● ظلت دعاوي التدخل الأممي العسكري في السودان، تتردد من حين لآخر وذهبت بعض الهيئات الحقوقية لطلب ذلك، كهيئة محامي دارفور، بالإضافة لطلب الرئيس الكيني بتدخل قوة إيساف الأفريقية، وجميع تلك الدعاوي ينظر إليها وجهات نظر متباينة، فهناك تردد أممي كبير من التدخل في السودان بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فالمملكة المتحدة لا تريد الدخول في تجربة شبيهة بدخول العراق، وروسيا غارقة في الوحل الأوكراني، وجميع الدول المحيطة تتحسب لأي قرار من شأنه إقحامها بصورة مباشرة في الصراع السوداني، لأن الأمر سيجر لها اصطفافات إقليمية ودولية يمكن أن تتعارض مع مصالحها، لذلك يظل الأمر محاطا بالمحاذير والحرص وشدة الحذر في التقديرات واتخاذ القرارات.
● ولأن القوات الدولية والتكوينات العسكرية الخاصة الإقليمية تتعامل مع فض النزاعات ومهامها وفقًا للقرارات الدولية والمنظمات الإقليمية المشاركة، وهو ما يعني أن تحفظات المملكة المتحدة وهي دولة صاحبة حق نقض (فيتو) دولي يمكن أن تعارض الأمر، وكذلك روسيا وعددومن الدول الأوروبية المشغولة بتوفير الدعم لأوكرانيا، ولأن دخول هذه القوات يهدف إلى تحقيق الاستقرار والسلام وحماية المدنيين، وتنفيذ مهام محددة مثل فصل الأطراف المتحاربة وإغلاق الجبهات وحفظ النظام والأمن في المناطق المتأثرة، يظل دخوله مقيد بموافقة السودان، وحكومته الغائبة أو المغيبة.
● وأي حديث عن تدخل في السودان لن يكون بخطب منبرية، أو مطالبة صورية، بل تقرر تلك الترتيبات لدخول القوات الدولية عادةً في أطر المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وأروقة مجلس الأمن، أو الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، ودوما ما تتم المشاورات والمفاوضات بين الدول المتعارضة والجهات المشاركة لتحديد شروط ومتطلبات الدخول، لتتحمل كافة الدول تبعات تلك التحركات، التي قد تشمل اشتراطاتها وقف إطلاق النار، والانسحاب من المناطق المتنازع عليها، والالتزام بتعهدات التعاون مع القوات الدولية.
● ولأن الأمر غاية في الخطورة والحساسية، ينطوي دخول القوات الدولية على تبعات سياسية، وعسكرية، واقتصادية، واجتماعية على الدول الأطراف، بما في ذلك التزامات الدعم المالي واللوجستي واستخدام الموارد والمرافق المحلية، وقد تواجه بعض الدول مقاومة داخلية للتدخل الخارجي، لذلك ينبغي بناء توافقات داخلية قوية لتحقيق التوازن المطلوب في العملية السياسية، وضرورة التركيز على حفظ الموارد.
● ومن خلال النظر للتجربة الإفريقية في فض النزاع وإرسال القوات الدولية، يمكن ذكر ما شهدته الصومال من تفوبج لقوات سلام الاتحاد الإفريقي (AMISOM) منذ عام 2007م، واستمرار تواجدها لتعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب في البلاد، وكذلك يعمل تحالف قوات دعم ااشرعية في اليمن، وقوات حفظ السلام العازلة والعاملة على فض النزاع المستمر في جنوب السودان.
● أما قوة إيساف العسكرية ليست جسم غريب على السودان كدولة ولا على القوات المسلحة السودانية، إذ أن إيساف نظمت أكبر تدريباتها ومناوراتها العسكرية المشتركة في السودان مع القوات الخاصة السودانية، وهناك ضباط رفيعوا المستوى من القوات المسلحة السودانية جزء من هذا التكوين الإقليمي، ولكن لأن الوضع محتقن داخل البلاد، نجد الرفض الحكومي الشديد، الذي يمنع إيقاف من الدخول لحماية المدنيين، ويمنحها في ذات الوقت الدخول للأراضي السودانية لتنظيم تدريبات مشتركة في منطقة (جبيت) العسكرية ونحوه وتمكينهم من استخدام مياه واجواه السودان للتدريب والمناورات.
● ويمكن أن تنجم كوارث عن تدخل إيساف أو أي قوة عسكرية أخرى دولية كانت أو تحالف من دول كالتحالف العربي في اليمن، فهو أمر يمكن أن يجلب للسودان عدة مخاطر وعواقب مختلفة، أخطرها تصعيد العنف، فقد تؤدي التدخلات العسكرية إلى تصعيد العنف وزيادة تفاقم الصراع ورفض تلك القوات واستهدافها من قبل جماعات مناوئة أو حركات متطرفة.
● وفضلا عن حماية المدنيين سنشهد تزايد الخسائر في صفوف المدنيين، ويمكن أن تؤدي التدخلات المسلحة إلى وقوع إصابات غير مقصودة في صفوف المدنيين وأضرار جانبية، مما يتسبب في إلحاق الأذى بالأبرياء بصورة أضعاف مما هو عليه الوضع حاليا.
● وعوضا عن الحد من تمدد الصراع لتتم أقلمته أو تدويله سنجد أن هناك خطر ماثل من أن الأهداف الأولية للتدخل قد تتوسع لتشمل دولا وأقاليم أخرى ويجد السودان نفسه في صراع قوى إقليمية ودولية، مما يؤدي إلى اشتباك عسكري طويل الأمد ومكلف.
● الأمر الذي سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة برمتها وحينها سيكون التدخل سببا في تعطل الاستقرار الإقليمي وربما خلق فراغات في السلطة، مما قد يزيد من تأجيج الصراعات. وهناك أيادي عابثة تستعد لاتخاذ السودان منصة جديدة لتحقيق مصالحها وتنظم صفوفهت للقيام بأنشطة المعارضة والمقاومة، وهؤلاء سينشطون في تجنيد وتحشيد السكان المحليين أو الجماعات المسلحة ضد التدخلات الأجنبية بحجج السيادة والحفاظ عليها وربما تحت مشروع جهادوي جديد، مما سيؤدي إلى صدام مستمر بصورة طويلة وعنيفة، وسترتفع التكاليف المالية على الدولة التي هي بالأساس مرهقة من الناحية المالية وتعاني جراء الصراع.
● ختاما: من المهم النظر بعناية إلى هذه المخاطر وموازنتها مع الفوائد المحتملة عند اتخاذ قرار بشأن دعم أو معارضة التدخلات العسكرية في النزاعات المسلحة في السودان، وهذا يتطلب أن يكون قرار تدخل إيساف بموافقة سودانية، واجماع أفريقي، ودعم دولي، تحسبا لكل المخاطر التي عددتها آنفا، وإلا ستبرر جماعات العنف الكامنة تصديها لتدخل إيساف وستجر حينئذ إيساف للصدام معها و سيتحول الصراع إلى شر سينعكس على المنطقة برمتها.