𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`
٢٥ يناير ٢٠٢٥م
● في كل عام تعود بنا الذكرى وتأثيرات بلادنا الزمكانية إلى ذلك اليوم الخالد، يوم تحرر الخرطوم من براثن الاستعمار، يوم أن ارتفعت راية السودان عاليا شامخة خفاقة، يوم أن أثبت فيه شعبنا أن الإرادة الصلبة المهابة، والعزيمة القوية الوثابة، قادرة على تحقيق المستحيل، ببسالة أُسد وقوة جُند وقيادة رُشد.
- الدرس الأول: لم يكن 26 يناير 1885م يوما عاديا أو مجرد حدث عابر فهو يوم انتصار الإرادة السودانية، ويوم تحرير الخرطوم، هذا الحدث الفارق في تاريخ السودان، كان تتويجًا لنضال طويل وشاق ضد الاستعمار، ففي 26 يناير 1885م، سطر الأبطال الأنصار الأحرار السودانيون ملحمة بطولية لا تنسى، حيث تمكنوا من تحرير عاصمتهم الخرطوم من براثن المستعمر البريطاني وأخلافه من المصريين والشراكسة واليونانيين والأغاريق والأرمن وغيرهم.
- الدرس الثاني: كان أنصـــ.ـــار الله المهديين المهدويين يومئذ يقاتلون دفاعًا عن دينهم وبلادهم، وعازمون على طرد المستعمر مهما كلفهم الأمر، فقد تحملوا الصعاب والمحن، وتصدوا لقوات مجهزة بأحدث الأسلحة، وكان الإيمان بالله واليقين بالنصر هو الوقود الذي دفعهم إلى الأمام، فقد آمنوا بأن الله معهم، وأن النصر حليف المؤمنين، مستجيبين لدعوة الإمام المهدي ولنداء العلي الأعلى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوۤا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ لِلۡحَوَارِیِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِیۤ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِیُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّاۤىِٕفَةࣱ مِّنۢ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ وَكَفَرَت طَّاۤىِٕفَةࣱۖ فَأَیَّدۡنَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ ظَـٰهِرِینَ﴾ [الصف ١٤].
- الدرس الثالث: لم يترددوا قط في التضحية بأنفسهم من أجل بلادهم، فقد قدموا أرواحهم فداءً للحرية والاستقلال، يوم أن شنت قواتهم هجومًا عنيفًا على مواقع القوات البريطانية المحتلة في الخرطوم، وقد استمرت المعارك طوال اليوم، وشهدت مقاومة شرسة من كلا الجانبين، ولكن في نهاية المطاف أفلت شمس الإمبراطورية التي لم تغب عنها الشمس في الخرطوم، وتمكن الآباء من اقتحام المدينة، وجندلوا الحاكم البريطاني الجنرال غوردون الذي أذاق الأمم فنون عذاباته ودفعت به حكومة الاحتلال لهزيمة وكسر عزيمة السودانيين الثائرين.
- الدرس الرابع: مذاك وتلك اللحظات التي احتفل السودانيون بالنصر العظيم الذي تحقق، أقيمت الاحتفالات في جميع أنحاء البلاد، بل حتى المستعمرات البريطانية احتفل بعض شعوبها وقرظوا نصر الأنصار، و ألهم انتصار السودانيين يومئذ الشعوب المستعمرة الأخرى، وشجعهم على النضال من أجل التحرير، لكن اليوم يحتفي السودانيون بتحرير بلادهم من أولادها، وهذا قاد وحفز النزعات التقسيمية الانفصالية المحلية الضيقة، التي يروج لها أصحاب مشاريع فاسدة وكاسدة لا تقل عن خدمة الاجندة الاستعمارية وكأنهم وراث المخطط الاستعماري.
- الدرس الخامس: في ذلك اليوم وفي تلك الفترة التاريخية الحرجة تمكن الإمام المهدي وخليفته عليهما السلام من بعده من تأسيس دولة مستقلة موحدة واسعة في قلب أفريقيا، عرفها العالم واعترف بها اسمها السودان، وأصبح يوم تحرير الخرطوم يومًا وطنيًا يحتفل به السودانيون كل عام، تخليدًا لذكرى أبطالهم، وظل يوم 26 يناير 1885م يومًا فارقًا في تاريخ السودان، حيث تجسدت فيه أسمى معاني البطولة والتضحية والفداء، ولأن قصة تحرير الخرطوم هي مصدر إلهام للأجيال القادمة، فهي تذكير لنا بأهمية الحفاظ على مكتسبات الثورة، ولأن معركة تحرير الخرطوم لم تك حدثًا محليًا بحتًا، بل كان لها أبعاد دولية واسعة، وقد تسببت في توتر العلاقات بين بريطانيا وفرنسا، حيث كانت فرنسا تسعى للتوسع في إفريقيا، كما أثرت هذه المعركة على السياسة البريطانية في المنطقة، ودفعتها إلى إعادة النظر في سياساتها الاستعمارية، ما يحدث في السودان اليوم تأثيراته تتعدى تأثيرات تلك المرحلة على العالم والمحيط الإقليمي والدولي، واجبنا إدراك ذلك وتداركه بالحكمة والعقل لا الانفعال والقتل، وقطع الطريق أمام محاولات استمرار تدمير البلاد وتمزيق وحدتها وتقسيم شعبها وأرضها.
