𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● في تلك الليلة الحالكة التي ماثلت حالكات ليالي السودان المفجعة منذ 15 إبريل حتى اليوم، ظن كثيرون أنهم بمأمن من فواجع السودان وأوجاعة، وقال كثيرون بأن هذه البلاد باتت آمنة ومستقرة، ولكن ثبت ألا مأمن في السودان لأي كائن من كان في أي مكان، وهو ما سطرته أيادي القدر والقدرة منبهة لآثام المهملين، ووقعت الواقعة عندما كان القمر يختبئ خلف سحب سوداء وصفها الشاعر محمد بادي:
الوادي الجانا مترقن
مدّ جناحو الطايل شرقا وغربا
القبلي بروقو على القلعات يضّربن
الدكن البعدن قربن
فوق صنقور المحلة الطالت كبن
قول للمحلة بيوتك خربن
قول ما دلة.. الحلف الجاف اتبلّ
بالحيل آ جني إيه والله،
- استيقظت مدن طوكر وبورتسودان وعشرات القرى على أنين حزين، يوازي أنين ملايين الفارين من الحرب والنازحين من جورها، وكان أنين سد أربعات وهو يودع الحياة، تاركاً وراءه دماراً هائلاً وألماً لا يوصف إلى هذه اللحظة ينتظر أهلنا الخلاص في قمم الجبال بلا مأوى أو ملاذ. إن انهيار السد لم يكن مجرد حادثا عابرا، بل كان نتيجة تراكم الأخطاء والإهمال والتجاهل لصرخات الطبيعة.
- سد أربعات استحق أن يسمى بشهيد الإهمال، فقبل أن يتحول إلى شبح يهدد المدينة، كان رمزاً للأمل، وكان مصدراً للحياة، يزود المدينة الصادئة بالمياه العذبة، لكن هذا الأمل تلاشى تدريجياً مع مرور الأيام، حيث تم تجاهل صيانة السد وإصلاح العيوب التي ظهرت فيه. تراكمت الرواسب، وازداد الضغط على جسم السد، وتحولت بحيرته إلى مستنقع قذر يغص بالحجارة والأطماء والمواد الرسوبية.
كنت قد أشرت في مقالة سابقة إلى أن الهزات الأرضية كانت مجرد شرارة، وحاول البعض تبرئة ذمة المتسببين في الكارثة، زاعمين أن الهزات الأرضية هي السبب الرئيسي في انهيار السد، ولكن الحقيقة أن هذه الهزات كانت مجرد شرارة أشعلت فتيل بركان كان على وشك الانفجار، كانت الهزات ضعيفة، ولا تستطيع أن تهز سدًا صُمم ليعيش قرونًا، لأن الهزة كانت دون المقاس المؤثر وفي بعد وعمق بعيد كل البعد عن موقع السد.
- ما يؤلم أن الذين تلاعبوا في إنشاء السد لم يدفع أحد منهم الثمن ولكن الضحايا الأبرياء هم من دفعوا الثمن، من قوتهم بالضرائب والآتاوات، ودفع الآلاف من الأبرياء حياتهم ثمناً لإهمال حكامنا وتجاهل مسئولينا، فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، وشردوا عن ديارهم. أصبحت حياتهم جحيماً لا يطاق، وهم يبحثون عن مأوى آمن ومياه نظيفة.
- إن انهيار سد أربعات هو صرخة الأرض المنسية، صرخة تذكّرنا بأننا لسنا سوى جزء صغير من هذا الكون، وأن علينا أن نعيش في وئام وبصدق مع الطبيعة، إننا ندمر بيئتنا بأيدينا، ونعاقب أنفسنا على ذلك، لأننا ننتظر تهديدا آخر يشهده سد خور موج، ثاني أكبر سد في ولاية البحر الأحمر بعد سد أربعات، ويعيش هذا السد تدهوراً ملحوظاً في حالته الهيكلية، مما يثير مخاوف جدية بشأن احتمال انهياره، ويقع هذا السد الرملي الذي لم يخضع لأي صيانة تذكر منذ أكثر من سبع سنوات، في قلب مدينة بورتسودان، مما يجعله يشكل تهديداً مباشراً على حياة وممتلكات آلاف المواطنين.
- بعد هذه الكارثة في شرقنا الحبيب والتي سبقتها حوادث مماثلة في مختلف بقاع السودان، يجب أن نتعلم الدرس، وينبغي أن نعيد النظر في سياساتنا وإدارتنا للموارد المائية، وعلينا أن نستثمر في البنية التحتية، وأن نضمن صيانة المنشآت الحيوية دوريا، وأن ندخر جهدنا في التلاوم لإغاثة أهلنا لأنه سيأتي اليوم الذي نحاسب فيه المسؤولين عن الإهمال والتسبب في هذه الكارثة.
● ختاما: إن كارثة سد أربعات هي وحادة من سلسلة كوارث ممتدة تمثل جرحا غائرا في قلب السودان، ولكن هذا الجرح يمكن أن يكون بداية جديدة، بداية لعهد جديد من الوعي والمسؤولية، علينا أن نعمل معاً لإعادة بناء ما دمرته الحرب والسيول، وأن نعمل على بناء مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة. لذلك دعونا نتنادى جميعا للتضام مع المتضررين والتكاتف معهم وتقديم المساعدات للمتضررين من هذه الكارثة، والمطالبة بالصوت العالي بمحاسبة المسؤولين عن الإهمال الذي أدى إلى هذه الكارثة، وأن نمضي نحو وقف الحرب والاستثمار فيها وفي الأزمات لصالح الاستثمار في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتحديث أنظمة الإنذار المبكر، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، لأننا جميعاً مسؤولون عن حماية كوكبنا، وعلينا أن نتحرك الآن قبل فوات الأوان.
╭┈ *𝙊𝙧𝙬𝙖 𝘼𝙡.𝙎𝙖𝙙𝙞𝙜* ─ ೄྀ࿐ ˊˎ-
╰┈➤ ❝[ *𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔*] ❞