● بعد فترة طويلة من حالة الإنكار، والاستهتار بدور الجماعة الإخوانية ودورها في ما يحدث السودان، استفاقت الأستاذة أماني الطويل وهي باحثة مصرية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وخبيرة في الشؤون السودانية والأفريقية، استفاقت لتخبرنا دون سابق إنذار أن عناصر التنظيم المحلول هم من أججوا الحرب ويسعون لاستمرارها وتسعير أوارها.
• مع العلم أن الأستاذة لها عدة مؤلفات ومقالات تتناول التاريخ والسياسة والدين في السودان، وتنتقد دور الإسلام السياسي في تفتيت وتخريب البلاد، وفي حديثها لبي بي سي عربية والذي نقلته عدة نواقع من بينها موقع "عربي21"، أعربت عن رأيها حول المشروع الإسلامي في السودان، وكيف استغل الإسلاميون الجيش للحفاظ على حصتهم في (كيكة) الحكم المستقبلية، وكيف أثاروا الحرب ودعموا استمرارها من أجل مصالحهم الضيقة، وهي شهادة تأخرت كثيرا وأضاعت وقتا ثمينا للوصول إليها.
● في هذه المقالة، سأحاول تحليل رؤية أماني الطويل للإسلام السياسي في السودان، ومدى صحتها ودقتها، وما هي التحديات والمخاطر التي تواجهها وتوقيت إطلاق هذه الشهادة التي ظلت مكتومة طوال أيام الحرب التي وصلت شهرها الخامس، وهو تحليل يعبر عني ولا تتحمل أي جهة أو جبهة أو كيان مسؤوليته وأسأل عنه أمام الناس وبين يدي رب العالمين.
■ أولاً: يجب أن نفهم ما هو المشروع الإسلامي في السودان، وكيف نشأ وتطور، يعود أصل المشروع إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في مصر عام 1928م على يد حسن البنا، وانتشرت كالسرطان في بعض الدول العربية والإسلامية، واستنبتت نسخة في السودان، وظهرت فروع للجماعة في خمسينات وستينات القرن الماضي، بقيادة حسن عبد الله الترابي، وانخرطت جماعة الإخوان في تلويث الحياة السياسية وتقسيم كياناتها الاجتماعية واختراق بيوتاتها التاريخية والدينبة، وشكلت حزب جبهة الميثاق ثم الجبهة الإسلامية القومية ثم تحوراتها اللاحقة، التي أكلمت التمزيق المناطقي والإثني واعتمدت ما عرف بالأمراء ليقودوا حروبها المختلفة.
■ ثانياً: يجب أن ندرك كيف استولى المشروع على سلطة الدولة، وكيف مارسها في عام 1989م، حيث نفذ ضباط من جماعة الإخوان (بالبزة العسكرية) انقلاباً على حكومة الشعب المنتخبة المدنية بقيادة الامام الصادق المهدي، بدعم وتخطيط وتنفيذ من جماعة الجبهة الإسلامية القومبة، وتولى عمر حسن أحمد البشير رئاسة المجلس العسكري أو ما سمى بمجلس قيادة ثورة الانقاذ ، وحسن الترابي رئاسة المجلس الوطني عرابا للحكومة، بعد خديعة شهيرة وأثيرة للإسلاميين مفادها: "اذهب للقصر رئيسا وسأذهب للسجن حبيسا"، وكانت أول دعم تحظى به هذه الجماعة كان من جمهورية مصر العربية لنضع أمام الطويل أن هذا السرطان ما كان له أن يستشري لولا الاعتراف والدعم السياسي والاعتراف الدبلوماسي الذي وجده من مصر، التي صعقت بعد أن أعلنت حكومة المشروع نفسها دولة إسلامية، وأصدرت قوانين ألبست لباس الدين تقوم على تفسيرات محافظة للإسلام، كذلك سعت حكومة ما سمى بالمشروع الحضاري إلى تغير هوية المجتمع من خلال سياسات التخطيط الاجتماعي (إعادة صياغة المجتمع)، والتي تضمنت تعريب وإسلامة الثقافة والتعليم والإعلام. إلى أن وصل نزغ التمدد السلطوي بقادتها للتخطيط لاغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك في أديس أبابا، محاولة جلبت للبلاد احتلال حلايب وشلاتين وأبو رماد من السلطات المصرية وصمت النظام الإسلاموي وقتئذ.
