الجمعة، 31 أكتوبر 2025

`السودان بين الوصاية الاقتصادية ومبدأ السيادة الجديدة`

`السودان بين الوصاية الاقتصادية ومبدأ السيادة الجديدة`

`ردّ على أطروحة أماني الطويل`

عروة الصادق

https://www.facebook.com/share/p/17NmVhu3nr/
● في مقالتها الأخيرة بعنوان «كيف تعيد واشنطن هندسة معادلة السلطة في الخرطوم؟» قدّمت الباحثة المصرية أماني الطويل، مديرة مركز الأهرام للدراسات السياسية، قراءة تبدو في ظاهرها تحليلًا أكاديميًا محايدًا، لكنها في جوهرها تعبيرٌ مكثّف عن رؤية المدرسة الأمنية المصرية تجاه السودان: رؤيةٌ ترى في بلادنا ساحة نفوذٍ ينبغي ضبطها، لا دولةً ذات إرادة مستقلة يمكن أن تكون شريكًا نِدّيًا في الإقليم.

- إنها مقالة مكتوبة بمداد “التحليل”، لكنّ سطورها تنطق بلغة “الوصاية”، وتؤسس لسياسةٍ تستبطن إعادة إنتاج السيطرة على السودان من بوابة الاقتصاد بعد أن عجزت عن الإمساك به من بوابة السياسة.
- تجلى في المقالة ما يمكن تسميته اقتصاد الوصاية ... لا اقتصاد الشراكة إذ تسعى أماني الطويل إلى إقناع القارئ بأن جوهر الأزمة السودانية ليس صراعًا على السلطة أو الثورة ولكن على الموارد وأن إعادة هندسة السودان يجب أن تتم عبر إخضاع ثرواته لشركات دولية «تضمن المصالح الأميركية» وتعيد توزيع النفوذ الاقتصادي قبل السياسي، إلا أن هذا الخطاب الذي يبدو تقنيًا للوهلة الأولى، يخفي في عمقه دعوة إلى خصخصة السيادة الوطنية، وتحويل السودان إلى مختبرٍ لإدارة الموارد بواسطة وكلاء الخارج.

- إن تحويل موارد السودان إلى ملفّ دولي بإشراف قوى خارجية — مهما كانت النوايا المعلنة — يعني عمليًا إلغاء الدولة الوطنية واستبدالها بهيئة إدارة اقتصادية متعددة الجنسيات، فما يُقدَّم بوصفه “حلًّا تنمويًا” ليس سوى صياغة جديدة لـ اقتصاد الوصاية، الذي يمنح الدول الكبرى — ومعها بعض الجيران الطامحين — حقّ تقرير مصير الموارد دون المرور عبر الإرادة الوطنية للسودانيين.

- هذه القراءة المصرية المضمرة تنحصر بين الأمن والهيمنة، وحين تتحدث أماني الطويل عن “إعادة هندسة الدولة السودانية من بوابة الاقتصاد”، فإنها في الحقيقة تنقل مركز القرار من الخرطوم إلى القاهرة وواشنطن. فمصر التي تعاني من أزماتها الاقتصادية الداخلية تبحث منذ سنوات عن امتداد جيو–اقتصادي في الجنوب يضمن لها الغذاء والمياه والطاقة، والحديث عن “آلية مراقبة مشتركة” للموارد السودانية ليس إلا تمهيدًا لمشروع هيمنة ناعمة جديدة، يُدار فيها السودان بوسائل “التعاون الفني” بدل الاحتلال المباشر، إن هذا الخطاب يعيد إنتاج العقل الاستعماري الإمبراطوري القديم في ثوبٍ تنموي حديث، ويُخفي خلف لغته الهادئة أطماعًا تتصل بمرافئ البحر الأحمر ومناجم الذهب ومشروعات الزراعة المروية وممرات التجارة عبر بورتسودان، لذلك هذه ليست مقاربة بحثية وإنما استراتيجية إعادة تموضع مصري تحتمي بلغة الاقتصاد الدولي لتستعيد نفوذها المفقود في وادي النيل.

