الأحد، 30 نوفمبر 2025

التحرّك الإريتري في السودان: بين عزلة أسياس وحسابات الرباعية ودور الرياض الحاسم

التحرّك الإريتري في السودان: بين عزلة أسياس وحسابات الرباعية ودور الرياض الحاسم


✍ عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لبورتسودان ليست مجرّد لفتة بروتوكولية لدعم حكومة الفريق عبد الفتاح البرهان؛ هي حلقة جديدة في شبكة معقّدة من الحسابات الإقليمية، والصراعات على البحر الأحمر، وإعادة تموضع نظام معزول يبحث عن منفذ نجاة في لحظة اهتزاز عميقة.

من يقرأ الخطوة كـ"زيارة مجاملة" يفوّت جوهر ما يجري؛ ومن يراها مجرد اصطفاف مع البرهان ضد الدعم السريع يغفل أن أسياس لا يرى السودان إلا من زاوية أمنه هو، وحدوده هو، وحساباته مع إثيوبيا والإمارات والفاعلين الجدد في البحر الأحمر.

● أولًا: أسياس … رئيس يتحرك كضابط مخابرات لا كقائد دولة؛ فالمعلومة الجوهرية اليوم أن أسياس صار يتحرك عمليًا مع دائرة ضيقة للغاية من ضباط المخابرات والحرس الرئاسي، بعيدًا عن مؤسسات دولته ووزاراته وأجهزته المدنية. هذا السلوك يكشف أمرين مهمّين:

1. طبيعة النظام في أسمرا: نحن أمام دولة تُدار كغرفة عمليات أمنية، لا كجهاز حكم حديث، والقرار يخرج من عقل واحد، عبر قنوات أمنية مغلقة، بلا نقاش مؤسسي ولا مراجعة سياسية.

2. طبيعة الانخراط في الملف السوداني: انخراط شخصي–أمني، لا رؤية دولة. بمعنى أن الذي يأتي لبورتسودان ليس "إريتريا الرسمية"، وإنما نظام أسياس بكل هواجسه وأحقاده وحساباته الصغيرة مع الجيران.

هذا النمط من الحركة يجعل أي تفاهم مع أسياس هشًّا بطبيعته؛ لأن قرار الدخول في المشهد السوداني، والخروج منه، والتصعيد أو التهدئة، مرتبط بمزاج رجل واحد، لا بمصالح متوافق عليها داخل مؤسسة حكم متوازنة.


● ثانيًا: ينطلق هذا التحرك من خاصرة البحر الأحمر إلى حساب مفتوح مع أبوظبي وأديس؛ إذ لا يمكن فهم زيارة بورتسودان دون وضعها في سياق شعور أسياس بأن أرضه الاستراتيجية استُخدمت ثم أُهملت، فالإمارات بنت سابقًا قاعدة عسكرية في ميناء عَصَب الإريتري لاستخدامها في حرب اليمن، ثم جرى تفكيكها مع إعادة ترتيب أوراق التحالفات في البحر الأحمر، بينما واصلت أبوظبي بناء شبكة قواعد وممرات في جزر يمنية واستراتيجية على خطوط الملاحة الدولية، من سقطرى إلى جزر أخرى في باب المندب، في إطار حضور عسكري–لوجستي واسع في البحر الأحمر وخليج عدن، وفي المقابل، تجد أسمرا نفسها اليوم أمام مشهد جديد:

أ. إثيوبيا التي سبق أن تحالفت معها ضد جبهة التيغراي تعود لتبحث عن ممرات بحرية وخيارات استراتيجية مستقلة عبر تفاهمات مباشرة مع السودان أو الصومال أو غيرهما.

ب. الإمارات تعيد تشكيل حضورها البحري من غير أن تعطي أسمرا نفس الوزن السابق، بعد أن استخدمت جغرافيتها في لحظة معينة ثم تجاوزتها.

هنا يتولد شعور مزدوج لدى أسياس: مرارة من التهميش، ورغبة في إثبات أن مفاتيح بعض ملفات البحر الأحمر لا تزال جزئيًا في يده. والسودان، في لحظته الراهنة، يبدو له ساحة مناسبة لإرسال هذه الرسائل:

1. رسالة إلى إثيوبيا: أنا قادر على الاقتراب من حدودك الغربية عبر بوابة السودان.

2. رسالة إلى الإمارات: تستطيعين دعم حلفائك في إثيوبيا أو أي طرف آخر، لكن لا تتجاهلي أن علاقتي بجغرافيا السودان قد تمنحني أوراق ضغط مقابلة.

● ثالثًا: تجسير أمني بين أسمرا وبورتسودان … وغياب كامل للقناة المدنية، فما يجري اليوم أن بعض ضباط المخابرات السودانيين يعملون بنشاط لتجسير العلاقة بين أسياس والبرهان؛ يقدمون أنفسهم بوصفهم "المستشارين الموثوقين" للرئيس الإريتري في الشأن السوداني، بل يروّج بعضهم صراحة أن أسياس لا يتحرك باتجاه السودان إلا بعد مشورتهم كـ "عبد العزيز دفع الله"، وهذه القناة – مهما بدت مفيدة للبعض تكتيكيًا – خطيرة استراتيجيًا لسببين:

1. تركيز التواصل على خط أمني–عسكري مغلق

العلاقة تُبنى اليوم بين:

أ. نظام أمني معزول في أسمرا،

ب. ومنظومة عسكرية–أمنية في بورتسودان تبحث عن سند إقليمي في مواجهة خصومها.

ج. لا وجود فعلي في هذه المعادلة لقوى الثورة، ولا للأحزاب المدنية، ولا للنقابات، ولا للفاعلين المجتمعيين الذين كانت لإريتريا معهم صفحات تعاون واحترام في مراحل سابقة.

2. فقدان أسياس لقنواته المدنية القديمة مع السودان، ففي فترات سابقة كانت هناك جسور بين أسياس وبعض القوى المدنية السودانية، من بينها حزب الأمة القومي في لحظات محددة من التاريخ، قبل أن تتعرض تلك الجسور للاهتراء بسبب ممارسات انشقاقات سياسية سودانية فتحت قنوات مع أطراف معادية لإريتريا، ومرّرت معلومات حساسة تتعلق بالجزر والترتيبات الأمنية.

نتيجة ذلك أن أسياس اليوم فقد الثقة في معظم الفاعلين المدنيين السودانيين، واختصر تعامله في الخط الرسمي الذي يمثله البرهان وأجهزته. وهذا أمر بالغ الخطورة؛ لأنه يعني عمليًا أن الرواية الوحيدة التي تصله عن السودان هي رواية السلطة الانقلابية، بلا موازنة من أي طرف مدني أو ثوري.


● رابعًا: ماذا يريد أسياس من البرهان … وماذا يريد البرهان من أسياس؟

من جهة أسياس: 

- يريد نافذة على البحر الأحمر عبر تحالف معلن مع سلطة واقع في السودان تمنحه دورًا في ترتيبات الأمن البحري والحدودي.

