● مقدمة: تمنع أطراف الصراع الدامي في الخرطوم وقادة الحرب العبثية طوال الأيام الأولى للحرب عن الحوار، فاحدهما يريد أن يحسم الأمر في ثلاث ساعات وأيام قليلة لإنهاء التمرد، والآخر يريد القبض على قائد الجيش وتقدبمه للعدالة، وحول كلا الرأيين انطفت الجموع تأيدا لهذا ضد ذاك، إلى أن اكتشف الجميع أن الجلوس إلى بعضهما بصورة مباشرة أو غير مباشرة أمر حتمي، وجلسا إلى بعضهما عبر وساطة سعودية أمريكية في مدينة جدا، أغراض الجلوس المعلنة أنها إنسانية ولكنها تستبطن إنهاء الحرب والجريمة المقترفة في حق الشعب السوداني، واستمر الأمر لفتح نوافذ أخرى إفريقية عبر الايقاد، وعربية واقليمية ودولية، وآخرها التصريحات السيادية لرئيس مجلس السيادة عن قبول أي مبادرة تركية، وطلب نائبه عقار لدور روسي في حل الأزمة السودانية، وفي كل ذلك نجد أن الحوار هو السبيل الحتمي للخلاص من ورطة الحرب وجرائمها التي أوقعنا فيها جنرالات الإنقلاب.
● أولا: إن ما يمكن تسميته ممارسة التكتيك السياسي برفض الحوار والتفاوض في النزاعات المسلحة وكسب الوقت للتقدم العسكري والعودة مرة أخرى للتفاوض، هو عملية لا أخلاقية لا تقل شناعة عن جرائم الحرب والانتهاكات المستمرة والفظائع التي تخلفه الحرب لأن ينعكس بصورة مباشرة على الاوضاع في الأرض ويتسبب على مدار اليوم والساعة بأضرار عديدة وبالغة منها:
1. زيادة التكلفة الإنسانية ومفاقمة الكوارث وزيادة الخسائر البشرية، وعدم اللجوء إلى الحوار والتفاوض يعني استمرار الصراع المسلح، ما يعني تنامي تكلفة الصراع واتساع رقعته وازدياد انتهاكاته وفظاعاته.
2. كما يعني استمرار الصراع والتقدم العسكري من أجل كسب الأراضي العملياتية، تدمير المرافق والمؤسسات الحيوية والاستراتيجية والبنية التحتية في المناطق المتصارع عليها، وازدياد رقعة التدمير لمساكن المواطنين ودخول إحياء وربما مدن جديدة حيز الصراع، ويمكن أن يكون هناك تأثير طويل الأمد على المستوى الاقتصادي والاجتماعي سيهزم اي خطط تنموية لتدارك آثار الحرب والدمار الذي خلفته.
3. بتأخير الحوار والتفاوض والتماطل وتزايد أيام الحرب ستتنامى نبرات الاعتداد بالنفس والخطابات العنترية واللغة الحربية الامر الذي سيعيق إيجاد حل دائم للنزاع، حيث أن المشكلة الأساسية لن يتم استيضاحها أو حلها بشكل كامل من خلال السيطرة العسكرية فقط، لما لها من جوانب إنسانية وامنية وسياسية واقتصادية تغيب عند العملياتيين، وكذلك ليست من أولويات أبواق الحرب ونافخي كيرها وداقي طبولها.
4. كما أن استمرار الصراع وعدم التوصل لحل سلمي في الخرطوم ومدن السودان الملتهبة سيؤدي إلى تعقيد بيس الوضع في البلاد فقط بل كل الوضع الإقليمي وسيقود لحدة التوتر وزيادة الاستقطاب بين الدول المجاورة للسودان والتي لها ارتباطات جيوسياسية أو مصالح أو مطامع أو مخاوف وهي كثيرة لا تحصى ولا تعد على الصعيد الإقليمي والدولي.
5. كل ما ذكر حتما يؤثر على ثقة الأطراف المتضررة ويجعلها صعبة التعاون في عملية إعادة البناء وبناء الثقة، وستكون نيران الحرب تحت الرماد متى ما سنحت السوانح لانقضاض طرف على الآخر لن يدخر جهدا في ذلك.
● ثانيا: واقع الأمر يقول أن هناك مؤسسات أمر واقع على رأسها قائد الجيش متوليا زمام الأمر في القوات المسلحة ومانحا تفويضا سياديا للسيد مالك عقار، وبما سمعناه من السيد عقار في حركاته وسكناته الأفريقية وطلبه للحكومة الروسية أستطيع القول، نعم، هنالك إمكانية لإجتماع الخصوم المتحاربين في طاولة حوار، ولقد تم استخدام هذه الطريقة في العديد من النزاعات حول العالم بنجاح. قد تكون هناك تحديات في الوصول إلى اتفاقية سلام شاملة، ولكن الحوار يمكن أن يوفر فرصًا لتبادل الآراء وتحقيق تفاهم أعمق بين الأطراف المتحاربة وتمهيد لوقف إطلاق نار دائم، ولا يخفى على الجميع أن الطرفين يجلسان إلى بعضهما عبر ممثلين في مدينة جدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
● ولنا رصيد كبير من التجارب السودانية التي تمت في مدن وعواصم كأبوجا ونيفاشا وجيبوتي والقاهرة وجميع تلك التجارب السابقة في إفريقيا والعالم العربي والعالم بشكل عام قد وفرت قدرًا كبيرًا من المعرفة والتعلم لأطراف الصراع المسلح الحالية إلا أن هناك أصحاب أجندة حربية يحولون دون الجلوس المباشر لإنهاء الصراع منذ الساعات الأولى للحرب، ونشروا الفوضى في كل مدن السودان للحيلولة دون تحرك الوساطة السياسية التي كانت تعمل حتى ساعات الفجر الأولى يوم ١٥ ابريل ٢٠٢٣م، لذلك استطيع القول أنه يمكن استخدام تجارب نجاح الحوار التي تمت في بلادنا وفي محيطنا بهذه المناطق كنماذج للاسترشاد والتعامل مع الصراعات المسلحة الحالية في الخرطوم ومختلف مدن السودان، وذلك من خلال تحليل أسباب النجاح والعوامل التي ساهمت في تحقيق التوافق سابقا.