■ ثالثاً: يجب أن ننظر إلى كيف أثر المشروع على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في السودان، ويمكن القول إن حكم المشروع الحضاري كان مأساوياً وفاشلاً في كل المجالات، فقد تسبب في حروب أهلية مستمرة مع الجنوب ودارفور والنيل الأزرق، وأدى إلى انفصال جنوب السودان عام 2011م، كما تسبب في تدهور الاقتصاد وارتفاع الفقر والبطالة والتضخم، بالإضافة إلى ذلك تسبب في انحدار الحريات وانتهاك حقوق الإنسان والمواطنة، وتفشي الفساد والمحسوبية. وتسبب في إبادة حوالي مئاتي ألف شخص وهجرة خمسة ملايين لجوءًا إلى دول أخرى، للدرجة التي جعلت من قادته مطالبين على قوائم الملاحقة الدولية وأخيرا ً، تسبب في تشويه صورة الإسلام والمسلمين ليقدم بدوره أسوأ نظام حكم بعد تجربتي القاعدة وطالبان في افغانستان وداعش في العراق والشام، وهو ما سبب عزلة دولية للسودان لم يخرج منها إلا بعد ثورة 2018م، وهو ما لم ترغب فيه أو تدعمه الحكومة المصرية التي ظلت ترهن تعامل العالم مع مصر عبر بوابتها.
■ رابعاً: بنبغي أن نتساءل عن مستقبل المشروع الحضاري بعد ثورة ديسمبر 2018م، التي أطاحت بحكم البشير، وأدت إلى تشكيل حكومة انتقالية مدنية - عسكرية، هل لا يزال المشروع قائماً؟ هل يحاول المشروع التخلص من المساءلة؟ هل يحارب المشروع التغييرات الديمقراطية؟ هل يستخدم المشروع الجيش لحماية مصالحه؟ هل يثير المشروع الحرب لإفشال الانتقال؟
• هذه أسئلة مهمة تستحق التأمل والتحليل، في رأي أماني الطويل، فإن المشروع لا يزال حياً، ولا يزال يحاول التأثير على مجرى الأحداث، فهو يستخدم عناصره في الجيش لضغط على حكومة الانتقال، ويستغل التوترات بين المدنيين والعسكريين. كذلك، هو يستخدم خلاياه المسلحة في دارفور وغيرها من المناطق لإثارة الصراعات وزعزعة الأمن، بالإضافة إلى ذلك، هو يستخدم شبكاته في الإعلام والجامعات وغيرها من المؤسسات لخلق رأي عام مضاد للثورة. أخيراً، هو يستخدم نفوذه في بعض الدول الإقليمية والدولية لإضعاف موقف حكومة الانتقال، ولم تتوصل الطويل لتلك الإجابات اليوم، بل هي معلومات استخباراتية ومخابراتية مؤكدة في أضابير المخابرات المصرية، وظلت الطويل على علم بها، وعلى دراية بأن النظام المصري ظل يستخدم كرت (الإخوان) لابنزاز النظام السياسي في الخرطوم، وفي آخر أيامه بلغ التعاون مبلغا عظيما، إذ تم اعتقال كافة المجموعة التنظيمية للإخوان المسلمين المصريين المستجيرين بإخوانهم في السودان، وتجسيرهم في أفواج إلى مصر في يناير وفيراير 2018م، وكنت وقتها أشاركهم الاعتقال بأمر محمد عطا المولى عباس الذي أقيل ليخلفه صلاح عبد الله (قوش) الذي أكمل عملية تسليم شباب في ريعان العمر لنقرأ بعد خروجنا من الانتقال أنهم لقوا حتفهم في عمليات دهم تمت في سيناء وأذكر منهم الشاب أحمد حسن له الرحمة والمغفرة، وظل التساؤل البريء قائم كيف لشخص معتقل في السودان يسلم للسلطان المصرية يصل ويقاتل في سيناء؟؟ الإجابة دين الإخوان يحتمل كل شيء.