- يريد ورقة ضد إثيوبيا، يلوّح بها كلما تصاعدت مطالب أديس بالحصول على منفذ بحري أو تزايدت تحالفاتها مع دول الخليج.

- يريد القول للعواصم الإقليمية: "لا تزال لدي قدرة على التأثير في مسرح الساحل–القرن الأفريقي–البحر الأحمر، فلا تتجاوزوني في الحسابات".

من جهة البرهان:

- يريد كسر شيء من العزلة عبر اصطفاف مع نظام يقدّم نفسه لاعبًا صلبًا في الأمن الإقليمي.

- يريد رسالة إلى الإمارات تحديدًا، التي تُتهم بدعم خصومه في الساحة السودانية، بأن له بدائل في الإقليم، وأن بإمكانه الانفتاح على محور مختلف.

- يريد استخدام إريتريا كعمق استخباري وحدودي في مواجهة تحركات الدعم السريع في بعض المساحات المتاخمة، أو في ملفات التهريب والسلاح والذهب.


لكن هذه المصالح المتبادلة – مهما بدت مغرية لبعض دوائر السلطة – تحمل في طياتها مخاطر عالية على السودان: إذ تعمّق عزلته عن محيطه المدني والإقليمي المتوازن، وتربطه أكثر بنظام يعاني هو نفسه من عزلة تاريخية وعقوبات وانعدام ثقة دولية.


● خامسًا: أين الرباعية؟ ولماذا السعودية بالذات هي محور التوازن؟

الرباعية المعنية بالملف السوداني – بصيغتها المتغيرة التي تضم الولايات المتحدة والسعودية، ومعهما الإمارات ومصر في ترتيبات أوسع – تتحرك منذ سنوات بين مسارات تفاوض سياسي، وضغوط لوقف إطلاق النار، وترتيبات إنسانية وأمنية على ضفتي البحر الأحمر .


في هذا السياق، تمثل المملكة العربية السعودية نقطة ارتكاز لا غنى عنها لعدة أسباب:

أ. هي الدولة الخليجية الأثقل حضورًا على ساحل البحر الأحمر، من شماله إلى جنوبه.

ب. قادت مبادرة "مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"، الذي ضم السعودية ومصر والسودان وإريتريا ودولاً أخرى، بهدف تنسيق الأمن والتنمية في هذا الممر الحيوي .

ج. تمتلك علاقات مع كل أطراف المعادلة: الخرطوم، أسمرا، أبوظبي، القاهرة، واشنطن.

هنا تكمن اللحظة الحرجة:

- إذا تركت الرباعية – والسعودية في قلبها – التحرك الإريتري يسير بلا ضوابط، فقد نجد أنفسنا أمام:

- محور صغير (أسياس–البرهان وبعض عواصم متعاطفة) يعمل كـ"مُعطّل" لمسارات السلام،

- استقطاب جديد على البحر الأحمر يضيف طبقة توتر فوق التوتر القائم أصلًا بفعل حرب السودان، وحرب اليمن، وهجمات الحوثي على الملاحة .

أما إذا تحركت الرياض بذكاء، فإن بإمكانها تحويل هذا الانخراط الإريتري من عامل تفجير إلى عامل تقييد وضبط، بشرط:

- ربط أي دور إريتري في السودان بالتزامات مكتوبة وواضحة بعدم التصعيد العسكري، وعدم تقديم دعم يطيل أمد الحرب.

- فتح قنوات موازية بين أسمرا وقوى مدنية سودانية موثوقة، لكسر احتكار رواية البرهان عن الداخل السوداني.

- توظيف أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية المرتبطة بمجلس البحر الأحمر وبالحضور العربي في القرن الأفريقي، لدفع أسياس نحو أدوار أقل حدّة وأكثر التزامًا بالشرعية الدولية.


● سادسًا: المخاطر الاستراتيجية على المستقبل السوداني

الخطر الأكبر في الانخراط الإريتري على النحو الحالي لا يكمن فقط في دعم مباشر أو غير مباشر لمعسكر البرهان، بل في نمط تفكير إذا ترسّخ سيعيد إنتاج أزمات السودان في صورة أكثر تعقيدًا:

- أن يُبنى الأمن القومي السوداني على تحالفات مع أنظمة معزولة ومأزومة، لا مع دول مستقرة تسند خيار السلام والتحول المدني.

- أن تتحول الحدود الشرقية إلى ساحة تعاملات أمنية مغلقة، بدل أن تكون فضاءً لتكامل اقتصادي وثقافي مع إريتريا والشعوب المجاورة.

- أن يُستدرج السودان إلى صراعات محاور البحر الأحمر كأداة في يد الآخرين، لا كطرف يفرض أجندته الوطنية ويضبط إيقاع علاقاته وفق مصالحه هو.

من زاوية أخرى، استمرار قطيعة أسياس مع القوى المدنية السودانية يعني عمليًا خسارة فرصة ثمينة لالتقاط لحظة تحول تاريخية كان يمكن لإريتريا أن تكون فيها شريكًا في بناء نموذج جديد للأمن الإقليمي قائم على:

أ. احترام التحول الديمقراطي في السودان،

ب. دعم وحدة ترابه عبر سلام عادل لا عبر تحالف مع سلطة أمر واقع،

ج. بناء منظومة أمن بحري مشتركة لا تُختطف لصالح نظام أو ميليشيا.

● سابعًا: ما العمل؟ خطوط أولية لاستراتيجية سودانية–إقليمية رشيدة

من زاوية سودانية وطنية، ومن منظور استراتيجي أوسع، يمكن رسم بعض الخطوط العامة:

- استعادة المبادرة المدنية في مخاطبة أسمرا؛ وعلى القوى المدنية السودانية – أحزابًا وتجمعات مهنية ولجان مقاومة ومنظمات – أن تبتكر قنوات جديدة مع الجانب الإريتري، مباشرة أو عبر وسطاء، لإيصال رواية مختلفة عن السودان، غير الرواية التي يحتكرها العسكر والأمن.

- تنبيه الرباعية إلى خطورة ترك الساحة لأجندات ثنائية ضيقة، والرسالة ينبغي أن تكون واضحة: أي دعم غير مشروط لمحور عسكري–أمني في السودان، أو لأي دور إقليمي يزيد من تعقيد الحرب، سيقوّض مستقبلاً جهود السلام التي تقول الرباعية إنها تتبناها.

- دعوة السعودية لدور قيادي متوازن؛ فعلى الرياض أن توظّف مكانتها في البحر الأحمر، وعلاقاتها بكل الأطراف، لتكون جسرًا نحو حلّ، لا ساحة لصراع محاور جديدة، وهذا يعني:

أ. إدماج إريتريا في رؤية إقليمية شاملة لأمن البحر الأحمر،

ب. ربط أي مكاسب أو تسهيلات تحصل عليها أسمرا بالتزامها بدعم السلام في السودان لا الحرب،

ج. حماية المسار السوداني من أن يُختطف لحسابات ثأرية بين دول الجوار.

