الأحد، 4 أغسطس 2024

تقاسيم الزمن وتخاريم العطا

تقاسيم الزمن وتخاريم العطا

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
لا تزال ذاكرتنا الجمعية تذكر مواقف التضاد التي اخذتها قيادة القوات المسلحة تجاه الشعب، كانحياز بعض صغار الضباط لركب الثورة يوم ٧ إبريل واكتمال الانحياز في ١١ إبريل، ليجهز الجيش على هذا المشهد في أقل من شهرين بفض أعظم اعتصام كان أمام حرم القيادة العامة، ووقتها كانت قيادة الجيش تشاهد عمليات السحل والقتل والاغتصاب عبر طائرات الاستطلاع وكاميرات شوارع القيادة العامة ومة حولها، وقتها كان الفريق ياسر العطا دون بقية أعضاء مجلس السيادة غيابا من شهود المجزرة لمرضه الشديد، من بعدها تقدم الجيش نحو استرجاع مكانته كمؤسسة قومية في وجدان الشعب السوداني عبر إبرام اتفاق أغسطس ٢٠١٩م والتوقيع على الوثيقة الدستورية التي أتت بها ضغوط ومواكب ٣٠ يونيو ٢٠١٩م التي أعقبت فض الاعتصام، ولكن ما لبثت قيادة الجيش حتى التفت على تلك الوثيقة ونقضت غزلها بيدها في انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م وكان موقف الفريق ياسر العطا حينئذ موقف الساعي بين الناس للصلح وقدم شهادته المشودة عن قيادة الحرية والتغيير الذين اعتقلهم واتهم ذمتهم انقلاب أكتوبر وفي تلك الفترة قدم العطا استقالته من عضوية المجلس ومن رئاسة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م مرة ومرتين وثلاث.

قبيل الحرب بأيام زاره من يتهمهم اليوم بالخيانة والعمالة قي منزله، ليخبروه عن مساعيهم لنزع فتيل الأزمة بين الجيش والدعم السريع وإخماد الفتنة التي يسعى بها فلول النظام المباد وسدنة انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، ولكن كان رده بأن الأمر لن يتجاوز الست ساعات، وحتى كتابة هذا المقال مرت على الحرب (١١) ألف ساعة، وبالتحديد حوالي (٨) شهر و (١٠) يوم و (٣) ساعات و (٥٠) دقيقة، ولم يوفي ياسر بوعده في الست ساعات أو الثلاثة أيام أو الأسبوع أسبوعين بهدم جدار جدارين، إلى أن وصلت به القناعة للقتال قرنا كاملا.

من المؤكد أن الرجل ليس فاسد، وشهادتي فيه أن أسرة عبد الباسط حمزة الحسن حاولت رشوته بمليوني دولار لإطلاق سراح والدهم من سجن كوبر، ولكنه صمت عندما قبل الرشوة حسن البرهان وأطلق سراح عبد الباسط تحت ومرأى ياسر العطا الذي لم بنبس ببنت شفة، وكذلك الرجل ليس عميلا وشهادتي فيه عندما زرنا الفريق الشامي وهو يعيد إحكام السيطرة على أراضي الفشقة، فقد استجاب ياسر العطا لطلب نقلناه له من الشامي بضرورة إرسال آليات لتشييد جسور وكباري لئلا تنقطع الفشقة من أراضي الولاية بفعل الخريف، وكان من الرافضين لأي تواجد أجنبي في الأراضي السودانية، ولكنه لاذ بالصمت مرة أخرى عندما تواجهنا مع البرهان في قضية طائرات اللاذقية بورتسودان، وانزوى بعيدا يراقب.


الآن تعالت نبرات الفريق ياسر تارة إساءة وتخوين وتارة اتهام لمن يعلم يقينا أنهم أنبل من زاملهم في العمل العام، وأنهم هم من كشفوا عملية محاولة تصفيته في فبراير ٢٠٢٣م من ذات الجماعات التي أججت الحرب ويحيط به عناصرها وكتائبها اليوم، وتم كشف المخطط لاندلاع الحرب وتاجيل قيامها لحوالي شهرين، واجتهد من يتهم ياسر بالعمالة لتلافي الأمر بتسريع عملية الحل السياسي الشامل عبر الاتفاق الإطار الذي قال عنه أنه بداية تأسيس لمملكة دقلو، والذي يعلم يقينا ياسر أنه كان ( المراقة) للعسكر وتسوية قبلناها على مضض لتجنيب البلاد ويلات هذه الحرب التي كنا نراها رأي العين.


ياسر الذي يقول بتجمعنا على القوات المسلحة، يعلم أننا وقفنا مع الجيش في استعادته للفشقة بكل ما عندنا، وظللنا ننبهه والبرهان على الدوام بخطر عودة التنظيم المحلول عليهم كمؤسسة وأفراد، آخرها كان في منزله عندما واجهت البرهان وقلت له بالحرف إذا عاد هؤلاء سيذهبوا بك إلى الدروة ويطلقوا رصاصة على جبهتك مشيرا له بالسبابة والوسطى وكان جلوسا إليه العطا و حميدتي وبرمة ومحمد الفكي وجمال مدير المخابرات، حينها ربت العطا على كتفي قائلا لن يعودوا قلت له: إن شاء الله، لكنهم سيعودوا ويحرقوا البلاد، هذه هي خيانتنا أن نبهناكم لأمر قبل حدوثه بسنتين؟؟!

