الاثنين، 28 أغسطس 2023

البرهان: أفكار ما بعد الحصار؟؟

البرهان: أفكار ما بعد الحصار؟؟

● يمكن أن يصاب أي قائد سياسي أو عسكري أو رجل دولة محاصر لخمسة أشهر في مكان محدود الحركة والتواصل ومحصور التفكير بتأثيرات سياسية، وذهنية، ونفسية، وعسكرية واضطرابات مختلفة، حسب طبيعة الحصار وشخصية القائد والظروف المحيطة به، وكان المتوقع والمحتمل أن تتأرجح النتائج في حالة البرهان بين أن يؤدي الحصار إلى تقوية علاقاته وثقته بنفسه أو أن تضعف موقعه كقائد بين مرؤوسيه وحلفائه وأعدائه، وهو ما توقعنا أن يقوده إلى تغيير في نظرته للواقع والمستقبل والذات.

● فالتاريخ يخبرنا أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، حوار من ابن الزبير في المدينة المنورة لأكثر من ستة أشهر في عام 64 هـ / 683 م. خلال هذه الفترة أصيب باصطرابات نفسية شديدة، وأصابه اليأس من نجاته أو فوزه، وقد كان يتواصل فقط مع بعض أتباعه المخلصين (كحالة البرهان) ومبعوثيه الخواص، وكان بن مروان يحاول إقناع ابن الزبير بالتفاوض معه، ولكنه عندما تمكن من الخروج من الحصار بمساعدة جيش من سوريا، كان قد فقد كثيرا من ثقته بنفسه وسلطته، وأصبح أكثر حذرا وتحفظا في تعامله مع خصومه.

● ورأينا مثالا آخر كالزعيم الراحل الفلسطيني ياسر عرفات أبو عمار، والذي حوصر من دولة الاحتلال في مقره برام الله لأكثر من عامين من عام 2001م إلى 2003م، خلال هذه الفترة، كان عرفات يتواصل بشكل محدود مع قادة فلسطينيين وعرب ودوليين، ويحاول إظهار صورة قوية ومقاومة للحصار، وكان يستخدم وسائل الإعلام لإيصال رسائله لشعبه والعالم، ويستقبل بعض الزوار في مقره المدمر، وعندما توفي في عام 2004م، كان قد اكتسب شعبية كبيرة بين الفلسطينيين والعرب، وأصبح رمزا للنضال.

● إلا أن البرهان بخطابه اليوم أربك كل توقعات غرمائه وحلفائه والجالسين على قارعة الطريق وأثبت أنه من المراوغة بمكان ولا يمكن التنبؤ بالتأكيد بالتصرفات التي سيقوم بها كقائد محاصر بعد خروجه للقاء مرؤوسيه، ووضعنا أمام توقع بعض السيناريوهات المحتملة، مثل:

أ- إذا كان البرهان يريد أن يثبت أنه القائد الذي نجح في الصمود أمام الحصار والحفاظ على معنوياته وولائه، فسيخرج بثقة وشجاعة، ويحاول تعزيز روح الانتصار والتضامن مع حلفائه ومرؤوسيه وخاصته المدنيين والعسكريين، ويستغل الفرصة لإعادة تنظيم قواته واستراتيجيته، ويواجه خصومه بقوة وحكمة تقود لإنهاء الصراع بشجاعة القادة المعروفة.

ب- أما إذا كان البرهان استشعر أنه القائد الذي فشل في مقاومة الحصار وتعرض للخيانة والانشقاق من بعض مرؤوسيه، فسيهتز ويخرج بخوف وضعف، ويحاول إخفاء هزيمته وتبريرها بخطابات وخطب تتخذ طابعا حماسيا متحديا كالذي شهدناه اليوم في قاعدة فلامنجو، وسيبحث عن السبل للنجاة بحياته ومنصبه بأي ثمن وبأي تحالف مع أي كائن كان، وسيتجنب مواجهة خصومه أو حلفائه إلا بعد التأكد التام بأنه حاز معاول وعوامل النصر الأكيدة بالاسناد المطلوب.

ج- وأما إذا كان تأثر البرهان كقائد نفسيا أو ذهنيا بالحصار وفقد جزءا من عقله أو إرادته، فلربما يخرج بجنون أو هلوسة، ويتصرف بطريقة غير منطقية أو عدائية، ويثير الفوضى والانقسام بين مرؤوسيه في المؤسسات النظامية والمنظومة السياسية، وسيصبح عبئا على حلفائه وسخرية لأعدائه، وسيجعل الطريق سهلا للنيل منه ولتبرير تصفيته واغتياله من قبل مقربيه قبل أعدائه.

