`ردّ على أطروحة أماني الطويل`
عروة الصادق
https://www.facebook.com/share/p/17NmVhu3nr/
● في مقالتها الأخيرة بعنوان «كيف تعيد واشنطن هندسة معادلة السلطة في الخرطوم؟» قدّمت الباحثة المصرية أماني الطويل، مديرة مركز الأهرام للدراسات السياسية، قراءة تبدو في ظاهرها تحليلًا أكاديميًا محايدًا، لكنها في جوهرها تعبيرٌ مكثّف عن رؤية المدرسة الأمنية المصرية تجاه السودان: رؤيةٌ ترى في بلادنا ساحة نفوذٍ ينبغي ضبطها، لا دولةً ذات إرادة مستقلة يمكن أن تكون شريكًا نِدّيًا في الإقليم.
- إنها مقالة مكتوبة بمداد “التحليل”، لكنّ سطورها تنطق بلغة “الوصاية”، وتؤسس لسياسةٍ تستبطن إعادة إنتاج السيطرة على السودان من بوابة الاقتصاد بعد أن عجزت عن الإمساك به من بوابة السياسة.
- تجلى في المقالة ما يمكن تسميته اقتصاد الوصاية ... لا اقتصاد الشراكة إذ تسعى أماني الطويل إلى إقناع القارئ بأن جوهر الأزمة السودانية ليس صراعًا على السلطة أو الثورة ولكن على الموارد وأن إعادة هندسة السودان يجب أن تتم عبر إخضاع ثرواته لشركات دولية «تضمن المصالح الأميركية» وتعيد توزيع النفوذ الاقتصادي قبل السياسي، إلا أن هذا الخطاب الذي يبدو تقنيًا للوهلة الأولى، يخفي في عمقه دعوة إلى خصخصة السيادة الوطنية، وتحويل السودان إلى مختبرٍ لإدارة الموارد بواسطة وكلاء الخارج.
- إن تحويل موارد السودان إلى ملفّ دولي بإشراف قوى خارجية — مهما كانت النوايا المعلنة — يعني عمليًا إلغاء الدولة الوطنية واستبدالها بهيئة إدارة اقتصادية متعددة الجنسيات، فما يُقدَّم بوصفه “حلًّا تنمويًا” ليس سوى صياغة جديدة لـ اقتصاد الوصاية، الذي يمنح الدول الكبرى — ومعها بعض الجيران الطامحين — حقّ تقرير مصير الموارد دون المرور عبر الإرادة الوطنية للسودانيين.
- هذه القراءة المصرية المضمرة تنحصر بين الأمن والهيمنة، وحين تتحدث أماني الطويل عن “إعادة هندسة الدولة السودانية من بوابة الاقتصاد”، فإنها في الحقيقة تنقل مركز القرار من الخرطوم إلى القاهرة وواشنطن. فمصر التي تعاني من أزماتها الاقتصادية الداخلية تبحث منذ سنوات عن امتداد جيو–اقتصادي في الجنوب يضمن لها الغذاء والمياه والطاقة، والحديث عن “آلية مراقبة مشتركة” للموارد السودانية ليس إلا تمهيدًا لمشروع هيمنة ناعمة جديدة، يُدار فيها السودان بوسائل “التعاون الفني” بدل الاحتلال المباشر، إن هذا الخطاب يعيد إنتاج العقل الاستعماري الإمبراطوري القديم في ثوبٍ تنموي حديث، ويُخفي خلف لغته الهادئة أطماعًا تتصل بمرافئ البحر الأحمر ومناجم الذهب ومشروعات الزراعة المروية وممرات التجارة عبر بورتسودان، لذلك هذه ليست مقاربة بحثية وإنما استراتيجية إعادة تموضع مصري تحتمي بلغة الاقتصاد الدولي لتستعيد نفوذها المفقود في وادي النيل.
- الخلط المقصود بين الإصلاح الاقتصادي والتحول السياسي والذي يتجلى في تُصوّر الطويل أن الحل في السودان يبدأ بإصلاح الاقتصاد لا بتسوية سياسية. وهذه رؤية تُجرّد الأزمة من بعدها الإنساني والوطني، وتُعيد تعريفها باعتبارها خللًا في إدارة الموارد لا في بنية الحكم والعدالة.