- الخلط المقصود بين الإصلاح الاقتصادي والتحول السياسي والذي يتجلى في تُصوّر الطويل أن الحل في السودان يبدأ بإصلاح الاقتصاد لا بتسوية سياسية. وهذه رؤية تُجرّد الأزمة من بعدها الإنساني والوطني، وتُعيد تعريفها باعتبارها خللًا في إدارة الموارد لا في بنية الحكم والعدالة.

- لكنّ التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى ثورة ديسمبر، أثبتت أن الاقتصاد تابع للسياسة لا العكس، وأن غياب الحكم الرشيد هو أصل الداء، إذ لا يمكن تفكيك “اقتصاد الحرب” دون تفكيك منظومته السياسية والعسكرية التي صنعته، ولا يمكن بناء “حكومة تكنوقراط” قبل ترسيخ شرعيةٍ مدنيةٍ تُعبّر عن الإرادة الشعبية، فمن الخطأ الفادح اختزال الأزمة في حسابات التوزيع المالي، بينما الجرح الحقيقي في غياب العقد الاجتماعي الذي يضمن العدالة والمواطنة والمساءلة.

- إني ممن يرون أن الاقتصاد ليس بوابة للوصاية ولكنه مِعيار للسيادة ويحتاج السودان إلى شفافية اقتصادية حقيقية، لكن بإرادة سودانية لا بوصاية أجنبية، وإن مراقبة الموارد أمر مطلوب، ولكنّ من يراقب يجب أن يكون الشعب نفسه عبر مؤسساته الرقابية المنتخبة، لا خبراء دوليين مرتهنين لتوازنات الممولين، والاقتصاد ليس أداة تأديبٍ سياسي، ولا يمكن بناء السلام عبر عصا مالية دولية تضرب طرفًا وتُكافئ آخر.

- عزيزتي الطويل: إن السلام الحقيقي لا يزرع في حقول الذهب، وإنما في حقول العدالة؛ والعدالة لا تُفرض بالمنح والقروض بل بالكرامة والسيادة، وما تحتاجه بلادنا ليس “هندسة أميركية” ولا “وصاية مصرية” ولكن صفقة سودانية مع الذات، تُعيد تعريف معنى الدولة بوصفها ملكًا لشعبٍ حرّ، لا لجهةٍ مانحةٍ أو حليفةٍ متنفذة.

- إنّ السودان اليوم أمام فرصة تاريخية ليصوغ مفهومًا جديدًا للسيادة لا يقوم على الانغلاق ولا على الارتهان، ولكن على الاستقلال المتفاعل؛ فسيادةٌ تدرك أن التعاون الإقليمي ممكن دون تبعية، وأن الشفافية الاقتصادية لا تعني تسليم مفاتيح الثروة للأجنبي، وأن الإصلاح لا يبدأ من المانحين بل من الداخل.

- لذلك على مصر — ومن خلفها واشنطن — أن تفهم أن السودان ليس منطقة فراغ استراتيجي بل فضاء سيادي له ذاكرة ومشروع، وأن زمن الوصاية قد انتهى، أما من يظن أن هندسة السودان ممكنة من الخارج فقد نسي أن هذه البلاد صاغت وعيها في وجه الطغيان مرتين: مرة حين أسقطت المستعمر، ومرة حين أسقطت المستبد، وسوف تُسقط أيضًا كلّ من يحاول إعادة إنتاج عبودية جديدة باسم التنمية أو الشراكة الاقتصادية.