وذهب العطا للحديث عمة دار بينه وبين قائد الجيش واحتمال تنحي البرهان عن القيادة وهو في رأيي أمر معقد وغير مؤكد، فالرجل منذ الفترة الانتقالية وما بعد الانقلاب في أكتوبر ٢٠٢١م أظهر تشبثا سلطويا وادخر كل آليات احتكار السلطة بالانقلاب على الوثيقة الدستورية وتعديل هياكل الحكم مجلس السيادة والوزراء وتغيير هرمية القوات المسلحة السودانية، ومع ذلك إذا قرر التنحي، فستترتب على ذلك عدة عواقب في اعتقادي، أولها فراغ السلطة لأن استقالته ستقود إلى خلق فراغ في السلطة داخل كل من الجيش والحكومة فيظل تنافس تيارات أيدولوحية للهيمنة على مقاليد الحكم، ما يعني تأخير الوصول للسلام وعدم الاستقرار حيث تتنافس الفصائل المختلفة على السيطرة، ولكن إذا تم الأمر ضمن إجراءات متفق عليها في إطار عملية السلام من قبل القيادة الانتقالية فلربما يكون تسليم السلطة إلى كباشي أو أي زعيم آخر إلى تشكيل حكومة انتقالية متفق حولها، وهو ما قد يعالج المأزق السياسي في السودان وكان مقترحا منذ أن سطا البرهان على السلطة عبر انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م، ومع ذلك فإنها فرضية ستواجه أيضًا تحديات كبيرة إذا لم يتم قبولها على نطاق واسع لأن الرأي العام السوداني له مآخذ حتى على الكباشي نفسه، وله قرار حاسم في موضوع استمرار عسكرة الحكم، ولكني أرى أن البرهان بهذا التوجه يرى أن الخطوة يمكنها التأثير على العلاقات المدنية العسكرية، لقناعته أن القائد الجديد سيغير الديناميكية بين الجهات العسكرية والمدنية في السودان خاصة وأن هناك شعرة ثقة لا زالت تربط بين الكباشي والدعم السريع وبعض قيادات القوى المدنية، وأن الكباشي أكثر استجابة منه للحكم المدني، وهو الأمر الذي سيهل الوصول للسلام ويمكن من إعمال الإصلاحات الهيكلية في الدولة والتحسينات المطلوبة في نظام الحكم.

ولكن كل هذا التصور التوافقي تجهضه تشنجات فلول الحزب المحلول التي ستزايد على الجميع بضرورة بقاء البرهاو لقيادة الحرب حتى سحق آخر متمرد وفق تصوراتهم التي أعلنها الجنرال العطا وهو الأمر الذي سيفاقم الأزمة ويزيد التوترات إذا تنحى البرهان وتم النظر إليه على أنه تم إقصاؤه أو إذا تم النظر إلى خليفته على أنه أولا غير شرعي وغير مخول لإبرام أي صفقة سلام باسم الجيش، وذلك يعني زيادة التوترات والاحتجاجات والاضطرابات داخل المؤسسة العسكرية وداخل منظومة الحكم في البلاد، خاصة وأن الحملات الجهوية والعنصرية انتظمت وسائل التواصل الاجتماعي منذ أن أعلن العطا حديثه.

ولا ننسى أن للأمر رد الفعل الدولي فالمجتمع الدولي يراقب الوضع عن كثب ويقود عملية سلام محتملة أطرافها بالضرورة البرهان وحميدتي، وما لم يتم إعلان أسباب الانتقال من شخص إلى آخر في قيادة الجيش سيُقابل الأمر إما بالدعم أو بالتشكيك، اعتمادًا على الالتزام المتصور بخطوات السلام القائمة في (جدة) أو القادمة في (جنيف) وترجيح كفة العمليات والأنشطة المنادية بالمدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان عوضا عن كفة العمليات العسكرية.

 وهناك دون أدنى شك الكثير من المخاوف الأمنية والمحاذير الجيوسياسية لأن رحيل البرهان سينسحب تأثيره على الأمن في المنطقة وتموضعها جيوسياسيا في الإقليم والعالم وإلى أي المعسكرات سيتجه خليفة البرهان، خاصة إذا اختلفت الجماعات الاخوانية داخل الجيش مع العملية الانتقالية أو إذا استغلت قيادة الدعم حالة عدم الاستقرار القيادي واجتاحت ما تبقى من المدن وأجهزت على كامل كيان الجيش والدولة.

ختاما: ما قاله العطا من تخاريم هو أمر مدروس ومتعمد إعلانه لإرسال رسائل جديدة ومختلفة لعدة جهات قبل الإعلان عن حالة عجز البرهان أو العسكريين كمكون وطني عن تحمل تبعات الحرب التي استدرجهم إليها الحزب المحلول والحركة الإخوانية، ويمكن أن ينظر إلى احتمال وجود قيادة جديدة بأنه سير في طريق التقدم نحو السلم والاستقرار، إلا أنه وبهذه الطريقة التي يطرحها العطا ويستبطن رفضها يحمل مخاطر كبيرة تحتاج إلى إدارة حذرة من البرهان كشخص ومن قيادة الجيش إذا كان مبتغاهم السلام وليس استمرار الحرب لضمان الاستقرار واستعادة الحكم المدني الديمقراطي في السودان.

 𝒪𝓇𝓌𝒶 𝒜𝓁𝓈𝒶𝒹𝒾𝑔