4. ترسيخ مبدأ أن السودان ليس منصة لتصفية حسابات الآخرين، وأن هذه الحرب أكدت أن ترك أبواب البلاد مشرعة أمام أجندات الخارج حوّل السودان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.

التحرك الإريتري اليوم اختبار جديد: إما أن نكرّر الخطأ، أو نضع – لأول مرة – سقفًا وطنيًا واضحًا: من أراد أن يتعامل مع السودان، فليتعامل وفق مشروع سلام وانتقال مدني، لا وفق حسابات ثأرية مع جاره.


● ختاما: في المحصلة نجد أن زيارة أسياس لبورتسودان ليست حدثًا معزولًا، بل مرآة لثلاث أزمات متداخلة:

- أزمة نظام إريتري يبحث عن دور بأي ثمن،

- أزمة سلطة سودانية تسعى لأي سند ولو كان على حساب المستقبل،

- وأزمة منظومة إقليمية لم تحسم بعد ما إذا كانت تريد سودانًا مستقرًا مدنيًا، أم ساحة مفتوحة لإعادة تدوير صراعاتها.

المعادلة التي ينبغي الدفاع عنها اليوم – سودانيًا وإقليميًا – بسيطة وعميقة:

لا أمن في البحر الأحمر بلا سلام في السودان، ولا سلام في السودان بلا انتقال مدني حقيقي، ولا انتقال مدني حقيقي إذا تُرك مصير البلاد رهينة صفقات غرف المخابرات على ضفتي الحدود.


الخميس، 27 نوفمبر 2025

الحقيقة وراء الحرب في السودان: تفنيد رواية البرهان وكشف المستور`

`الحقيقة وراء الحرب في السودان: تفنيد رواية البرهان وكشف المستور`
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
مقدمة:
في مقاله المنشور بصحيفة وول ستريت جورنال بعنوان "حقيقة الحرب في السودان"، حاول قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إعادة رسم صورة الحرب المدمّرة التي يشهدها السودان. قدّم البرهان نفسه وجيشه كـ"دولة شرعية" تخوض معركة ضد "ميليشيا متمردة مدعومة خارجياً"، وزعم التزامه بالسلام والديمقراطية بعد تحقيق النصر. لكن خلف هذا الخطاب المنمّق تكمن حقيقة مُغايرة تماماً: حقيقة حرب أشعلتها قيادات عسكرية خائنة للشرعية، وقودها شعبٌ يتوق للحرية، وضحيتها وطنٌ تمزّقه مؤامرة الدولة الموازية واقتصاد الحرب. في هذا المقال نفنّد رواية البرهان خطوةً بخطوة، وننسف أطروحته الزائفة نسفاً يدمّر أركانها، مستندين إلى وقائع التاريخ القريب والبعيد، وإلى "الوثيقة القومية لإدانة القوات المسلحة السودانية" التي توثّق قرناً من الخيانة والانتهاكات. الهدف ليس مجرد الجدل الإعلامي، وإنما إيقاف التلاعب بالحقائق وإسقاط القداسة الزائفة عن مؤسسةٍ احترفت إراقة الدم واحتكار السلطة على حساب الوطن.

سنستعرض فيما يلي سبع ركائز أساسية لدحض مقالة البرهان بالحجج الدامغة: من انتقائية روايته لجذور الحرب، مروراً بتغطيته على الدولة العميقة داخل الجيش، ثم التناقض الفاضح بين خطابه وممارساته، واستجدائه الغرب بشعارات الإرهاب والتطبيع، وصولاً إلى اختزاله الحل في تفكيك ما أسماه "ميليشيا" واحدة وتجاهله العدالة الشاملة، وتغييب صوت الشعب السوداني، قبل أن نطرح المعادلة الحقيقية للسلام في السودان. كل ذلك بلغةٍ صريحةٍ لا تعرف المجاملة، وبمصطلحات جريئة تعكس وعياً سودانياً متجدداً لا يقبل بعد اليوم أن يُخدع بشعارات جوفاء أو وعود تصدر من فوهة البندقية.

انتقائية رواية الحرب وإخفاء جذورها
يُصوِّر البرهان في مقاله أن الحرب الحالية بدأت فقط بسبب "تمرّد قوات الدعم السريع" في أبريل 2023م، متجاهلاً عمداً السياق الأعمق وجذور الصراع الحقيقية. هذه السردية الانتقائية تُخفي ثلاث حقائق جوهرية:
شراكة الانقلاب وتقاسم المسؤولية: الجيش وقوات الدعم السريع كانا شريكين في السلطة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021م الذي قاده البرهان نفسه وحميدتي معاً. فقد أطاحا معاً بالحكومة الانتقالية المدنية، وحنثا بتعهداتهما للشعب والثورة. بعبارة أخرى، لم تكن الحرب بين دولة وميليشيا منذ البداية، ولكنها بين شريكين في انقلاب على الشرعية؛ تصارعا لاحقاً على السلطة والنفوذ. إن تصوير الجيش كـ"طرف شرعي وحيد" يتناسى أن البرهان جاء إلى موقعه بقوة الدبابة، تماماً كخصمه – كلاهما سعى لاحتكار السلاح والموارد والشرعية بعد أن انقلبا سوياً على السلطة المدنية.

رفض إخضاع السلاح لسلطة مدنية: قبل اندلاع الحرب بفترة، كانت هناك عملية سياسية بدعم دولي لتوحيد القوات المسلحة وإخضاعها لسلطة مدنية منتخبة وفق اتفاق "إطار 2022". هذا الاتفاق نصّ على دمج قوات الدعم السريع في الجيش خلال زمن محدد، وعلى إصلاح المنظومة الأمنية لتكون تحت قيادة مدنية. لكن الحقيقة أن كلا جناحي المنظومة العسكرية (الجيش والدعم السريع) قاوموا بشراسة أي إصلاح يحدّ من نفوذهم. البرهان وحميدتي كلاهما ناورا لكسب الوقت، وتحالف كل منهما مع بقايا النظام البائد لضمان امتيازاته. نقطة الانفجار الحقيقية لم تكن مجرد تمرد من حميدتي، ولكنها كانت رفضاً متبادلاً من جنرالات العسكر – بوجهيهم – لفكرة الجيش الواحد تحت سلطة الشعب وهو الأمر الذي عدل عنه واعتذر عن خطيئته قائد الدعم السريع.