● لذلك نستطيع القول أننا بخروجه من العاصمة تفاءلنا أنه يريد المضي نحو انهاء الحرب بالحل السياسي والدبلوماسي، ولكن في خطابه في قاعدة فلامنجو، هدد عبد الفتاح البرهان بالتصدي لأي تمرد أو خيانة أو مرتزقة، وقال إن قوات الدعم السريع هي أجانب وأن الجيش متحد لهزيمة التمرد والخروج من المحنة، هذا الأمر لا يفسر سوى أنه يمضى نحو شحذ همة جنوده لمواصلة الحرب، ومهما قال البرهان ومهما علت حدة نبرة خطابه لن نمضي سوى لاتفاق سلام وعملية سياسية تخاطب الأسباب والآثار والحلول الممكنة للأزمة السودانية.

● وذلك لأن واقعنا وتاريخنا في أبوجا ونيفاشا وميشاكوس وجيبوتي يقول بحتمية الحوار والتفاوض وذلك ما حدث في العالم فقد رأينا كيف أبرمت اتفاقية السلام في أيرلندا الشمالية أو اتفاقية السلام في كولومبيا، وجميعها تستند إلى مبادئ الحوار والتفاوض والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.


● ولا أرى مجالا للهروب إلى الأمام سوى الركون للحلول السلمية والدبلوماسية التفاوضية وضرورة استكمال مباحثات جدة بوساطتها السعودية الأمريكية وتكاملها مع مبادرة الايقاد ودول الجوار السوداني، لأنها جميعها تهدف إلى إنهاء الحرب وحل الخلافات بالتي هي أحسن، قبل الرضوخ لضغوط دولية قد تؤدي إلى تفاقم التوترات والعنف، وتقود إلى تمزيق وتقسيم البلاد ودخول الجماعات المتطرفة والإرهابية.

● أما فيما يخص الزيارات الخارجية التي يعتزم القيام بها، فهناك تشابه وتشابك بين المساعي المطروحة، فمصر المحطة الأولى لها مبادرة خاصة تريد تقديمها وهي في ذات الوقت ضمن مبادرة جوار السودان التي قوامها دول جوار السودان المرتبطة بالإيقاد والاتحاد الأفريقي.. كذلك مصر ضمن دول الاستجابة الإنسانية مع السعودية صاحبة منبر جدة وهذا يعني أننا لن ننهي الحرب دون تكامل هذه الجهود التفاوضية مهما قال البرهان أو فعل .. ومهما ذهب البرهان في الحرب وطلب دعما إقليميا ودوليا وإن استمرت الحرب شهور أو أعوام سيجنح للتفاض وخير ذلك تجارب التاريخ والجوار، لذا الأفضل تقصير نيران الحرب وخفض انتهاكاتهاالانسانية وإيقاف آثارها الكارثية على مستقبل البلاد..

● أما فيما يلي تصورات إعادة تشكيل الحكومة أو فرض حكومة تصريف أعمال أو أي شكل من أشكال الطواريء .. فستكون تلك العملية قفزة في الظلام وستغري الطرف الآخر إعلان حكومة موازية على غرار التجربة الليبية واليمنية .. وهو أمر سيمزق السودان وسيعزز الإنقسام.

● ختاما: نأمل أن لا تعقد خطوات البرهان المشهد السياسي وأن تجتهد الوساطة الأمريكية السعودية في تمهيد الطريق نحو التفاوض، فهي متواصلة مع الأطراف ولكن تضرب سرية عالية على تحركاتها وتتكتم على الأمر، ويمكن أن يثمر تواصلها مع المتحاربين جلوسا واستئنافا للتفاوض تحت أي لحظة، فالسفير بن جعفر عاد إلى العمل بعد عطلة استمرت لأسابيع وكذلك السفير جودفيري وصل الشرق الأوسط ليباشر مهامه، وقد اجتمع بعدد من الأطراف بهذا الخصوص، ونجتهد الحرية والتغيير وقوى الإطاري لإكمال ترتيبات تكوين الجبهة المدنية التي تضم كافة القوى السياسية والفاعلين السودانيين وضمان موافقة واسعة للتصور المطروح لإنهاء الحرب والحل السياسي الشامل .

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig @ fb, X, thr, Skype,

الجمعة: ١٢. صفر ١٤٤٥ه.
الموافق: ٢٧. أغسطس ٢٠٢٣م.