- لكنّ التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى ثورة ديسمبر، أثبتت أن الاقتصاد تابع للسياسة لا العكس، وأن غياب الحكم الرشيد هو أصل الداء، إذ لا يمكن تفكيك “اقتصاد الحرب” دون تفكيك منظومته السياسية والعسكرية التي صنعته، ولا يمكن بناء “حكومة تكنوقراط” قبل ترسيخ شرعيةٍ مدنيةٍ تُعبّر عن الإرادة الشعبية، فمن الخطأ الفادح اختزال الأزمة في حسابات التوزيع المالي، بينما الجرح الحقيقي في غياب العقد الاجتماعي الذي يضمن العدالة والمواطنة والمساءلة.
- إني ممن يرون أن الاقتصاد ليس بوابة للوصاية ولكنه مِعيار للسيادة ويحتاج السودان إلى شفافية اقتصادية حقيقية، لكن بإرادة سودانية لا بوصاية أجنبية، وإن مراقبة الموارد أمر مطلوب، ولكنّ من يراقب يجب أن يكون الشعب نفسه عبر مؤسساته الرقابية المنتخبة، لا خبراء دوليين مرتهنين لتوازنات الممولين، والاقتصاد ليس أداة تأديبٍ سياسي، ولا يمكن بناء السلام عبر عصا مالية دولية تضرب طرفًا وتُكافئ آخر.
- عزيزتي الطويل: إن السلام الحقيقي لا يزرع في حقول الذهب، وإنما في حقول العدالة؛ والعدالة لا تُفرض بالمنح والقروض بل بالكرامة والسيادة، وما تحتاجه بلادنا ليس “هندسة أميركية” ولا “وصاية مصرية” ولكن صفقة سودانية مع الذات، تُعيد تعريف معنى الدولة بوصفها ملكًا لشعبٍ حرّ، لا لجهةٍ مانحةٍ أو حليفةٍ متنفذة.
- إنّ السودان اليوم أمام فرصة تاريخية ليصوغ مفهومًا جديدًا للسيادة لا يقوم على الانغلاق ولا على الارتهان، ولكن على الاستقلال المتفاعل؛ فسيادةٌ تدرك أن التعاون الإقليمي ممكن دون تبعية، وأن الشفافية الاقتصادية لا تعني تسليم مفاتيح الثروة للأجنبي، وأن الإصلاح لا يبدأ من المانحين بل من الداخل.
- لذلك على مصر — ومن خلفها واشنطن — أن تفهم أن السودان ليس منطقة فراغ استراتيجي بل فضاء سيادي له ذاكرة ومشروع، وأن زمن الوصاية قد انتهى، أما من يظن أن هندسة السودان ممكنة من الخارج فقد نسي أن هذه البلاد صاغت وعيها في وجه الطغيان مرتين: مرة حين أسقطت المستعمر، ومرة حين أسقطت المستبد، وسوف تُسقط أيضًا كلّ من يحاول إعادة إنتاج عبودية جديدة باسم التنمية أو الشراكة الاقتصادية.
● ختامًا: إن مقالة أماني الطويل مع حفظ ألقابها، بما تحمله من نَفَسٍ استخباريٍّ أكثر منه بحثيٍّ، تكشف المأزق الحقيقي للعقل الرسمي المصري: أنه ما زال يتعامل مع السودان باعتباره “ملفًا أمنيا” لا “دولة”، ومع شعبه كمُتغيّر في معادلات الأمن لا كشريك في صناعة المستقبل، لكنّ السودان، الذي وُلد من رحم الثورة، قادرٌ على أن يكتب نسخته الخاصة من المستقبل — دولةٌ مدنية ديمقراطية ذات سيادة كاملة واقتصاد وطني مستقلّ وشراكات ندّية تُبنى على المصالح المتبادلة لا على الوصاية المقنّعة، فمن أراد أن يتحدث عن “هندسة السلطة في الخرطوم”، فليعلم أن الخرطوم لا تُدار بالهندسة، وإنما تُبنى بالإرادة، والإرادة السودانية لا تُستورد، ولا تُستأجر، ولا تُدار عن بُعد.
أدناه الرابط إلى مقال أماني
أماني الطويل | اندبندنت عربية