الأحد، 26 مايو 2024

تغيير الدستور استبدال نصوص أم شخوص؟

تغيير الدستور استبدال نصوص أم شخوص؟
* هو ديدن الطغاة والدكتاتوريين ودأب كل المتسلطين والمخادعين والمتعطشين للسلطة، إنهم دائمًا يخطئون ومن ثم يخططون لإصلاح أخطائهم بارتكاب المزيد من الجرائم والفظاعات هدفهم التشبث والسيطرة من جديد على مقاليد السلطة وبسط هيمنتهم.

* ولقد قام العطا وقائد الجيش ومن معهم من عسكريي السيادي بتمزيق الوثيقة الدستورية بُعيد إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م معتقدين وقتئذٍ أن المواد التي عطلوها تكفل لهم المضي قدما في مشروعهم الانقلابي.

* وبموجب ذلك جعلوا منها خرقة دستورية بالية لا تصلح لإدارة البلاد لأنهم لم يلغوا منها إلا مواد الشراكة مع الحرية والتغيير، فصدموا بتقصيرهم، لأن ما بها بنود وفصول وفقرات يتعارض والممارسة الدكتاتورية وما يحاولون استعادته من عسكرة للدولة وبوليسة للحكم المتسلط وصلاحيات لأجهزة القمع والتنكيل، فضلا عن إجراءات وتشريعات الطواريء.

* لذلك نجد أنهم طفقوا ينشئون عدة دساتير جديدة (مؤقت، طواريء، تعديلات.. إلخ) فقط لخدمة مصالحهم الخاصة كعسكريين قبل كل شيء ولقمع الآخرين، لأن شركاءهم في الانقلاب اجتمعوا في القاهرة قبل أيام وقالوا بالرجوع للوثيقة الدستورية.

* كما أنهم يتجاهلون كافة الأنظمة المحلية والإقليمية والدولية المتماشية مع الحريات العامة وحقوق الإنسان لأن الأمر كله يتعلق بالحفاظ على قبضتهم على السلطة والهيمنة على مقاليد الحكم، لذلك يبدو الأمر كما لو أن أحدهم يقول: "مرحبًا، أنا المسؤول الأوحد الآن، ولا أهتم بما يظنه الآخرون"، وهذا يوضح أنهم لا يستطيعون الحصول على ما يكفي من تلك القوة والسلطة والنفوذ من خلال الوثيقة الدستورية التي مرجعيتها الثورة السودانية لذلك لجأوا لدسترة جديدة مرجعيتها انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م وحرب أبريل ٢٠٢٣م.

* وقد أوعز لهم بذلك مستشارو وخبراء وقانونيو الانقلاب العودة إلى دستور ٢٠٠٥م أو سن تشريع دستوري جديد يتواءم مع التطلع الآحادي الدكتاتوري ليحققوا بذلك سلطة شمولية لا تحققها الوثيقة الدستورية تُعمّد نظاما سلطويا وتعتمد منهجا شموليا.

* والمتوقع بعد أن يقوم هؤلاء الحكام النهمون بتحطيم الدستور القديم ووضع دستورهم الجديد، سيصبح الأمر أكثر قُبحًا مما هو عليه الآن، وسنشهد فظاعات وانتهاكات أسوأ من تلك التي حدث بعد الانقلاب وبعد الحرب لأنهم سوف يستخدمون تلك القوانين الجديدة لسحق أي معارضة لإبقاء أنفسهم في السلطة، ولن يبقَ أمام الشعب خيار سوى الإذعان وقبول حكمهم المتسلط أو الفرار، وهو ما فعله البشير ومن قبله النميري، ظنا منهم أنه ستكون المقاومة عديمة الجدوى في ظل تشريعات وقوانين القمع والكبت، وأقول للأسف ستكون هناك فوضى كبيرة حال اعتمدت هذه الاستراتيجية الآحادية وستستمر إراقة دماء، لأن الأمر كله يتعلق بالحفاظ على السيطرة والتأكد من عدم الإطاحة بهم، وفي ذلك لن يدخروا جهدا لجز رؤوس معارضيهم أو الزج بهم في السجون والمعتقلات التي تم تشريع قانون يفتح بيوت أشباحها.

* وقد اختار هؤلاء الدكتاتوريون التوقيت المثالي في ظروف فوضى الحرب الحالية، لإعادة صياغة الوضع الدستوري لأنها فرصة مثالية للتلاعب بالوضع وفرض سيطرتهم، لسان حالهم يقول: "أنا أقاتل من أجل البلد، فمن الأفضل أن تدعمني وإلا فأنت خائن سيطالك القانون"، إنهم يعرفون كيف يلعبون هذه اللعبة التي ظلوا يمارسونها على مر العقود، ولن يتوقفوا عن فعل أي شيء للحصول على كل شيء.


* ختاما: إن الأزمة لن يحلها استبدال النصوص أو الشخوص، بل القناعة الأكيدة بأن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها أن السلطة الحالية لا تمتلك شرعية استبدال الدساتير فهي سلطة منقلبة على ثورة مجيدة بعظم التاريخ، الواجب أولا وأخيرا إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار لاستئناف الانتقال المدني الديمقراطي بأسس يتراضى ويتوافق عليها الجميع، أما ما يحدث الآن فهو استغلال لفوضى الحرب وتوظيف لأمرائها واستماع لأبواقها ولن يقود إلا لمزيد من الدمار والصراع الهوياتي والتقسيم الإداري والتشظي الجغرافي للبلاد.

𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