وأجزم أن أقصر الطرق لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، يعتمد على الظروف الفريدة لكل صراع وأطرافه. ومع ذلك، هنالك بعض النقاط التي يمكن أن تساهم في إنهاء الصراع، مثل:
1. غلبة إرادة الأطراف المتحاربة للعمل من أجل السلام وتحقيق الاستقرار، وتغليب مصلحة الوطن العليا على رغبات الانتصار الشخصية.
2. الالتزام بقيم ومباديء حقوق الإنسان والعدالة وإيجاد اتفاقية سياسية مبنية على المبادىء السلمية والأجندة الديمقراطية.
3. التفاوض النزيه والشفاف، بمشاركة جميع الأطراف المتضررة وذوي النفوذ في الصراع وأصحاب المصلحة الذين شملهم الصراع بصورة مباشرة أو غير مباشرة كالضحايا وذويهم واللاجئين والنازحين والفارين من ويلات الحرب.
4. تدعيم الوساطة الفعالة والمستقلة من قبل أطراف موثوقة ومحايدة، وجعل منبر جدة محطة جامعة لكل المبادرات التي تقدمها دول واهيئات وأحلاف إقليمية ودولية.
● ثالثا: ومن وقائع التاريخ المنظور والمسطور نجد أن عدم الالتفات إلى الحوار السياسي، واستمرار النزاعات المسلحة، ورفض الحل السلمي والتفاوض أدى إلى مشاكل وأزمات وحرائق جسيمة في الدول المحيطة والمناطق وأمن العالم. وهناك العديد من الأمثلة للقادة الذين تمنعوا ورفضوا الحوار وتسببوا في تدمير بلدانهم وتهديد السلم والأمن الإقليمي والدولي، ومن بين هذه الأمثلة لا الحصر:
1. صدام حسين (العراق): رفض الحوار وشن حرباً على الكويت في عام 1990م، مما أدى إلى العديد من التداعيات السلبية على العراق والمنطقة إلى أن تم غزوها في 2003م، وتولدت فيها جيوب ومجاميع مسلحة تهيمن على القرار السياسي وتعبث بمقدرات العراق لمدة عقدين من الزمان.
2. معمر القذافي (ليبيا): على الرغم من مبادرات التسوية العديدة التي قدمت له والدعوات المشفقة التي لم يلق لها بالا، رفض الحوار وشن حرب أهلية في عام 2011م حفزت القبائل والشباب للتسلح، مما ألحق أضرارًا كبيرة بليبيا وأدى إلى انهيار البنية التحتية وانعدام الأمن وآلت الأوضاع لبلاد واحدة بحكومتين وثلاث رؤوس متنازعة ومتمحورة حول أحلاف خارجية متخالفة، وانفتحت ليبيا لتجارب متطرفة وعنيفة وجريمة منظمة وعابرة للحدود.
3. بشار الأسد (سوريا): رفض الحوار مع المعارضة السورية، مما أدى إلى نشوب الحرب الأهلية في سوريا منذ عام 2011م وتسبب في دمار هائل ونزوح الكثير من السكان.
إن هذه الأمثلة تُظهر الأهمية القصوى للحوار والتفاوض لحل الصراعات السياسية والعمل على تحقيق السلام والأمن في الدول والمناطق المختلفة.
● ختاما: لذلك بشكل عام يعتبر الاعتماد على التكتيك السياسي المحدود دون اللجوء إلى الحوار والتفاوض سابقة خطيرة ومدمرة للفاعلين على المشهد وللبلاد، حيث يؤدي ذلك إلى استمرار الصراع واستمرار الخسائر البشرية والمادية ودخول شياطين الجماعات الإرهابية والاجندات الدولية. لذلك يجب أن يكون هنالك استعدادا لتقديم تنازلات متى ما لزم الأمر من كل الأطراف، والاستفادة من الدروس المستفادة من النزاعات السابقة والأفكار المبتكرة في حل النزاعات بمعنى أن نبتديء من حيث انتهى العالم وليس باجترار الماضي، ولربما استطاع السيد عقار نقل التجربة الروسية في التعامل مع جماعة فاغنر. لأن تجربة الحوار والتفاوض هي عملية طويلة ومعقدة وقد تتطلب صبرًا وإرادة حقيقية للتوصل إلى اتفاق مستقر ومستدام.
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com