● ختامًا: إن مقالة أماني الطويل مع حفظ ألقابها، بما تحمله من نَفَسٍ استخباريٍّ أكثر منه بحثيٍّ، تكشف المأزق الحقيقي للعقل الرسمي المصري: أنه ما زال يتعامل مع السودان باعتباره “ملفًا أمنيا” لا “دولة”، ومع شعبه كمُتغيّر في معادلات الأمن لا كشريك في صناعة المستقبل، لكنّ السودان، الذي وُلد من رحم الثورة، قادرٌ على أن يكتب نسخته الخاصة من المستقبل — دولةٌ مدنية ديمقراطية ذات سيادة كاملة واقتصاد وطني مستقلّ وشراكات ندّية تُبنى على المصالح المتبادلة لا على الوصاية المقنّعة، فمن أراد أن يتحدث عن “هندسة السلطة في الخرطوم”، فليعلم أن الخرطوم لا تُدار بالهندسة، وإنما تُبنى بالإرادة، والإرادة السودانية لا تُستورد، ولا تُستأجر، ولا تُدار عن بُعد.

 

أدناه الرابط إلى مقال أماني
أماني الطويل | اندبندنت عربية
أماني الطويل | اندبندنت عربية https://www.independentarabia.com/articles-author/%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D9%8A%D9%84

السبت، 25 أكتوبر 2025

رحيل الناظر عبد القادر منعم منصور ... غياب ري الحكمة في زمنٍ يصدى إليها الوطن

بسم الله الرحمن الرحيم 
رحيل الناظر عبد القادر منعم منصور ... غياب ري الحكمة في زمنٍ يصدى إليها الوطن
بقلم: عروة الصادق
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥م 
يوم ليس ككل الأيام وليل من أحلك الليالي وصباح كئيب من صباحات السودان الجريحة، ترجّل فارسٌ من فرسان الحكمة، وغاب صوتٌ من أصوات الرشد التي طالما أطفأت نيران الفتنة بكلمة، وجمعت شتات القلوب بنظرةٍ من عينٍ بصيرة. رحل الناظر عبد القادر منعم منصور، ناظر عموم دار حَمَر وأمير من أمراء السودان، بعد عمرٍ مفعم بالعطاء والإصلاح. وبرحيله ترك وراءه فراغًا مهيبًا لا تملؤه الكلمات، ولا تسدّه المقامات، في وقتٍ أحوج ما يكون فيه الوطن إلى صوت العقل وحكمة الشيوخ.
الناظر الراحل عبد القادر منعم منصور كان رمزًا للحكمة والاعتدال، وظلّ ثابتًا في أرضه وبين أهله حتى فارق الحياة تاركًا إرثًا من القيم والتجارب.
رجلٌ بحجم الوطن
في زمن صديء وصادٍ وصديّ لم يكن الراحل مجرد ناظرٍ في حدود قبيلة أو دارٍ بعينها، وإنما كان – بحقّ – رمزًا وطنيًا جامعًا بحجم الوطن بأسره، جسّد صورة القائد الأهلي الذي تجاوز حدود العصبية الضيقة؛ فكانت داره في النهود والتي يُطلق عليها «فروة النمر» مفتوحةً للجميع دون تمييز. تربّع على نظارة دار حَمَر عام 1985م خلفًا لشقيقه الأمير منصور منعم منصور، الذي ورث النظارة بدوره عن والدهم منعم منصور منذ عام 1926م – أي أن الراحل حمل راية تقليدية عمرها يقارب القرن، مضيفًا إليها حكمته الخاصة. وطوال أربعة عقود من توليه المنصب، لم يكن حاضرًا فقط في شأن قبيلته الضيّق، ولكنه انغمس في الشأن الوطني. لقد مثّل الناظر عبد القادر القيادة الأهلية في أبهى صورها: زعيمٌ شعبيٌّ يجمع بين الإرث والتجديد، وبين الحكمة والشجاعة، يوظّف الأعراف الراسخة لخدمة السلم الاجتماعي وترسيخ الاعتدال. وكان اسمه قرينًا بالسلم الأهلي وبالصلح بين الناس وبالوسطية في القول والموقف، حتى اختير بين أقرانه بلقب “أمير الأمراء” تكريمًا لحكمته ورجاحة رأيه.

