الاثنين، 4 سبتمبر 2023

بسبب الحرب: غياب السودان من قمة المناخ

بسبب الحرب: غياب السودان من قمة المناخ
● استهان كثير من المراقبين بغياب السودان كدولة من فعالية مهمة كقمة المناخ، التي تستضيفها العاصمة الكينية نيروبي، وعد بعضهم ذلك رفاه لا وقت للسودان ليضيعه فيه، شأنهم شأن الذين سخروا من الراحل الإمام الصادق المهدي حينما كتب عن مياه النيل الوعد والوعيد في العام 2002م، وعندما حذر من الكوارث الطبيعية والهجرة والانفجار السكاني في 2000م، وضجوا بالتهكم عليه في 19 ديسمبر 2018م عندما تحدث في معرض كلمة له عن الاحتباس الحراري.

● الجميع يعلم أنه عندما يتعلق الأمر بالتغير المناخي، تعد قارة أفريقيا أحد أكثر المناطق تأثرًا وضعفًا وأقدرها تأثيرا في استعادة التوازن المناخي المنشود، فرغم ما تواجهه القارة من تحديات عديدة بسبب تغير المناخ، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة، ونقص المياه، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وتدهور البيئة، إلا أنها الأقدر على إكثار الأشجار والبذور وتغزير الأمطار، وهي الأقدر على خفض درجة حرارة الكوكب برمته.

● لذلك، فإن قمة المناخ الأفريقية (ACS) التي عُقدت حديثًا في كينيا تعد مناسبة مهمة للغاية لمناقشة واستعراض سبل لرفع فرص التمويل الدولي للمناخ، وزيادة فرص الاستثمار في القطاعات الخضراء، وتسريع التكيف والتنمية المستدامة في القارة، ولكن قصر نظر تخطيط من يقومون على الخارجية السودانية اختلقوا خصومة بدون مسببات مع الحكومة الكينية وجاراهم في ذلك بعنجهية مساعد قائد الجيش السوداني فضيعوا للسودان والسودانيين فرصة لا تقدر بثمن.

● من مقاصد هذه القمة توسيع نطاق التمويل الدولي للمناخ بصورة أكيدة وفعالية لدرجة كبيرة بالصورة التي تلبي تحديات التغير المناخي في أفريقيا، وتأثير ذلك على العالم الذي يشهد احتراق غابات كندا واسبانيا وأعاصير أمريكا وفيضانات آسيا، والجميع يعلم أن التوازن المناخي لا يمكن بلوغه إلا من بوابة إفريقا، وهي القارة التي تعاني من نقص التمويل اللازم للتخفيف من الآثار السلبية لتغير المناخ، مثل تطوير البنية التحتية المقاومة للمناخ وتعزيز الطاقة المتجددة ومدها بالتكنولوجيا المطلوبة في مجالات التنمية والزراعة، لذلك نجد اهتمام والتزام المجتمع الدولي بزيادة التمويل ودعم جهود أفريقيا في هذا الصدد.

● هذه القمة التي غاب عنها السودان بفعل فاعل وحكومة انقلاب 25 أكتوبر 2021م الباطل، كانت ستتيح للسودان مجالا للتمويل والتنمية واستقطاب فرص نمو وازدهار، على ضوء فرص الاستثمار في القطاعات الخضراء المطروحة محليا ودوليا لأفريقيا، وقد ضيعوا فرصًا هائلة للتحول نحو اقتصاد أخضر قوي.

● كان يمكن للسودان أن يتمكن في مجالات عديدة وهو البلد الأنسب في إفريقيا للاستثمار في الطاقة المتجددة التي تحقق الاستدامة البيئية وتدعم التنمية الاقتصادية في القارة الإفريقية برمتها، وهو البلد المستهدفة بزراعة الحزام الأخضر الأفريقي الذي يمر بحدود السودان من كافيا كنجي حتى الروصيرص شرقا بحوالي 2000 كلم 

● هذا الفرصة التي يضيعها السودان تستفيد منها دول أخرى كموريتانيا وجنوب أفريقيا وتحظى بنيل إمكانات كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، وتسخر هذه الموارد وتوفير الدعم المالي والتكنولوجي اللازم لتطوير هذه قطاعاتها، وكذلك دول كليبيا وملاوي وكيينيا التي استضافت المؤتمر تحظى شركاتها ومؤسساتها العاملة في المناخ والبيئة والطاقة المتجددة بتمويلات تتجاوز 15 بليون دولار.

