𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
● تصريحات الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني، وبعض قادة الجيش كرئيس هيئة الأركان وآخرين برفض أي حديث عن حوار أو الصلح والمفاوضات مع قوات الدعم السريع، تثير تساؤلات حول مدى انسجامها مع الجهود الدبلوماسية الجارية خلف الكواليس التي يعلمها البرهان وبإذنه ويقوم بها دبلوماسيوه وعسكريوه وأمنيوه، زيارات علنية وسرية، واجتماعات قام بها هو شخصيا آخرها مع قادة غرب إفريقيا ورئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، والزيارة التي قام بها وزير ماليته اليوم إلى مصر، لذلك فإن هذه التصريحات، التي تتأبى وتتمنع وتشدد وتؤكد تفضيل الحلول العسكرية على السياسية، واستثارة الحمية والدم مقابل الحماية والسلم، تعكس بجلاء مخاوف داخلية تتعلق بشرعية قائد الجيش ومكانته في نظر بعض الفئات المحلية والدولية، خاصة في ظل وجود جهود دبلوماسية سرية تسعى لإنهاء الأزمة، تخاطبه دوما بقائد الجيش دونما إشارة لموقعه السيادي ورأينا ذلك بجلاء في احتفال السودان بأعياد استقلاله، ولأول مرة تقتصر التهاني البروتوكولية من ١٥ دولة وجهة رئاسية.
- لذلك نجد أن من تداعيات التصريحات المتمنعة على المشهد السياسي والأمني، إضعاف التحالفات السياسية والعسكرية، والعسكرية العسكرية، والعسكرية مع قوى مسلحة، فتصريحات رفض المفاوضات ستؤدي إلى تآكل التحالفات مع القوى السياسية والعسكرية التي ترى في الحوار السياسي مخرجًا منطقيًا للأزمة، وهذا العزل السياسي قد يدفع الجيش إلى تبني مهام دستورية وسياسية أوسع بإعلان حكومة مركزية قابضة وحكومات ولائية أشبه بحكومات طواريء من جنرالات، وهو ما قد تستغله بعض الدول الجارة الداعمة لأطراف الحرب لضمان استمرار نفوذها في السودان، خاصة في ظل تنامي التيارات المتطرفة داخل القوات المسلحة وفي قيادة العمليات العسكرية.
- ولكن المتوقع هو تصعيد عسكري واسع النطاق، فرفض المفاوضات سيدفع قوات الدعم السريع إلى تبني مواقف أكثر تشددًا، وهذا التصعيد لن يقتصر تأثيره على الجيش وقوات الدعم السريع فحسب، بل سيمتد ليشمل الحركات المسلحة والكتائب الجهادوية والجماعات الخارجة عن القانون، وأول ضحايه هم المدنيين، الذين سيعانون من انتهاكات حقوقية متزايدة، ونزوح قسري، وانعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والاتصالات.
- ومؤكد أن تفاقم الانقسامات الاجتماعية في ظل وجود فئات مجتمعية وكيانات قبلية تدعم قوات الدعم السريع، وأخرى ترى في المفاوضات حلًا منطقيًا، قد تتزداد بصورة كبيرة أكثر مما شهدناه عند استعادة الجيش لولاية الجزيرة وما نشاهده في قرى الجيلي شمال بحري، والشباب الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان، يفقدون يوما بعد يوم الطموح والأمل في المستقبل، مما يدفعهم بصورة مضطردة إلى الانخراط في العنف، والهجرة غير الشرعية، أو حتى الانضمام لجماعات متطرفة وإرهابية، أو الاصطفاف لطرفي الحرب مما يعقد المشهد الأمني بشكل أكبر.
- لذلك مهما قال البرهان فإن الحكمة تقول وتقتضي الضرورة استئناف المفاوضات والحوار الشامل، فهي الحل الوحيد القادر على إنهاء الصراع، بغض النظر عن مدة الحرب أو حجم الخسائر على الجميع التواضع لعقد حوار شامل (مؤتمر، مائدة مستديرة، كوديسا... الخ) يضم جميع الأطراف الرافضة لاستمرار الحرب، بما في ذلك الجيش، قوات الدعم السريع، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني، قوى الثورة، والقطاعات المهنية والفئوية والشبابية والنسوية والنازحين واللاجئين وغيرهم، هذا الحوار يرجى أن يقود إلى بناء الثقة وإيجاد أرضية مشتركة لتحقيق الاستقرار.
- وذلك لأن الدور الخارجي إذا سبق جهود السلم الداخلية سيكون بمثابة وضع العربة أمام الحصان وحينها سيكون بأيدينا (حبال بلا بقر)، وعلى القوى السودانية استباق أي جهود خفية ودور دولي، لأن بعض التقارير تشير إلى وجود جهود دبلوماسية خفية، يقودها بشكل رئيسي تحالف مصري بريطاني، تمهيدًا لوقف إطلاق النار الفوري تحت مراقبة دولية، وهذه الجهود قد تكون محاولة لضمان التزام جميع الأطراف بوقف الأعمال العدائية، مما يفتح الباب أمام مفاوضات جادة.
● ختامًا: إن تصريحات القائد العام للجيش وزملائه لا تعكس سوى موقفًا متصلبًا يهدف إلى الحفاظ على تماسك الجنود والضباط ورفع الروح المعنوية، لكنها حتما إذا سارت بذات الوتيرة ستعقد الجهود نحو حل شامل إذا لم يتم التعامل معها بحكمة ومسؤولية وتجرد، فالحلول السياسية والمفاوضات تبقى الطريق الأفضل والأقصر والأجدى لإنهاء الصراع، مع ضرورة إشراك جميع الأطراف المؤمنة بالحل السلمي ومعالجة الأسباب الجذرية للأزمة السودانية.
بدون ذلك سيستمر الصراع ويتفاقم وتنسى الأزمة السودانية أكثر مما هي الآن، وسيزداد الوضع تعقيدا وسنشهد المزيد من المعاناة للشعب السوداني وارتفاع أرقام الضحايا في التقارير الدولية والإقليمية، ويزيد من خطر تحول الصراع إلى حرب أهلية واسعة النطاق قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو حتى تقسيم البلاد.
لذلك ينبغي أن تدعم القوى السياسية السودانية والكيانات المدنية أي توجه علني أو سري للمفاوضات، وأن تكون الأولوية لوقف إطلاق النار الفوري، وإعادة بناء الثقة، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع لضمان مستقبل مستقر وسلمي للسودان، أو فلنشاهد بأم أعيننا أسوأ سيناريوهات العنف والتطرف لا قدر الله.
وإذا كان التمنع لأسباب موضوعية على الجميع العمل سويا لإزالة أسبابه، وإذا كان سجية نفس ظالمة، فنردد له القول: "تعلم من ماضيك"، وإقرأ قوله ﷻ: ﴿إِن یَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحࣱ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحࣱ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَاۤءَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ [آل عمران ١٤٠] .
عروة الصادق
٢٧ يناير ٢٠٢٥م