الإدارة الأهلية كحكمةٍ سودانية خالدة
جاء عبد القادر منعم منصور إلى سدة القيادة في حقبةٍ كانت فيها الإدارة الأهلية تُحاصر بتحديات العصرنة ومركزية الدولة التي قللت من دورها. لكنه لم يرفع الراية البيضاء، فقد أعاد إلى الإدارة الأهلية بهاءها القديم ودورها الفاعل. وكان يؤمن بأن الإدارة الأهلية ليست مجرد «سلطة قبلية» جامدة، وإنما هي منظومة حكمٍ شعبيٍّ راشد، قاعدتها الأعراف والتقاليد المجتمعية التي صاغتها التجربة السودانية عبر القرون. لقد فهم أن هذه الإدارة تمثّل حكمةً خالدةً متوارثة، وصمّام أمانٍ اجتماعي يكمل مؤسسات الدولة ولا ينافسها. لذا حينما تهاوت مؤسسات الدولة في المحنة الأخيرة، ثبت هو وغيره من حكماء الإدارة الأهلية في مواقعهم كالطود الشامخ. ظلّ الناظر عبد القادر في مدينته النهود رغم المخاطر، رافضًا مغادرة داره حتى مع اشتداد القصف وانفلات الأمن من حوله. وكان يردد عبارته التي ستظل تُروى كوصية للأجيال: «أموت في بيتي ومع أهلي».
لم تكن هذه مجرد عبارة معبرة عابرة، إلا أنها كانت موقفًا فلسفيًا راسخًا في الوطنية والكرامة. بهذا الموقف، وقراره البقاء مع أهله حتى الموت، وازى كبار زعماء التاريخ الذين آثروا الموت بين الناس على النجاة بالفرار أو المنفى. وما أشبه موقفه بموقف غيره من زعماء الإدارة الأهلية في أقاليم السودان الأخرى: في شمال كردفان، رفض الناظر سليمان جابر جمعة سهل (ناظر قبيلة المجانين في المزروب) أن ينحاز لأي طرف في الحرب، وجعل من بلدته المزروب واحة سلام خالية من العنف، يديرها العقلاء من أهلها؛ وبقي فيها حتى لقي حتفه مع عشرات من زعماء قبيلته في قصف غادر استهدف اجتماعًا أهليًا كانوا يعقدونه لإصلاح ذات البين واحتواء التوترات. وفي غرب دارفور، سجل التاريخ موقفًا مشابهًا حين اغتيل سلطان دار مساليت سعد عبد الرحمن بحر الدين بعد أن رفض مغادرة الحي الذي كان يدافع عنه، وترك جثمانه في العراء أيامًا خلال الفوضى. مثل هذه المواقف البطولية أكدت أن حكماء السودان ظلوا يتقدمون الصفوف وقت المحن، يواجهون الخطر بثباتٍ منقطع النظير، واضعين أرواحهم على أكفهم من أجل حماية مجتمعاتهم والحفاظ على ما تبقى من كرامة الوطن.
رمزُ السلمِ والتنوع
في عهد الناظر عبد القادر منعم منصور، لم تُعرف دار حَمَر بالحروب أو الثأر، ولكنها عُرفت بالصلح والتعايش. كان الراحل شعلة سلام كلما أوشكت نارُ نزاعٍ قبلي أن تندلع؛ يطفئها بذكاءٍ فطريٍّ ونزاهةٍ نادرة. امتدت سمعته وصيته إلى ما هو أبعد من حدود قبيلته، فكان يُستشار في قضايا النزاعات بأقصى الغرب كما في أقصى الشرق والشمال. كم من خصومةٍ عصية لانَت كلماتُه عقدتها، وكم من صراعٍ كاد يستفحل أطفأته حكمتُه قبل أن يستعر. لم يكن يملك جيشًا ولا سلاحًا؛ لكن كلمته كانت سلاحًا وهيبته كانت جيشًا، وسمعته بين الناس كانت ضمانًا لأي عهدٍ يُكتب أو ميثاقٍ يُعقد. لقد وحّد بين مكونات مجتمعه المختلفة، وصار رمزًا للتنوع والتآخي بين القبائل. في حضرته تلاشت فوارق الانتماءات الضيقة، وسمت راية الوحدة الاجتماعية. كيف لا وهو الذي قال فيه أحد كبار زعماء السودان يومًا: “عبد القادر منعم منصور رجلٌ أمّة في رجل”. لقد كان أمةً في رجل حقًا، حيث اجتمعت فيه خصالُ الزعيم العادل، والكريم المضياف، والحكيم المتبصّر بأحوال زمانه.
كردفان تفقد ركائزها
خلال بضعة أشهرٍ فقط، فُجعت كردفان الكبرى بفقدان ثلاثة من كبار نُظارها وحكمائها واحدًا تلو الآخر: رحل الناظر عبد المنعم موسى الشوين في الفولة (ناظر قبيلة المسيرية الفلايتة)، ثم لحقه الناظر سليمان جابر جمعة سهل في المزروب (ناظر قبيلة المجانين)، واختتمت الفاجعة برحيل الناظر عبد القادر منعم منصور في النهود. إنها ليست مجرد وفياتٍ متفرقة حدثت مصادفةً، بل هي انطفاء أعمدةٍ من الحكمة والاتزان في إقليمٍ عُرف تاريخيًا بالاعتدال والتوازن. وسط وطنٍ تتقاذفه أمواج الحرب والانقسام، يغيب عن المشهد رجالٌ كان وجودهم