● غاب السودان في الوقت الذي تسعى القارة لرفع قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية عبر تبني استراتيجيات تكييف فعالة لن يكون للسودان دور في وضعها ولكنها ستكون ملزمة له حال استعاد عضويته في المؤسسات الإقليمية والدولية، وربما ينطبق عليه ما ترتب على دول البحيرات واثيوبيا عند إبرام مصر والسودان اتفاقية مياه النيل. 

● إن قصر نظر الحاكمين بحكم الأمر الواقع ومحدودية تفكير من يديرون رحا الحرب العبثية من بورتسودان عزلونا من هذا المحفل وسيحرمونا من محافل مماثلة، في الوقت الذي كان ينبغي أن نركز فيه على الاستثمار في الطبيعة والحفاظ على التنوع البيولوجي، حيث أن النظم البيئية القوية تلعب دورًا حاسمًا في تعزيز مرونة القارة وقدرتها على مواجهة التغيرات المناخية، وكيف للسودان أن يفعل ذلك وهو يشهد أكبر تجريف لنظامه البيئي .

● إن غياب السودان من هذه الفعالية المهمة حرمه من المشاركة في رفع قدر ومقدار السودان كدولة، وحرمه من الإضطلاع بمهمته المرجووة في قيادة الدور الإفريقي في الساحة العالمية من خلال إمكاناته المطلوبة لإدارة البحار والأنهار والنقل الأخضر إذ يمثل أكبر دول القارة تقبلا لإنشاءات بحرية وبرية ونهرية، إذ تلعب الأنهار والبحار والمحيطات دورًا مهمًا في تنظيم المناخ وتوفير الأغذية والثروة البحرية، ومن ضمن المناطق المستهدفة بالتمويل والتنمية البحرية منطقة ساحل البحر الأحمر التي يوليها العالم والقارة اهتمامًا كبيرًا، ويعد التوجه للنقل الأخضر والحرص على استخدام وسائل النقل المستدامة للحد من انبعاثات الكربون والتلوث البيئي واحدة من شواغل المؤتمر الذي لن يستطيع توفير طاقة متجددة كافية دون الاستعانة بشمس السودان (الحراقة).

● إن غياب السودان من هذا المؤتمر سيجعل منه بلد متخلف ماليا، إذ أنه معني بتطوير الأسواق المالية في أفريقيا لتلبية احتياجات التمويل لمشاريع التكيف والتخفيف من الآثار السلبية لتغير المناخ، ومعلوم أن سوق الخرطوم للأسواق المالية به من الخبراء إن كان للحكومة عقل لأرسلتهم ليفيدوا القارة ويستفيد السودان مما سيجلبوه من خير، وستلعب الأسواق المالية دورًا مهمًا في جذب الاستثمارات وتمويل المشاريع البيئية والمستدامة في القارة، كان الأجدى أن يكون السودان قائدا ورائدا لهذا الملف.

● ختاما: من المؤكد أن ثمرات انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وحرب إبريل 2023م ستكون كالعلقم في حلق الجيل القادم، وسيدفع لها أثمانا كبيرا، لأن قمة المناخ الأفريقية تعد خطوة هامة في الاتجاه الصحيح لمكافحة تغير المناخ في أفريقيا والعالم، وسيغدق العالم على القارة إرغاما أو إسلاما والمجتمع الدولي ما يلزم من التمويل والاستثمار وسيتعاون لتحقيق التنمية المستدامة في القارة الأفريقية والحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية للأجيال القادمة، لأن العالمين يخشون من تحول الكوكب لفرن لا يقوى كثيرون من قادته على تحمل درجة حرارته العالية.

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
orwaalsadig @ fb, X, thr, Skype,

الاثنين: ٢٠. صفر. ١٤٤٥ه.
الموافق: ٥. سبتمبر. ٢٠٢٣م.