● هذه الحرب اللعينة المقيتة العبثية الظلومة الجهولة، التي ترتكبت فيها الجرائم البشعة والفظاعات والانتهاكات وتسببت في دمار هائل وإزهاق للأنفس البريئة حتى تاريخ اليوم تجاوزت الأعداد المعلنة والمرصودة عشرة آلاف نفس جلهم أبرياء مدنيون عزل نساء وأطفال وكهول، إنه تاريخ مؤلم لا ينسى ولا يرحم ولا يغفر لمرتكبي مجازره وفظاعاته، ومع ذلك فإن هناك فئة من الأشخاص لا تلقى الاهتمام الكافي ولا يلقى لهم بال، إذ يعتقد البعض أنهم ضحايا فقط أو مجرد رقم في التقارير المحلية والأممية والدولية، يتحاجون لرقم يوازي احتياجاتهم الإنسانية وتكاليفه المالية، فيعقد لهم العالم مؤتمرات للاستجابة لم تف حتى الآن باحتياجهم، ولكن الحقيقة أن هؤلاء ليسوا أرقاما يتم الاستجداء بها أو التسول لموائد الأمم واستثارة عاطفتهم، هؤلاء ليسوا كذلك فإنهم أبطال الحرب في السودان.
● إنهم الفارون، النازحون، اللاجئون، المهجرون، المتضررون، المتطوعون، العمال والموظفون، أولئك الذين نشطوا في التنسيقيات، اللجان، المبادرات، الأطباء، المحامون، النشطاء، الشباب، النساء، المصابون، المعاقون، الطلاب، الزراع، الذين عاشوا ذلك الجحيم بكل معانيه، وذاقوا ويلاته، وتجرعوا مراراته، وشهدوا بأم أعينهم على انتهاكاته، ولكنهم لم يستسلموا أبدا فلا زالوا يتوقون لحلم العودة وأمل البناء لوطنهم، إنهم من يمثلون بوصلة حقيقية غير معطوبة للتغيير والاستقرار لتشير للاتجاه الصحيح للمستقبل، وهم يشكلون السواد الأعظم لكتبة التاريخ المشهود الذي ينبغي أن تلهمنا دروسه وعبره، فهم لا يريدون أن يكونوا مجرد ضحايا، بل يسعون جاهدين لإنهاء هذه المأساة وأن يكون لها نهاية تليق بكرامة السودانيات والسودانيين وتنهي شبح الحروب والدمار والانقسام.
● إن صمودهم الأسطوري في وسط الحرب والدمار آية تستحق أن تدرس وتخلد في سفر التاريخ، فقد تمكن هؤلاء الأبطال من البقاء قويين وثابتين، استطاعوا الصمود في ظروف قاسية وقارعوا الصعاب بكل شجاعة، رغم المعاناة التي تحملتها أجسادهم وأرواحهم، فإنهم استمروا في النضال من أجل بلدهم ولأجل مستقبلهم، يداوون الجرحى ويطعمون المسغب، ويقيلون عثرة العاثر، ويحرسون بيت أهلهم وجيرانهم، ويشيعون الموتى ويتبرعون بدمائهم بعد أن فقدوا أموالهم، وينتظمون في المعسكرات، ودور الإيواء، وغرف الطواري، ومجموعات التدخل النفسي والإنساني والعون الطبي، والرصد الحقوقي، يطببون الجراح والأرواح.
● لم يكن لديهم مهلة للشكوى أو التذمر أو التأفف أو التحطيم، بل قرروا رفع رؤوسهم عالية والانتقال إلى الأمام رغبة في الخروج من هذا الحطام، وأدركوا أنهم يمتلكون القوة اللازمة للقيام بتغيير حقيقي، وأن إرادة وأيادي الحرب لن تحكم حياة السودان إلى الأبد، وأن أي محاولات لتحطيم آمالهم وأحلامهم في الحرية والسلام والعدالة هي التي سترتد على أصحابها، وبذلك هزموا جحافل التجييش والتضليل ودعاية الحرب، وأسكتوا صيحات نافخي كيرها، ليختفي ناعقوها وينزوي إفكهم.
● اتحدوا يحدوهم الأمل والتطلع للمستقبل متجاوزين ألسنتهم وألوانهم وأعراقهم وأديانهم، فقد صمم هؤلاء الأبطال عزمهم، وأعملوا عقولهم وقلوبهم لتوفير كافة الإمكانيات المتاحة واجتراح أفكار جديدة وابتكارات خلاقة تسهم في إعادة الحياة لما حولهم ووضع تصورات لبناء مناطقهم وأحيائهم وحاراتهم وبلدهم، ومن خلال متابعتي لجهود كثيرين منهم على الأرض والمجموعات الإسفيرية أجد أنهم يعملون بلا كلل لأجل السودان الآت، حيث يسود الاستقرار والازدهار والنمو والتطور، تصوروا مستقبلا بهرم التحول والتقدم يهزم مصفوفة التدمير والانقسام، ويعملون في ذلك زرافات ووحدانا بلا كلل من أجل تحقيق تلك الرؤية.