بمثابة ميزان العقل والرشد. لقد غابت الأصوات التي كانت تزن الكلمة بميزان الوطن، وتضع مصلحة الناس فوق نزق الساسة وطيش البنادق. وما يزيد من مرارة الفقد أن هذه الشخصيات رحلت في خضم أزمةٍ وطنية حادة، وبعضها رحل مقتولًا بقصف جوي غادر وجائر في ميادين الصلح كما حدث في مجزرة المزروب، أو حال المرض دون علاجه بسبب الحصار والعنف كما حدث للناظر عبد القادر نفسه. إن انطفاء هذه القناديل الثلاثة في كردفان خلال فترة وجيزة هو جرس إنذار مدوٍّ للسودان كله؛ فحين يرحل الحكماء ولا يخلفهم أحد، ستعمّ العتمة مهما أشرقت شموسٌ أخرى. ولا ننسى أن أركانًا أخرى من القيادة الأهلية رحلت في بقاع السودان المختلفة خلال هذه الحرب، تاركةً فراغاتٍ موحشة في دارفور وشرق البلاد وغيرها. إن ما يحدث هو استنزاف لرصيد السودان من العقلاء والحكماء الذين كان حضورهم يخفف من وطأة الأزمات.
الدرس الأخير: حين يموتُ الحكماء، تتكلمُ الفتنة
برحيل الناظر عبد القادر ومن سبقه من رجال الحكمة، يُطرح سؤالٌ وجوديّ أمام السودان: من يسدّ الفراغ حين يسكت الحكماء؟ لقد كانت الإدارة الأهلية ورجالاتها بمثابة صمّام الأمان الاجتماعي والأخلاقي في بلادنا، وحين تتهاوى مقاعدها واحدًا تلو الآخر، تنفلت العصبيات من عقالها، ويعلو ضجيج التطرف على صوت الاعتدال. أليست الفتنة هي ابنة غياب الحكمة؟ نعم، فعندما يغيب صوت العقل الرشيد، يعلو صخب الجهل والتعصب. وحين يغيب رجلٌ كعبد القادر منعم منصور كان آخر من يُطفئ النار قبل اشتعالها، سنرى النيران تندلع بلا حسيبٍ أو رقيب. في هذا المنعطف الوطني الحرج، يدرك السودانيون الآن – وربما متأخرين – قيمة أولئك النفر من الرجال الذين كانوا يجوبون البلاد شرقًا وغربًا للصلح والإصلاح. كانوا يطوفون كالملائكة يطفئون الحرائق الصغيرة قبل أن تتحول إلى حرائق كبرى. أما اليوم، فمع غيابهم، يخشى السودانيون أن تجد نيران الفتنة من يؤججها بلا وجود من يُسكتها. إن السودان في لحظته الراهنة أحوج ما يكون إلى رجالٍ من طينة عبد القادر منعم منصور وإخوانه الراحلين: رجالٍ لا يطلبون سلطةً ولا جاهًا، ولا يسعون لشهرة أو مكسب شخصي، بل يحملون همَّ الوطن في صدورهم ويعيشون له ويموتون من أجله، لا عليه.
وصيةُ الراحل
ما تركه الناظر الراحل ليس مالًا ولا جاهًا دنيويًا زائلًا، ولكنه ترك إرثًا من القيم والمواقف سيظل نبراسًا لمن بعده. ترك إرث العدل الذي تجلى في أحكامه بين الناس بلا محاباة، وإرث الصلح الذي أنقذ به أرواحًا وحقن دماءً لا تحصى، وإرث الكرم الذي شهدته داره العامرة وهي تقاسم القليل مع المحتاج، وإرث التعايش وقبول الآخر الذي عاشه منهجًا وسلوكًا. هذه القيم هي الوصية الحقيقية التي خلّفها الناظر عبد القادر منعم منصور لأبنائه ولأبناء السودان كافة. وعلى أبنائه وورثته من بعده، وعلى أهل دار حَمَر قاطبةً، أن يجعلوا من رحيله لحظةً للتماسك لا للتفرق؛ لحظةً لتجديد العهد مع الأرض والناس والوطن، لا مجرّد مناسبة للحزن والبكاء. إن أعظم وفاء لذكرى الراحل يكون باتخاذ قيمه منهاجًا عمليًا: أن يواصلوا مسيرة الصلح والسلم الأهلي التي كان رائدها، وأن يحفظوا دار حمر وسودانهم الكبير كما حفظه هو، وأن يضعوا مصلحة الجماعة فوق نزوات الذات كما علّمهم هو بحياته وسيرته.
استراتيجيات ملء الفراغ
رحيل قيادات الإدارة الأهلية المخضرمة يفرض على أهل السودان وقادته واجبًا ملحًّا لسد ذلك الفراغ وضمان استمرار دور الحكمة الشعبية في لمِّ الشمل. فيما يلي بعض الاستراتيجيات المقترحة لملء فراغ هذه القيادات:
تمكين القيادات الشابة الواعدة: من رحم كل قبيلة ودار، هناك شخصيات شابة ناضجة ترعرعت وهي ترى أولئك الحكماء في أدوارهم. يجب التعرف على هذه المواهب القيادية مبكرًا، ومنحها الفرصة للاضطلاع بمسؤوليات أكبر تحت إشراف من تبقى من الشيوخ. ينبغي إنشاء برامج تدريب محلية لصقل مهارات الوساطة وحل النزاعات لدى الشباب، حتى يحملوا شعلة الحكماء الراحلين.