جذور الصراع في عقود من خيانة الديمقراطية: إذا وسّعنا عدسة النظر، نجد أن هذه الحرب ليست إلا حلقة أخيرة في مسلسل الانقلابات العسكرية التي دمرت الديمقراطية السودانية على مدى عقود. فمن انقلاب الفريق عبود 1958 مروراً بنميري 1969م ثم البشير 1989م وصولاً إلى انقلاب البرهان 2021م – في كل مرة كان الجيش هو العدو الأول للشرعية المدنية والخصم المباشر لتطلعات الشعب. كل تجربة حكم مدني أطاح بها العسكر إما بانقلاب مباشر أو بوضع العراقيل حتى تنهار الشرعية، ثم يأتون كـ"منقذين". إذن، من يختزل جذور الحرب الحالية في تمرّد ميليشيا يتلاعب بالحقائق؛ فالحرب ولدت يوم خان العسكر قسمهم وانقلبوا على الثورة والمرحلة الانتقالية، لا يوم تحرّك الدعم السريع وحده.
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال مسؤولية العسكر عن تراكم الأزمات الوطنية التي انفجرت في وجه الجميع. طوال عهد الانقاذ (1989م-2019م) وبعده، أهملت السلطة العسكرية التنمية وركزت موارد الدولة في يد الأجهزة الأمنية على حساب رفاه الشعب. نهب اقتصاد البلاد وتجويع العباد وصناعة الفقر والتخلف كانت كلها وصفات طبخها العسكر على نار هادئة عبر عقود. وعندما اندلع نزاع 2023م، كان حصاد هذه السياسات هو دولة هشة مرهقة، وشعب محروم، وهامش يغلي غضباً. فلا يدّعي البرهان أن جيشه "حامي الوطن" بينما أفعاله هي التي أضعفت الوطن حتى صار مرتعاً لصراع دامٍ. "من يزرع الريح يحصد العاصفة"، والعسكر زرعوا فساداً وقهراً فحصد السودان حرباً وخراباً وفوق ذلك الهشيم والرميم والحصرم.
لذلك فإن  البرهان بتجاهله المتعمّد لدوره ودور رفقائه في إشعال فتيل الأزمة، يحاول إعفاء نفسه من المسؤولية التاريخية. الحقيقة الواضحة أن الجيش النظامي وقوات الدعم السريع كلاهما مسؤولان عن إدخال البلاد في دوامة حرب السلطة. حديث البرهان عن "تمرد الميليشيا" فزاعة يخفي خلفها أن تمرّده هو الآخر على الشرعية سابق لهذا التمرّد، وأنه لولا انقلاب 2021م لما وجد السودان نفسه أصلاً على حافة الهاوية في 2023م، ومن يختزل القصة إلى مشهد واحد يقتطع الفصل الأهم من الرواية – فصل الخيانة الكبرى للديمقراطية التي ارتكبها البرهان نفسه قبل حميدتي.

"فرية الدولة في مواجهة الميليشيا": قناعٌ لتغطية الدولة الموازية
يرفع البرهان شعار "الدولة ضد الميليشيا" ليكسب تعاطفاً دولياً، مصوراً الجيش على أنه المؤسسة الوطنية الشرعية المدافعة عن النظام والقانون وهو الخديعة التي زينها له المصرييون ولا زالوا يدعمونه على هذه الأساس. لكن هذه الصورة تتجاهل واقع الحال داخل مؤسسة الجيش نفسها. فحين ينظر السودانيون اليوم إلى القوات المسلحة، لا يرون جيشاً قومياً محترفاً خاضعاً لدولة القانون، وإنما يرون نظاماً موازياً مترسخاً داخل ثنايا الدولة: دولة عميقة إسلاموية واقتصاد خفي وشبكات مصالح وتطرف ديني وقبلي مسلّح تقوده قيادات الجيش نفسها. بكلمات أخرى، حين يقول البرهان "دولة vs مليشيا"، فهو يخفي أن دولته ذاتها تحوي عدة ميليشيات وأجهزة قمعية خارج القانون، وأن جيشه مخترق بأجندة الإسلاميين الذين عادوا بقوة بعد انقلاب 2021م، وفيما يلي بعض الحقائق التي يفشل البرهان في ذكرها:

عسكرة مؤسسات الدولة: منذ عقود والجيش يلتهم مؤسسات الحكم المدني قطعةً قطعة. بعد انقلاب البشير 1989م تشكّلت دولة المخابرات والمليشيات، ثم ترسّخت أكثر بعد انقلاب 2021م حين أعاد البرهان فلول النظام القديم إلى مفاصل الدولة. وتتحكم المؤسسة العسكرية اليوم بالبنك المركزي والموانئ والمطارات والوزارات السيادية، وتبتلع شركاتُ الجيش القطاعاتِ الحيوية كالتعدين والاتصالات والنقل والزراعة. لقد ابتلعت المؤسسة العسكرية الدولة حتى كادت تكون هي الدولة؛ فأي دولة "شرعية" هذه التي يتحدث عنها البرهان وهي مختطفة بالكامل بيد جنرالاته؟
اقتصاد حرب وفساد بنيوي: الجيش السوداني لم يعد مجرد قوة قتالية، ولكنه استحال لإمبراطورية اقتصادية طفيلية تسيطر على ثروات البلاد دون حسيب أو رقيب. تحت ستار "شركات الجيش" تدير القيادات العسكرية أنشطة تجارية هائلة ومعادن نفيسة وأصولاً عقارية داخل السودان وخارجه. تُستخرج الذهب والمعادن من باطن الأرض لصالح جيوب الجنرالات، وتذهب عائدات بيعها إلى حسابات سرّية بدل خزينة الدولة. فنشأت طبقة من الجنرالات الأثرياء يعيشون في أبراج عاجية من الثراء الفاحش ويقتاتون من تجارة الحرب والبشر والمخدرات والممنوعات ويستمتعون بامتيازات السلطة، بينما المواطن يعاني الفقر والجوع. هذه الطبقة الفاسدة هي التي يطلب البرهان من الشعب الوثوق بها كـ"ركيزة الدولة"! والحال أنه لا فرق جوهري بين أمراء الحرب في الميليشيات وأمراء المال في الجيش؛ فكلاهما يغتني على أشلاء الوطن.

تحالف الجيش مع المليشيات الإسلامية: يتناسى البرهان تماماً ذكر الدور الخفي لمجموعات العنف المرتبطة بالجيش نفسه. فداخل القوات المسلحة تتوغل كتائب الظل وفرق الأمن الشعبي الجهادوية التي أنشأها النظام البائد وغذاها البشير من دماء الشعب لحمايته، هذه تشكيلات عقائدية مسلحة خارجة عن أي رقابة مدنية، تم إحياؤها بعد انقلاب البرهان 2021م لتكون حزام أمان للنظام العسكري. أضف إلى ذلك ميليشيات قبلية يجري تسليحها علناً تحت لافتة "الدفاع عن الأحياء" والمقاومة الشعبية ونحوها، وتحريض ديني من دعاة متطرفين يباركون استمرار الحرب كـ"جهاد". إذاً عن أي دولة قانون يتحدث البرهان وجيشه يعج بالمليشيات الموازية؟ لا يمكن لعاقل أن يرى منظومة تفتح باب الاستنفار القبلي والديني والجهوي وتسليح المدنيين والطيران الذي يقصف المدن، ثم يصدق أنها "جيش نظامي محترف" بمواجهة "ميليشيا خارجة عن القانون". الحقيقة أن السودان اليوم يعاني من ميليشيات متعددة الوجوه:  ما صنعه النظام المباد من جهة، وكتائب الإسلاميين ومرتزقة الأجهزة الأمنية من جهة أخرى، وجميعها تغذي دائرة العنف. لكن البرهان يريدنا أن نرى ميليشيا الآخرين فقط كي نغض الطرف عن ميليشياته هو!