■ خامساً: يجب أن نفكر في التوقيت الذي اختارت فيه الطويل التعبير الصريح عن ارتباط سياسي وعسكري وإعلامي لسدنة النظام البائد وعناصر التنظيم المحلول في تاجيج الحرب، وما إذا كان هذ الصوت يعكس تفكير مصر الرسمية في كيفية مواجهة نفايات المشروع (الحضاري) النووية والانشطارية الملوثة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان والمحيط الإقليمي، وكيفية تجاوز آثاره، في رأي أماني الطويل، فإن ذلك يتطلب جهوداً على مستوى دولي وإقليمي، ولكني أقول أن استئصال هذا الداء يبدأ برفع الغطاء الذي ظلت تمنحه السلطات المصرية لعناصر الحزب المحلول وأبواق الحرب الذين تستضيفهم، وتوفر إقامة وحماية للفارين من عناصر النظام المباد وقادته، والتخلص من الأدوات السياسية والاقتصادية التي استخدمتها مصر في التضييق على النظام الانتقالي وبخاصة كارتيلات تهريب الذهب والمواشي والمواد الخام ومافيا تهريب الموارد السودانية، والاعتراف بدعم إنقلاب أكتوبر 2021م، والاعتذار عن ذلك، لأن تلك الخطوات هي التي فتحت الباب لعودة العناصر الإخوانية التي أججت حرب إبريل 2023م، والتي ستنتقل آثارها ونيرانها لعقر الديار المصرية، في موجات هجرية أو مجموعات إجرامية، وبخاصة تلك العناصر المتشددة التي فرت من السجون السودانية، وتنشط مجموعات نظامية في تهريبهم إلى مصر، كما أن موجة الاتجار بالسلاح والبشر والممنوعات، لن تتوقف في الحدود السودانية وإنما ستبحث عن أسواق جديدة شمالا، كل هذا زرع إخواني سقته أيادي مصرية لابتزازه وها هي تحصد حصرمه.
■ ختاما: يجب أن تدرك الطويل أن ما يحدث الآن هو استعادة لتجربة استمرت ثلاثة عقود ومحاولة استنساخ انقلاب يونيو 1989م، بالاستيلاء على السلطة بواسطة مدنيين و (كتائب ظل) يتزيون بزي القوات المسلحة، كُتّب كتائب: " البراء، والبنيان المرصوص، والبرق الخاطف، والقعقاع، وغيرها"، لإعادة تسميم الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية والأمنية، وتقسيم الكيان والوجدان السوداني، وتأطير جديد لنظام الحكم في السودان، بإقامة نظام آحادي استبدادي ولو على جماجم السودانيات والسودان، وفي ذلك أججوا هذه الحرب التي لم تكن معلوماتها مخفية، على أجهزة المخابرات المحلية والاقليمية والدولية، إلا أن التضليل الذي مارسته السلطة العسكرية والتمويه والتغطية الإقليمية جعلت من اندلاعها أمرا مستحيلا في نظر الكثير من المراقبين، ونحن أمام وجه كالح من أوجه الإسلام السياسي الذي سيستميت للحصول على السلطة، وهذه المرة لن يكف بمجرد محاولة اغتيال لرئيس دولة مجاورة وإنما سيعمل على إلحاق أكبر ضرر سياسي واقتصادي واجتماعي بالنظام الذي شرد وأباد إخوانهم في ميدان رابعة، ورأينا كيف يرفع عناصره تلك الشارة التي تقول بأن السودان لن يمنى وحده بشرر وجحيم هؤلاء، وإنما هي نيران ستلتهم المنطقة استوقدتها هذه الجماعات في الخرطوم التي ستتمدد ألسنتها إلى الكثير من العواصم الجارة والشقيقة والصديقة، فهنيئا لك الاستفاقة المتأخرة سيدتي الطويل.
orwaalsadig
• الأحد: ٢٥. صفر ١٤٤٥ه.
• الموافق: ١٠. سبتمبر ٢٠٢٣م.