توثيق تراث الحكماء ونشره: على المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني أن تسعى لجمع وتوثيق تجارب أمثال الناظر عبد القادر منعم منصور وزملائه. يمكن جمع قصص النجاح في المصالحات القبلية، والأعراف التي اعتمدوها لحل المشكلات، وتدوينها في كتيّبات وأفلام وثائقية. سيساعد ذلك في نقل المعرفة المتراكمة إلى الأجيال القادمة وفي تعليم فن الإدارة الأهلية كجزء أصيل من ثقافة السودان السياسية والاجتماعية.


دعم دور الإدارة الأهلية رسميًا: على الرغم من الظروف الصعبة، ينبغي للسلطات – سواء حاليّة أو مستقبلية – إدراك أهمية الإدارة الأهلية كشريك في إدارة المجتمعات المحلية. يمكن سنّ تشريعات أو لوائح تعزز من دور مجالس الحكماء على مستوى القرى والولايات، وتكفل مشاركتهم في لجان السلم الاجتماعي وإعادة الإعمار بعد الحرب. إن الدعم الرسمي (المعنوي والمادي) لجهود الزعماء الأهليين في فضّ النزاعات سيعطي دفعة للاستقرار، خاصة في المناطق التي تفتقر حاليًا لسلطة دولة فاعلة.


