36).



• فقد كان الإمام المهدي مقيدا لسانه بقطعيات الوحي ويتخذ من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم سراجا يهتدي به، ورأى أن الاجتهادات المذهبية أقوال رجال وصلوا إليها بعقولهم، وأوصلوها إلينا بهمتهم وهو ما أوجب الاجتهاد وأسس على ذلك مدرسته الاجتهادية القائمة على قوله: "لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال"، وجعل من أقواله وأفعاله اجتهادا جديدا جامعا لمن فرقتهم المذاهب والطوائف والحركات، لذلك لم يجد كثير من أهل التصوف والمدارس السنية في مذهبه شائبة تشوبه أو تمنعهم من اتباعه.



• ولكن لم يغفر المستعمر للمهدي أو خليفته عليهما السلام ليصورهما بصاحبي الدولة الثيوقراطية الآحادية الاستبدادية، وفي ذلك تبارى ونجد باشا وسلاطين باشا، الذين أسس كثير من الكتاب سرديات وقصص وحكاوى مجحفة في حق تلك الدولة والدعوة وصاحبيها، ولكن الدكتور المؤرخ يوسف فضل حسن بجهد المقل قدم حقائق مسطورة، في كتابه العرب والسودان (1967م)، وكذلك بروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم الذي اجتهد في جمع مكاتبات المهدية في حوالي سبعة ملازم، ولم يأل الدكتور عبد المحمود أبو شامة جهدا في توضيح بعض الملتبسات الاستعمارية، وكذلك قام بروفيسور محمد المصطفى حسن عبد الكريم بتصحيح بعض المفردات التي أخلت بالمعاني كان آخرها ترجمته لكتاب ثيوبولد، أما كتاب أندرس بيوركيلو ، مقدمة المهدية (1989م)، بالإضافة إلى أعمال غابرييل واربورغ، ولا سيما الخلاف التاريخي في وادي النيل (1992م) ، فهؤلاء اجتهدوا موضوعيا في رسم ملامح الدولة بمعطياتهم الزمكانية، التي لم تخلو من محاميل إنجيلية وأغراض مسيحية للدولة العظمى وقتئذ لذلك هيمنت العناصر الثقافية الروحية على التعاطي مع كتابة تاريخ الدولة المهدية.




• وينبغي ألا ينفصل أي تعاطي مع المهدية بمعزل عن مناقشة التاريخ الأفريقي الإسلامي والتوجه العالمي نحو التحرر، ونجد ذلك في مدونات العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. وكتابي التاريخ الحضري الحديث لمهدي أم درمان لروبرت س. كرامر، وآخر بعنوان المدينة المقدسة على النيل (ماركوس وينر ، 2010م). 



• فنجد أن الاستبداد واتساع رقعة الاستعمار وأطماع المستعمرين، حفزت الكيان السوداني ككل للإنخراط في ثورات غاضبة ضد الحكم العثماني تدرجت من الإحتجاج إلى الإحراق، واستمر الأمر كذلك إلى أن وثب الإمام المهدي وثبته الأولى في الجزيرة أبا منتصرا على حملة أبو السعود التي أتت لتجريده من قوته الإجتماعية وإثنائه عن دعوته الدينية، وتكرر الأمر في قدير وحصار الأبيض وكانت واقعة شيكان قاصمة الظهر، إلا أن وصل الإمام المهدي في سادس وثباته إلى تخوم مدينة الخرطوم وهو بن أربعة عقود، شابا فتيا.



• إن قراءتنا لهذا التاريخ بصورة مجردة تجعلنا أهل لصناعة السياسيات وصياغة القرارات في السودان المعاصر، في وقت تتكالب فيه ذات القوى الاستبدادية والاستعمارية للنيل من بلادنا وتحطيم إرادة شعبنا، يحفزهم لذلك صراعاتنا الداخلية على السلطة، وعناصر الصراع الدخيلة على الممارسة السياسية، لذلك هذا الدرس وحده ما سيمكننا من إعادة اكتشاف أنفسنا سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا ودينيا، ويمكن أن تقودنا تلك المراجعات التاريخية لاستقراء أساسيات الصر اع وأخطار الاختراق المحتمل والأطماع المستمرة والأزلية، متى ما أدركنا ذلك سنحصن المستقبل.




• حينما كتب برينستون، نيوجيرسي كتابه أم درمان أثناء المهدية، تأكد لي تماما أن نظرة المؤرخين للسودان بصورته الحقيقية تنطلق من محطتين محطة تاريخية قبل الميلاد قال بيها ديودورس المؤرخ الصقلي اليوناني الذي شديد على أن السودانيين هم أول الخليقة من البشر، وكتاب آخر عن خرائط أم درمان، ببليوغرافيا وفهرس، تستطيع أن تستيقن بلا ريب أن المحطات التاريخية للسودان انفصمت عراها ولم تتصل إلى في عهد الدولة المهدية، حتى أولئك الحانقين على المهدية ككاتب سجن الجناح الفرنسي لمدة عشر سنوات في معسكر المهدي: 1882م -1892م الأب جوزيف أوروالدر،لم يستطيعوا تجاوز فكرة أن السودان عرف بالمهدية والمهدية عرفت العالم بالسودان.



• ما يؤسف له أن التأسيس المعرفي للتعريف بالسودان اتخذ من المناهج والغبائن الاستعمارية دليلا للاسترشاد إلى ماضي السودانيين ودولتهم، وفي سبيل ذلك صمم المستعمر مناهجه التاريخية وحشدها في ذهن النخب والمتعلمين من رواد كلية غردون التذكارية، ولم يفصح عن حقائق التاريخ إلى بعد قرن من الزمان، حيث بدأت تتسرب بعض الوثائق التي تثبت بطلان زيف أدعياء كتابة التاريخ السوداني الذي قدح في المهدية قدح اللئام.



• ختاما: ونحن في ذكرى تحرير الخرطوم وتأسيس الدولة نقول، إن لم يحمد للمهدية أمر سوى تحريرها للسودان من العيش في كنف المستعمرات والإدارات الإستعمارية لكفاها، فهي التي هيأت العقل والوجدان السوداني على الوثوب للأمام والتوق للحرية والإنعتاق، وهو الأمر الذي يسيطر على العقل الشعبي إلى يومنا هذا رفضا للذل والهيمنة والاستبداد والاستعمار، وواجبنا الحافظ على ذلك إن لم نقل الوفاء إلى ما هنالك، بإعادة كتابة التاريخ من أضابير تلك المخابرات، ومن مكاتبات المهدي المخفية وتصحيح ما تم تجريفه وتحريفه من قيم وقرارات وقراءات، وهو الواجب الذي ينبغي أن تضطلع به دولة مسؤولة مستقلة ذات سيادة، لا يتحكم أحد في طباعة مناهجها أو تدريب معلميها أو تقييم وسائل تعليمها، حينها سنجد معلمات ومعلمين يعتزون بتاريخهم ويتفاخرون بآبائهم، ويغذون عقول النشء بجينات البطولة والشجاعة والبسالة والفداء والتضحية.