تغييب الدور السياسي للإسلاميين: مقال البرهان يخلو تماماً من أي ذكر لدور الحركة الإسلامية التي ظل يأوي أمينها العام المدعو علي كرتي في بيت الضيافة ويسخر له فرق الحماية والتمويل والتحرك، والتي هيمنت على قرار الجيش منذ ثلاثين عاماً ولا تزال. يوهمنا وكأن الجيش يتحرك في فراغ سياسي صرف، بينما يعلم السودانيون أن عقلية الانقلاب ورفض الحكم المدني متجذرة في التحالف التاريخي بين العسكر والإسلاميين. لذلك فإن أي حديث عن "دولة" مقابل "ميليشيا" يتجاهل هذه الحقيقة هو حديث منقوص ومضلل.  لأن الدولة المخطوفة ليست دولة الشعب، وإنما دولة تيار أيديولوجي متطرف يستخدم الجيش واجهة حكم. فهل يريد البرهان سلاماً واستقراراً حقاً؟ الطريق لذلك يبدأ بتحرير الجيش نفسه من قبضة الإسلامويين وفلول النظام القديم. أما ترديد أسطوانة "الجيش vs مليشيا" من دون الاعتراف بوجود دولة عميقة داخل الجيش، فهو محاولة وقحة لتبييض صورة المؤسسة العسكرية أمام العالم.
باختصار لا يمكن منح الجيش شيكاً على بياض باعتباره ممثل الدولة الشرعية بينما بنيته ذاتها مختطفة وغير شرعية. من يريد أن يتحدث باسم دولة القانون والمؤسسات عليه أولاً أن يطبّقها على نفسه: أن يخضع الجيش للمساءلة والشفافية، وأن يفتح دفاتره المالية للفحص، وأن ينهي اقتصاد الظل، ويحل الميليشيات الحليفة له، ويطرد تجار الدين والحرب من صفوفه. وهذا بالضبط ما لا يرغب البرهان في فعله ولن يفعل، لأنه يعرف أن تفكيك الدولة الموازية داخل الجيش يعني تفكيك سلطة الجنرالات التي يتزعمها. إذن هو يصرخ "ميليشيا! ميليشيا!" كي يشتت الأنظار عن وحشٍ آخر أشد خطراً تربى في حضن المؤسسة العسكرية نفسها.

التناقض الفاضح بين الخطاب والممارسة على أرض الواقع
يعلن البرهان في مقاله: "دعوني أكون واضحاً: إنّ السلام الحقيقي في السودان لن يتحقق عبر النصر العسكري وحده. يجب أن يقوم على الديمقراطية وسيادة القانون وحماية حقوق شعبنا". ويؤكد أن الجيش "ملتزم بالانتقال إلى الحكم المدني... فشعبنا يستحق فرصة اختيار قادته". كلمات رنانة بالفعل – لكنها تصطدم بواقع مغاير تماماً ترسمه أفعال البرهان وقراراته منذ اندلاع الحرب. وهنا يبرز التناقض الصارخ بين ما يسوّقه في الإعلام الغربي وما يفعله فعلياً داخل السودان:
رفضه أي عملية تفاوض جادة: فعلياً، يرفض البرهان وحلفاؤه أي مسار سلام حقيقي مع الطرف الآخر. منذ اليوم الأول للحرب، استبعدوا خيار الحل السياسي، واعتبروا كل دعوة إلى وقف إطلاق النار أو هدنة إنسانية نوعاً من الخيانة ووصمونا بكل قبيح. هاجم البرهان علناً جهود الوسطاء الإقليميين والدوليين – من مبادرة جدة السعودية الأمريكية واتفاق المنامة ومساعي جنيف الإنسنية ودور دول جوار السودان المجهض، وصولاً لمساعي الاتحاد الإفريقي وإيقاد. بل وصل الأمر إلى التهجم على دول "الرباعية" واتهامها بالانحياز لأنها دعت لوقف الحرب. كل هذا يكشف أن حديث البرهان عن السلام في الصحيفة الأمريكية ليس سوى قناع ليحسن صورته دولياً، بينما نهجه الفعلي هو المضي في الحرب حتى آخر طلقة. فمن يخشى السلام الحقيقي يزايد بالسلام الوهمي على صفحات الجرائد بقيمة مدفوعة.

الإصرار على الحسم العسكري وتوسيع دائرة العنف: يقول البرهان "لن يتحقق السلام عبر النصر العسكري وحده"، لكن سلوكه يجزم أنه لا يؤمن إلا بالخيار العسكري. فلم يتورع جيشه عن قصف المدن المكتظة بالمدنيين بالطائرات والمدفعية الثقيلة بشكل يومي منذ أبريل 2023م، فالخرطوم وأم درمان والفاشر ونيالا تشهد دماراً رهيباً بفعل صواريخ وقنابل القوات المسلحة، التي يفترض أنها "تحمي الشعب"! لقد تم تهجير الملايين من مناطقهم، وسُوّيت أحياء بكاملها بالأرض، وسقط آلاف المدنيين قتلى وجرحى – وكل ذلك بقرار من قيادته العسكرية التي اختارت سياسة الأرض المحروقة كديدم موروث من نظام البشير الذي فصل به جنوب السودان وحرق به دارفور والمنطقتين،  فأين هو حرص البرهان على "حماية حقوق شعبنا" الذي يتحدث عنه؟ أحقاً يظن أننا نصدق ازدواجيته: يدمرنا بالقنابل ثم يعدنا بالديمقراطية؟ إن من يزرع الموت في بلاده لا يمكن أن يجني منها سلاماً حقيقياً.

