شرق السودان تنازع الهويات وتدافع المصالح
𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
يشهد شرق السودان تحولات عميقة ومعقدة ونزعات جهوية وهوياتية كبيرة تجلت في حديث عدد من المتحدثين باسم الشرق كالناظر ترك وشيبة ضرار وغيرهما، هذه التحولات تتأثر بشكل مباشر بالصراعات الدائرة في البلاد إذ أن الشرق ظل الأداة الطيعة والعصا التخريبية في أيدي الطغاة على مر الأنظمة العسكرتارية، فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة، تحول الإقليم إلى ساحة صراع بين قوى متعددة ومحتشد للعدة والعديد من مختلف الألوان والأعراق كل يحمل سلاحا مستقلا، الأمر الذي قاد لتفاقم الأوضاع الإنسانية والسياسية والأمنية، في الشرق وانعكس الصرف العسكري على وضع البلاد عموما.
لا يمكننا فهم الأزمة في شرق السودان بمعزل عن التطورات الإقليمية والمطامع الدولية والمخاوف الأممية، فالتنافس بين الدول الإقليمية على النفوذ في المنطقة، وتحديدًا بين السودان وإريتريا، يلقي بظلاله على الأحداث الجارية، وترى الدول المتشاطئة على البحر الأحمر أنها أحق بالهيمنة على أمن واستقرار البحر الأحمر، وهو ذات ما حفز التنافس الروسي الأمريكي للسيطرة والتموضع فيه، فيما ترى دول ذات أشواق تاريخية لبحث دولة فارسية أو عثمانية أنه من الواجب أن تجد موطيء قدم لها في ساحل البحر الأحمر، وتسعى كافة هذه الدول إلى استغلال الصراعات الداخلية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وتموضعات جيوسياسية، مما يزيد من تعقيد الأزمة الداخلية ويهدد أمن الوطن وسلامة المواطنين ويمدد آماد الحرب.
وما يؤسف له تلعب القوى المسلحة دورًا محوريًا براغماتيا يصل حد الانتهازية والابتزاز في تأجيج الصراع، فالتناسل الهندسي لجماعات مسلحة على أسس إثنية ووجود هذه المليشيات، سواء كانت من داخل السودان أو من دول مجاورة، يزيد من حدة التوترات ويهدد الأمن والاستقرار، وينذر بوعيد شديد لمواطني الشر، كما أن هذه المليشيات وقادتها غالبًا ما ارتبطت بشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات والبشر لفترات طويلة ومثلت مافيا خارجة عن القانون تقتلت من تلك العمليات والآن تم تمكينها من أسلحة ومتحركات وأموال تحت مرأى ومسمع السلطات مما يزيد من خطورتها.
ظلت شعوب شرق السودان من نزاعات هوية ونزع انتماء، حيث استغلت بعض القوى الاجتماعية تلك التناقضت وتنازع القوى السياسية المختلفة على تمثيلها، هذا الصراع على الهوية زاد من الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وجعل من الصعب تحقيق المصالحة الوطنية حتى في الحيز الضيق المستقر والذي تتخذ منه حكومة الامر الواقع ملاذا آمنا، فالتنازع في أوجه والتضاد في ذروته، والآن يعمد النظام وأجهزته الأمنية إلى التلاعب واستخدام تلك الحالة للتحشيد والاستنفار والتسليح، مع العلم أن الشرق فيه من التضاريس والحدود المفتوحة التي تعذر أي محاولات سيطرة على هذا السلاح حال انفلاته.
لا أرجم الغيب ولكن مستقبلاً شرق السودان سيواجه تحديات كبيرة بعضها آني وآخر آتي من أهمها:
* تعذر الحفاظ على وحدة وسبيكة سكان شرق السودان المجتمعية، مما سينعكس سلبا على تسبيك وتشبيك لحمة الوطن السودان، وسيتعذر تجاوز الانقسامات الإقليمية والقبلية.
* مع الارتباطات الخارجية الماثلة سيتعذر بناء دولة قوية وعادلة ومستقلة وذات سيادة تحترم حقوق جميع المواطنين.
* مع إدماج وإدراج المجرمين وتجار البشر وأمراء الحرب سيتعذر تحقيق مكافحة الفساد المستشري في البلاد، وستنعدم سبل الوصول لإعمال الشفافية والمساءلة.
* التلاعب الحالي على حبال التفريق والتمزيق سيحول دون إجراء حوار وطني شامل يجمع جميع الأطراف السودانية للخروج من الأزمة الحالية.
* مع تكاثر وتناسل أطماع كثيرين من الداخل والخارج في ثروات الشرق وموارده الطبيعية (نفط، ذهب، غاز، معادن، أسماك، سياحة .. الخ) سيتعذر حماية تلك الثروات من التهريب والنهب والسلب، لأن المدافعين ليسوا أفراد وإنما مافيا وعصابات ودول وأحلاف.
لذلك يقع على عاتق حكماء الشرق بمختلف تكويناتهم القبلية والسياسية وطوائفهم الدينية وانحيازاتهم الخارجية، أن يمنعوا كل عابث من اللعب بمصالح الأهل فيه، وأن يرجعوا كل متمادٍ إلى جادة الصواب، وأن يردعوا كل متدخل بسوءٍ في أجندة الشرق، وإلا سينجرف شرقنا الحبيب إلى بحيرة الدم التي غاصت فيها أقدام بقية الأقاليم، ويرجى ألا يكون أهل الشرق مطية لأجندة خارجية ونزعات تقسيمية لأنهم إذا وحدوا كلمتهم وقووا عزيمتهم بإمكانهم جعل الشرق ملاذاً إنسانيا للفارين من الحرب ووجهة استثمارية لكل من ينشد التجارة أو التصدير أو الاستيراد أو العمران أو حتى العمل الحرفي اليومي، وبذلك سيكون الشرق رئة التعافي الوطني، التي من واجب كل حادب الحفاظ عليها منتعشة حية وحيوية وإلا فباختناقها ستختنق حياة المواطنين وتزداد حالة الانهيار للاقتصاد القومي تدحرجا.
ختاما: إن الأزمة في شرق السودان هي نتيجة لتراكمات تاريخية من التهميش والظلم، ولأن شرق السودان يشهد نزيفًا مستمرًا جراء صراعات لم تنته، سيمر شرق السودان بمرحلة حرجة في تاريخه، ونحن في حالة مخاض قد تتحول فيه أرض البجا إلى ساحة حرب لا قدر الله، لتدفع تلك الأرض ثمن طموحات القوى الكبرى، ويتطلب الخروج من هذه الأزمة رؤية واضحة واستراتيجية شاملة، الواجب على جميع الأطراف السودانية، بدعم من المجتمع الإقليمي والدولي، العمل معًا لبناء مستقبل أفضل للشرق ولعموم البلاد وكبح جماح المتدخلين بسوء في الشرق، وينبغي أن نعمل جميعًا على وقف هذه الحرب لبناء سودان واعد وواعٍ ومتجدد، يرتكز على الوحدة والمساواة والكرامة الإنسانية ويحافظ على شعارات الثورة في أجندته المستدامة (حرية، سلام، عدالة)، ولن يتأتى ذلك إلا بالركون لصوت الحكمة والعقل، لأن الحوار هو السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة، وليس السلاح.