● هم الصوت الأعلى اليوم الذي يلعن الحرب وموقدي نيرانها ويعلن عن الحقائق المؤلمة التي قد يفضل البعض تجاهلها من المتقاتلين، أجهدتهم سبعة أشهر من الإعياء والرهق والضنك، إلا إنهم اجتهدوا كثيرا ولا زالوا يلتقطون أنفاسهم ويخاطرون بكل شيء من أجل الحقيقة والعدالة، فهم يدركون أن الحرب لا يمكن أن تصنع التغيير الحقيقي، ولكن الاجتماع على رفضها، والعمل المشترك على إنهائها، هو السبيل الوحيد للخروج من حفرة الحرب إلى فكرة السلام والاستقرار.
● ما يميزهم هو الاستقلال الفكري والبعد عن التحيزات الجهوية والاثنية والايدولوجية والمناطقية والاصطفافات التي خلفتها الحرب وغذتها دعاية الأبواق، فتجد أن أهمية هؤلاء الأبطال ليست فقط في قدرتهم على التحمل والعمل الشاق، ولكنها ترتكز أيضًا على قدرتهم وقدراتهم الذاتية والاستقلال الفكري التام الذي لا يغذيه انقسام، والاستغلال لكل ما هو متاح، فهم يتحدون الأفكار التقليدية والممارسات القديمة والأنماط الكلاسيكية في التعاطي مع الأشياء، ويسعون جاهدين لتحقيق التغيير الحقيقي وتحقيق الشفافية والعدالة في المجتمع ويرسمون ملامح الغد الأفضل للسودان وإنسانه وفق تصورات مستوحاة من واقع يومي يعاش.
● ختاما:
• إن هؤلاء الأبطال من الفتيات والصبية والنساء والرجال، الذين جاهدوا في تحمل آلام الحرب وزحزحة الأوضاع الصعبة عن كواهلهم، ومضوا في طريق مضنٍ لتضميد جراحهم، هم من اتحدوا في الحارات والأحياء والفرقان والقرى والمدن والمعسكرات، تحدوهم الآمال ويمتلكون مفتاحا من مفاتح التغيير والاستقرار في السودان، وذلك ما يدلل عليه إصرارهم على تحد عقبات وعقوبات وعسف سلطة الطواريء والتضييق والاعتقال والتعذيب والتصنيف والتخوين، وإن تفانيهم وقدرتهم على الصمود والعمل الجاد واستدامة التغيير، سيمكنهم أن يصنعوا مستقبلًا يسوده السلام والازدهار.
• لذلك علينا أن نستمع إلى أصواتهم وندعمهم في رحلتهم نحو إعادة بناء فرقانهم وقراهم وأحيائهم ومنازلهم ومرافقهم وأحلامهم ووطنهم السودان، ولا يجب أن نهملهم بل يجب أن نمد لهم يد المساعدة ونعمل بجد لتمكينهم وتمكين أفكارهم ورؤاهم وأن نمهلهم أن يجربوا ويقودا دفة الخلاص والتغيير التي سيطر عليها لعقود مجموعات ترى أن الخلاص لا يمكن أن يكون إلا عبرهم.
• هؤلاء الشباب في التنسيقيات وغرف الطواري، ودور الإيواء ولجان الأحياء، وقادة معسكرات اللجوء والنزوح، والناشطات في المجموعات النسوية، وكيانات الحقوقيين والقانونيين، ومجموعات المناصرة، ومتطوعي القطاعات الطبية والصحية، وغيرهم، إنهم ليسوا مجرد ضحايا، بل هم أبطال يستحقون التمكين لصنع مستقبلهم ومستقبل السودان بأكمله، لذلك دعوتي الخالصة لهن ولهم أن تقدموا كما فعل يوسف عليه السلام: ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)، ودعوتي الصادقة للجميع، دون استثناء حتى لأولئك المتجلببين بثياب أيدولوجية راديكالية وينشطون كواجهات لتعطيل الأنشطة المدنية، أقول لهن ولهم: "فلنتوحد ونعمل بتفانٍ وتجردٍ وصدقٍ بلا كللٍ أو مللٍ من أجل ردم حفرة الحرب ودفن مشعليها فيها، وننهض من الركام كما العنقاء بفكرة الوحدة لإحلال السلام الذي يستحقه الجميع ونبني وطننا وفق ما نهوى ونبتكر أو كما قال ود المكي علي السلام".
• سورة يوسف- (الآية: ٥٥).
عروة الصادق
𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