قمع أي صوت معارض أو مستقل: خلال الحرب، أطلق البرهان وحاشيته العنان لأجهزة الأمن وفلول النظام المباد ليصفّوا حساباتهم مع كل صوت معارض. اعتقالات تعسفية، اختفاءات قسرية، تعذيب للمعتقلين، اغتيالات لرموز ثورية ومدنية، وترهيب عبر الإعلام الموالي – هذه وقائع ثابتة في الأشهر الماضية. كل من يجاهر بموقف ضد الحرب أو ينتقد انتهاكات الجيش يُتهم فوراً بالخيانة ويتعرض للأذى. عشرات الناشطين والصحفيين والمدنيين اختطفوا أو قتلوا أو اختفوا على أيدي أجهزة الأمن والميليشيات الموالية للجيش منذ بدء الحرب. أيّ انتقال ديمقراطي هذا الذي "يلتزم" به البرهان بينما يكمم أفواه الشعب الراغب في السلام العادل؟ إننا نشهد عملياً إعادة إنتاج لذات أساليب القمع القديمة لكن تحت غطاء الحرب هذه المرة. وهذا يفضح كذب الشعارات التي يبيعها البرهان للخارج.
تحويل الحرب إلى حملة أيديولوجية: بدل أن يعترف البرهان بأن هذه حرب على السلطة والثروة، ترك الباب مفتوحاً أمام حاضنته الإسلاموية لتحويلها إلى حرب جهادوية مقدسة. سمعنا مفتي الديار التابع للنظام يدعو الشباب لـ"الجهاد" ويصف المعركة بأنها بين معسكر الإيمان والكفر وهو ذات التحريض الذي رمى إليه أئمة الضلال أمثال عبد الحي يوسف، وسمعنا قادة مليشيات قبلية يتحدثون عن الحرب بلغة التطهير العرقي، كل ذلك بتواطؤ رسمي من قيادة الجيش التي لم تُدِن هذه التعبئة الخطيرة بل شجّعتها. فهل هكذا تبنى "سيادة القانون وحماية الحقوق" التي يتشدّق بها البرهان؟ أم أنها سيادة شريعة الغاب وحماية كرسي الحكم بأي ثمن؟
باختصار شديد خطاب البرهان عن الديمقراطية والسلام هو دعاية سياسية موجّهة للخارج، بينما ممارساته على الأرض تعكس عقيدة الحرب الشاملة ورفض التسوية. إن ما يريده فعلاً ليس السلام القائم على المشاركة والعدالة، بل الاستسلام التام لخصومه تحت وابل النيران. أما وعوده بالديمقراطية فمجرد سراب يُلوّح به كي ينال شرعية دولية ويستدر عطف العواصم الغربية، دون أي نية حقيقية لترجمته إلى واقع. لقد خبر السودانيون البرهان جيداً: ففي 2019م أقسم وتعهّد بتسليم السلطة ثم غدر، وفي 2021م وقّع اتفاقاً سياسياً ثم انقلب عليه، وفي 2023م قال إنه يقبل الهدنة ثم تهرّب منها بعد خروجه من حصار القيادة العامة. هذه السلسلة من النكوص تكفي لتجعلنا ندرك أن حديثه اليوم عن "الانتقال المدني" ليس سوى كذبة جديدة بحروف إنجليزية هذه المرة. ومن يخدع شعبه مرة لا يمكن أن يصدقه العالم مرتين.