إعلاء قيم الوحدة ونبذ العصبية: ملء الفراغ لن يكون فقط بتعيين شخص مكان آخر، بل الأهم هو ملء فراغ القيم والمبادئ. على قادة الرأي والمجتمع – من معلمين وخطباء وإعلاميين – نشر رسالة مفادها أن طريق الحكماء الراحلين هو الذي ينبغي أن نسلكه: طريق الوحدة والتسامح. يمكن إطلاق مبادرات للمصالحة المجتمعية تحمل أسماء أولئك الراحلين تكريمًا لهم (مثل مبادرة منصور للصلح الأهلي أو منتدى الشوين للحكمة الشعبية) بهدف جمع القبائل والمكونات في حوار منتظم لتعزيز النسيج الاجتماعي.


تحصين المجتمعات من الفتن: الفراغ الذي يتركه الحكماء قد تحاول ملؤه أصوات الفتنة والتطرف. لذا، على المجتمعات المحلية تشكيل لجان أهلية للمتابعة والرصد المبكر لأي بوادر فتنة أو نزاع، والتحرك سريعًا لإخمادها عبر العرف والتقاليد المجرّبة. ويمكن لهكذا لجان أن تسترشد بوصايا وتجارب الزعماء الراحلين، بل وتستعين بهم كرموز ملهمة لتهدئة النفوس (على سبيل المثال: “كان الناظر فلان سيقول لنا افعلوا كذا”). إشاعة هذا النوع من التفكير الجماعي واستدعاء حكمة الراحلين عند كل منعطف متوتر سيجعل وجودهم الرمزي مستمرًا حتى بعد رحيلهم.


هذه الاستراتيجيات وغيرها كثير، لا بد أن تصاغ وتُناقش على مستوى الوطن ككل. فرحيل كوكبة الحكماء هذه جرس إنذار بضرورة الانتقال من الاتكال على أشخاص بعينهم – مهما كانوا عظماء – إلى بناء مؤسسات وآليات جماعية تستلهم نفس قيمهم لضمان استدامة السلم الأهلي.
ختامًا: رحم الله الناظر عبد القادر منعم منصور، الذي عاش أميرًا بين أهله ومات مكرَّمًا عزيزًا في أرضه، ثابتًا كالجبال التي تطوّق مدينة النهود. رحل الرجل الذي كان آخر من يُطفئ النار قبل أن تشتعل، وأول من يُصلح قبل أن يتصدّع البنيان. رحل صوتُ الحكمة في زمنٍ علا فيه الصخب، وغابت شجرةُ الظلّ في صحراءٍ تزداد عطشًا إلى أمثالها.
«إنا لله وإنا إليه راجعون»
وإنا – والحق يُقال – إلى فراغه أيضًا راجعون؛ نبحث عن حكمته فلا نجدها، وعن صوته فلا نسمع إلا الصمت. لكنه صمتٌ يحمل في طياته رسالةً ونداء: أن كونوا على ما كان عليه الراحل من حكمةٍ وبصيرة، وأن اجعلوا ذكراه وقودًا لمزيدٍ من العمل من أجل وطنٍ تسوده قيم العدل والتعايش والسلام. غياب الحكيم نبَّه الجميع إلى قيمة الحكمة، ولعلّ في ذلك الدرس الأخير بوادر أملٍ أن ينهض جيلٌ جديدٌ يسد الفراغ ويكمل المسيرة على هدي من سبقوه.