- الدرس السادس: تقدم السودانيون يومها في تلاحم جسد وحدة كيانهم المتنوع بقبائله وشيوخه وقادته وشعرائه ونسائه، وكانت معركة الخرطوم لقاع التكوين الحقيقي للسودان الجامع الذي ضم من كسروا المربع الانجليزي مع الأمير عثمان دقنة شرقا، والأمراء حمدان أبو عنجة، وأبو قرجة، وود النجومي، وسوار الدهب، والشيخ العبيد ود بدر، وغيرهم ممن أحكموا الحصار على الخرطوم متوحدين خلف راية واحدة بعيدة عن الجهة والقبيلة والاثنية، لم تدخل بينهم داخلة العنصرية وخطابات الكراهية ونزعات الانتقام الذاتية، وبتلك الوحدة دكوا الحصون الحصينة للخرطوم التي تترس خلفها غردون وجنده.
الدرس السابع: كان قائد الثورة وملهمها يومئذ في ريعان شبابه، وقاد التحرير ومن خلفه جحافل الشباب فكما توحدوا في الماضي معه لمواجهة الاستعمار، يجب أن نتحد اليوم لمواجهة التحديات التي تواجه بلدنا، وأن نضع مصلحة الوطن، وعلى الشباب أن يتعلموا من أجدادهم الذين ضحوا بحياتهم من أجل الوطن، وأن يكونوا مستعدين للتضحية من أجل مستقبل أفضل للسودان، ولأن معركة تحرير الخرطوم كانت طويلة وشاقة، ولكن الصبر والثبات قادا إلى النصر، علينا أن نتحلى بالصبر والثبات في مواجهة التحديات التي تواجهنا اليوم، وكما اعتمد السودانيون يومها على أنفسهم في تحرير وطنهم، ويجب علينا اليوم أن نعتمد على قدراتنا ومواردنا لبناء مستقبل أفضل ولا نركن لإرادة أو هيمنة خارجية تتحكم في قرارنا وتحاول تحديد مصيرنا، وتسعى جاهدة لامتطاء ظهورنا عبر (المستخدمين) من أدوات الحرب في السودان.
● ختامًا: إن ذكرى تحرير الخرطوم ليست مجرد يوم للاحتفال، بل هي مناسبة للتأمل في تلك الملاحم، والتجويد للحاضر الملائم، والتجديد للعهد الباقي مع الآباء، وإنها تذكير لنا بأننا شعب عظيم يحاول البعض احتقارنا أو تحقيرنا، وأننا أمة قادرة على تحقيق كل ما يصبو إليه، فكما كسر آباؤنا كبرياء المستعمر، ودحروا جحافله، علينا أن نستلهم من أجدادنا العزيمة والإصرار، وأن نعمل جاهدين لبناء سودان قوي ومزدهر، فنحن من تلك العترات الطاهرة، ونحن من دحرنا الطاغية الذي يحاول جنده إعادته وتنظيمه وحزبه للتحكم في رقابنا، فيا شباب السودان، أنتم ورثة الأبطال، حملة لواء العزة والعزم والتحرير، أمامكم تحديات جسام، فمشروع التفتيت لثورتكم قائم ويعمل عملاؤه على قدم وساق، وخطوات استئصال روحكم الثورية من السودان والمنطقة العربية تعكف على قتلها أجهزة دول وأنظمة، ومواردكم وإمكانياتكم يحاول لصوص في الداخل والخارج تسخيرها لغيركم عقودا وقرونا قادمة، ولكنكم قادرون على هدم كل تلك المتاريس ونسف جميع تلك العقبات وتخطيها، فاستلهموا من أجدادكم العزيمة والإصرار، واعملوا جاهدين لبناء سودان قوي موحد ومتحد. إنكم قادرون على تحقيق المستحيل، فكونوا على قدر المسؤولية واستجيبوا لندائه ﷻ: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوۤا۟ إِلَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِیَاۤءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود ١١٣].
من البقعة في:
٢٥ رجب ١٤٤٦ه
٢٥ يناير ٢٠٢٥م