مغازلة الغرب بشعارات مكافحة الإرهاب وورقة التطبيع
خاطب البرهان المجتمع الدولي في مقاله بخطاب موجه بعناية: تبنّى لهجة "نحن وإياكم في خندق واحد ضد الإرهاب والفوضى". أشار إلى انضمام السودان لـ "الاتفاقات الإبراهيمية" عام 2021م، ملمحاً لدوره في التطبيع مع إسرائيل ضمنياً لأنه الرئيس الذي يحسب أنه قابل رئيس وزراء ووزير خارجية إسرائليين وفتح لهم مواعين التسليح السرية والاستراتيجية. وذكّر بموقف قوات الدعم السريع العدائي تجاه الأمريكيين – كهجوم على موكب دبلوماسي أمريكي ومقتل موظف سفارة في احتجاز لدى الدعم السريع. كما أشاد بتصريحات المسؤولين الأمريكيين (وزير الخارجية روبيو) التي وصفت الحرب بوضوح كتمرد "ميليشيا" ودور خارجي داعم لها. الرسالة من كل ذلك واضحة: "نحن أيها الغرب شركاؤكم في الحرب على الإرهاب والتطرف، ونحن من اختار السلام مع إسرائيل، فأدعمونا في سحق أعدائنا (الدعم السريع ومن خلفه)". هذه المغازلة السياسية تحمل في طياتها العديد من الإشكاليات:
مقايضة العدالة بالأمن: البرهان يطرح معادلة فاسدة مفادها: أمنكم مقابل صمتكم. فهو يقول للأمريكان والأوروبيين ضمناً: تغاضوا عن جرائمنا وانتهاكاتنا، وسنكون حلفاء لكم ضد خصومكم الإقليميين والإرهابيين. وهذا تكرار لصفقات عرفتها المنطقة لعقود شبيهة بتسلم كارلوس وطرد بن لادن وإنهاء العلاقة مع طهران ونحوه، حين دعمت قوى دولية أنظمة ديكتاتورية مقابل خدمات أمنية أو سياسية. لكن هذه الصفقات ثمنها فادح على الشعوب واستقرار الدول. إن استقرار السودان وأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي لن يتحقق عبر دعم طرف عسكري متورط في التطهير العرقي والقمع الواسع، ولكن عبر معالجة جذور الأزمة وبناء حكم مدني شرعي. البرهان يريد إقناع الغرب بأن ما يجري ليس صراعاً على السلطة بين جنرالين بل حرب ضد الإرهاب، لكن الحقائق تقول غير ذلك: نعم هناك مخاطر إرهاب في الإقليم، لكن أحد أكبر أسبابها هو وجود أنظمة قمعية تفرز العنف والتطرف. إذاً دعم الجيش السوداني الأصولي في هذه الحرب بحجة محاربة الإرهاب يشبه إطفاء النار بالبنزين.
التطبيع لاسترضاء واشنطن: يفاخر البرهان بأنه بادر لخطوة "تاريخية" بالانضمام لاتفاقات إبراهيم (التطبيع مع إسرائيل)، باعتبارها دليل أنه يسير في فلك السلام والتعاون الإقليمي. لكن ما لم يذكره هو أن هذه الخطوة فُرضت من العسكر على الشعب دون تفويض شعبي. لقد عقد البرهان لقاءات سرية مع قيادات إسرائيلية منذ 2020م، ثم دفع نحو التطبيع علناً بعد انقلاب 2021م مقابل صمت إسرائيل عن تقويض النظام المدني في السودان، وكل ذلك جرى دون شفافية أو مشاركة من القوى المدنية السودانية. بل إن غالبية الشعب السوداني وقواه الحية كانت رافضة لربط التطبيع بأي مكاسب آنية للنظام العسكري. فالتطبيع بحد ذاته قضية خلافية داخل السودان، لكنها استخدمت كسلعة للبيع والتركيع  والتقطيع: باعها العسكر طمعاً في رضا واشنطن التي جعلتها شرطاً لشطب السودان من قائمة الإرهاب وفتح أبواب الدعم الاقتصادي. المفارقة أن البرهان الذي يدّعي احترام إرادة الشعب، تجاهل تماماً مزاج الشارع السوداني وتوجهات الدولة السودانية التاريخية المؤيدة لحقوق الفلسطينيين عندما هرول للتطبيع. حتى اليوم لا يوجد برلمان أو إجماع وطني يضفي شرعية على ذلك، فهي صفقة فوقية أملتها حسابات بقاء النظام الانقلابي. وبالتالي استشهاد البرهان بها كإنجاز سلام هو محاولة رخيصة لكسب نقاط لدى صانعي القرار الأمريكيين والإسرائيليين واللوبي الصهيوني الذي ينتمي إليه صاحب الصحيفة موردخاي، بينما يعرف السودانيون أن هذا التطبيع بلا سند شعبي حقيقي.
عدو عدوي صديقي: يصنّف البرهان خصومه (الدعم السريع وحلفاءه) كأعداء لأمريكا والغرب، فيتبنّى سردية "الميليشيا الشريرة المدعومة من أطراف خارجية شريرة". لا شك أن هناك دعماً أجنبياً لصالح الدعم السريع – هذا واقع معلن – لكن البرهان يحاول بذلك جرّ الغرب لتبني موقفه بالكامل. إنه يقول لهم: أنتم أيضاً مستهدفون، فساعدوني لأحميكم وأحمي نفسي. هذا الابتزاز الأمني قد يستهوي بعض الدوائر، لكنه يتجاهل أن القوات المسلحة السودانية نفسها تاريخياً كانت راعية للإرهاب الدولي! نذكّر العالم أن نظام البشير العسكري وفّر ملاذاً لأسامة بن لادن والقاعدة في التسعينيات، ودعم جماعات إرهابية إقليمية، وتاجر بالسلاح في الخفاء. اليوم يعود رفاق ذلك النظام في ثوب جديد مع البرهان على رأسهم المستحوذ على أموال أسامة بن لادن "عبد الباسط حمزة" الذي هربه البرهان وشقيقه حسن البرهان من سجن كوبر الاتحادي هو وغيره من المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية وفي مقدمتهم المخلوع البشير. فهل يثق العالم بهكذا قيادة تمنحه صك براءة؟ أليس من الحكمة أن يتعامل الغرب مع مزاعم البرهان بحذر شديد، وألا يرهن سياسته على وعود شخص يحمي بين صفوفه غلاة المتطرفين؟ إن السلام الإقليمي الذي يعد به البرهان عبر سحق الميليشيا لن يكون إلا سلام القبور إن لم يكن مشفوعاً بتحول ديمقراطي حقيقي في السودان.
إذا يحاول البرهان استدراج المجتمع الدولي لدعمه عبر استخدام ورقتين: "محاربة الإرهاب" و"التطبيع مع إسرائيل". لكن هذه المحاولة تغفل أن دعم نظام عسكري دموي في الخرطوم سيولّد على المدى البعيد مخاطر إرهاب وعدم استقرار أكبر، كما أن أي اتفاقات سلام إقليمية لا تعبر عن إرادة الشعوب مصيرها الهشاشة. إن السلام الذي يتحدث عنه البرهان بلغة المصالح الأمنية المتبادلة هو سلام مشروط بالصمت عن انتهاكاته. لقد ملّ السودان تلك الصفقات التي يقدّم فيها الجنرال نفسه كشريك يعتمد عليه بينما يذبح شعبه خلف الكواليس. ولعل العالم قد تعلّم – أو يجدر به أن يتعلم – من دروس التاريخ القريب أن من يقمع شعبه لا يمكن أن يكون شريكاً موثوقاً في صنع الاستقرار الإقليمي.
 اختزال الحل في "تفكيك الدعم السريع" وتجاهل العدالة والهيكلة الشاملة
يطرح البرهان في مقاله وصفة مبسّطة للخروج من الأزمة: تفكيك قوات الدعم السريع وحلفائها بالكامل، مع إمكانية دمج من لم تتلطخ أيديهم بالجرائم في الجيش وفق معايير مهنية صارمة. ويؤكد أنه "لا مكان لهم ولا لحلفائهم في مستقبل السودان الأمني أو السياسي"، عدا تلك النافذة الضيقة للدمج المشروط. من حيث المبدأ تفكيك أي قوة مسلحة خارج أنظمة الدولة هو مطلب صحيح، لكن المشكلة تكمن في اختزال البرهان للحل في تفكيك طرف واحد بينما يتجاهل تماماً الحاجة لتفكيك وإصلاح مؤسسته هو نفسه وبقية منظومة العنف في البلاد. هذه النظرة الانتقائية تقفز فوق حقائق أساسية:
لا سلام بلا عدالة شاملة: يتحدث البرهان عن محاسبة من أسماهم "مجرمي " الدعم السريع وحدهم، متناسياً أن جرائم الحرب والانتهاكات طالت كل الأطراف بمن فيهم البرهان نفسه، فأين المحاسبة على قصف طيران الجيش للمستشفيات والمنازل؟ أين التحقيق في مجازر فض الاعتصامات وقتل المتظاهرين السلميين منذ ثورة ديسمبر 2018م حتى اليوم؟ العدالة الانتقالية يجب أن تطال الجميع بلا استثناء: قتلة دارفور سواء كانوا من المليشات التي كونها البشير وقتئذ أو ضباط الجيش الذين وجّهوا العمليات؛ قتلة المعتصمين أمام القيادة العامة 2019م سواء من الدعم السريع أو أجهزة الأمن التي شاركت وتواطأت؛ المسؤولون عن التعذيب والاغتصاب والقتل خارج القانون سواء كانوا عسكريين نظاميين أو شبه نظاميين. لأن حصر المحاسبة في قوات الدعم السريع وحدها هو تبييض لصفحة مجرمي الجيش وأمن النظام. وهذا مرفوض أخلاقياً وسياسياً، لأن أي سلام مستدام يتطلب مصالحة وطنية مبنية على حقيقة ومساءلة، لا على رواية المنتصر الواحد.
الهيكلة ينبغي أن تشمل الجميع: نعم تفكيك كافة التكوينات والمليشيات والحركات المستقلة ضرورة لا خلاف عليها بعد كل ما ارتكبته من فظائع. لكن ماذا عن بقية التشكيلات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة المدنية؟ ماذا عن كتائب الظل ومليشيات الدفاع الشعبي وكتائب المجاهدين التي رعتها الأنظمة العسكرية؟ أليست كلها بحاجة للتفكيك أيضاً؟ إن وحدة المؤسسة العسكرية والأمنية لن تتحقق باستيعاب جزء وإبقاء جزء آخر خارج الحساب. المطلوب خطة شاملة لتوحيد السلاح السوداني تحت مظلة جيش وطني جديد، وهذا يشمل دمج وتسريح وإعادة تأهيل ليس فقط عناصر الدعم السريع، ولكن أيضاً تفكيك أذرع العسكر الحزبية والقبلية. لقد آن الأوان لحقيقة واضحة: سلاح واحد تحت راية السودان، وعقيدة مهنية لا عقائدية للجيش الجديد. ولا يمكن تحقيق ذلك إن غضضنا الطرف عن ميليشيات الإسلامويين والشركات الأمنية الخاصة والمسلحين القبليين الذين يخدمون أجندة العسكر.
إعادة هيكلة جذرية للمؤسسة العسكرية: حين يَعِد البرهان بـ"جيش وطني مهني" بعد دمج عناصر الدعم السريع، يتناسى أن جيشه الحالي أبعد ما يكون عن المهنية والوطنية كما أسلفنا. لذلك، يجب ألا تنطلي علينا محاولة تصوير أن المشكلة محصورة فقط في وجود قوات الدعم السريع منفصلة. الحقيقة أن الجيش نفسه بحاجة إلى إعادة تأسيس من الصفر تقريباً بعد تطهيره من الفاسدين والعقائديين والانقلابيين. لا بد من تفكيك بنية القيادة الحالية: إحالة كل جنرال تورط في انقلاب أو جريمة إلى المحاكمة، وإبعاد إمبراطورية الجيش الاقتصادية إلى وزارة المالية، وقطع رأس الأفعى المتمثلة في تحكم العسكر بالسياسة. بدون ذلك، سيكون أي دمج لعناصر الدعم السريع مجرد تغيير شكلي يضيف مزيداً من الذخيرة لبندقية الجنرال. وقد حذّرت "الوثيقة القومية لإدانة القوات المسلحة" من إصلاحات تجميلية، مؤكدة أن لا إصلاح لهذا الجهاز المنهار من الداخل إلا بتفكيك جذري يعيد تعريف معنى الجيش في وعي السودان. فالبيت المتهالك على أساس فاسد لا يصلحه ترميم جزئي؛ ينبغي هدمه وبناء بيت جديد على أسس متينة.
احتكار السلاح بيد معسكر واحد ليس حلاً: طرح البرهان يفترض ضمناً أن تفكيك الدعم السريع وترك الجيش منفرداً بالسلاح سيجلب الاستقرار. لكن هذا خطير، لأنه يعني انتقالنا من فوضى السلاح متعدد الأيدي إلى استبداد السلاح في يد واحدة. والشعب السوداني اكتوى بنار عسكرة الدولة حين كان الجيش وحده يحتكر القوة. فهل ننهي الحرب الحالية لنعود إلى وضع جيش انقلابيين يهيمن على كل شيء بلا منافس؟ كلا، الحل ليس في أن ينتصر أحد المعسكرين العسكريين على الآخر ويبتلع المشهد، وإنما في إنهاء المشهد العسكري برمّته لصالح حكم مدني ديمقراطي تكون القوات النظامية فيه خاضعة تماماً للسلطة المنتخبة. أما سيناريو سحق حميدتي المزعوم وتضخّم نفوذ البرهان والإسلاميين فسيولّد دورة جديدة من القهر والصراع لاحقاً، لأن جذور الأزمة (وهي حكم العسكر) تبقى حية.
لذلك لا يمكن اختزال الأزمة السودانية في وجود قوة  واحدة اسمها الدعم السريع، ثم الادعاء بأن التخلص منها سيحل كل شيء. هذه قراءة قاصرة وتبرئة ضمنية للعسكر من بقية الكوارث. المطلوب هو خارطة طريق شاملة تتضمن: تفكيك كافة البُنى الموازية المسلحة، وإعادة هيكلة القوات المسلحة ذاتها، وتحقيق عدالة انتقالية تطال الجميع، وبناء عقيدة أمنية جديدة تخدم الشعب لا تحكمه. هذه النقاط غائبة تماماً عن مقال البرهان لأنها لا تخدم بقاءه. لكنه غياب يصرخ في وجه كل سوداني واعٍ: سلامة الوطن لن تأتي عبر نصف الحقيقة أو بعض الحقيقة – بل عبر الحقيقة كاملة، ولو كانت مُرّة على أسياد الحرب.
 تغييب السودانيين كأصحاب المصلحة الحقيقيين في أي سلام
مقال البرهان مكتوب بوضوح للخارج وليس للسودانيين. فهو يهمز ويلمز الإمارات ويخاطب واشنطن والرياض والعواصم الغربية، ويطلب دعمهم، لكنه لا يذكر القوى المدنية السودانية إلا لماماً وبعبارات عامة. ويغيب الشعب السوداني وقواه الثورية عن مقاله تماماً؛ فلا تجد فيه أي إشارة جادة إلى دورهم أو حقهم في تقرير المصير. هذا التغييب متعمد ومعبّر: فالبرهان يتصرف وكأن الحرب شأن خاص بينه وبين حميدتي مع تدخلات خارجية، أما الشعب فليس له إلا دور المتفرج الذي يهلل لانتصار "الدولة" على "الميليشيا"! فيما يلي بعض مظاهر هذا التهميش المتعمّد للسودانيين في خطاب البرهان:
لا ذكر للفاعلين المدنيين: يخلو المقال من أي إشارة إلى قوى الثورة السودانية، أحزابها، نقاباتها، لجان مقاومتها، أو حتى لمبادرات شخصيات وطنية مستقلة حتى أولئك الذين حملوه إلى السلطة أو من سادنوه في الإنقلاب أو من ساندوه بالدعاية الحربية. يتم اختزال المشهد السياسي كله في معادلة "جيش vs ميليشيا". كأن لم يكن هناك ثورة عظيمة في ديسمبر 2018م أطاحت بالبشير وعرفت العالم بالبرهان النكرة، ولا شعب قدم الشهداء من أجل الحرية، ولا قوى مدنية قادت المرحلة الانتقالية قبل انقلاب البرهان. هذا التجاهل ليس بريئاً؛ إنه يعكس نية البرهان إقصاء أصحاب المصلحة الحقيقيين من أي حل مستقبلي. فهو يريد ترتيب تسوية فوقية مع الخارج تضمن له السيطرة، دون إزعاج من الشارع الثائر.
لا اعتراف بالانقلاب على الحكومة المدنية: يتحدّث البرهان عن الالتزام بالانتقال المدني، لكنه لم يذكر قط انقلاب 25 أكتوبر 2021م الذي قام به ضد الحكومة المدنية الانتقالية ذات الشرعية الثورية. ولم يعتذر عنه أو يصفه بالخطأ. على العكس، يلمّح وكأن "الحرب قطعت العملية الانتقالية لكنها لم تلغها"، متناسياً أنه هو من ألغى تلك العملية قبل الحرب بزمن طويل وبجرة قلم مزقت الوثيقة الدستورية وأسست لمنهج الهيمنة الموطيء للحرب. هذا تغييب للتاريخ القريب يهدف لغسل يديه من جريمة الانقلاب. فلا يمكن أن يكون البرهان جاداً في الحديث عن الديمقراطية وهو يتجاهل تماماً أنه أطاح برئيس وزراء مدني (د. حمدوك) وحكومته المعمدة من الثورة. من لا يعترف بخطئه لن يصححه أبداً.
لا خارطة طريق واضحة لانتقال مدني فعلي: إذا كان البرهان صادقاً في دعواه الالتزام بالحكم المدني، فأين التفاصيل؟ هل حدد جدولاً زمنياً لوقف الحرب والعودة لمسار سياسي؟ هل أعلن استعداده لتسليم السلطة لهيئة مدنية انتقالية فور تأمين الخرطوم مثلاً؟ هل دعا إلى مؤتمر سوداني شامل يضم القوى المدنية لرسم المستقبل؟ لا شيء من ذلك في مقاله. مجرد كلام عام يمكن تأويله بأي اتجاه. هذا الغموض مقصود، لأنه يريده شيكاً على بياض: ساعدوني في كسب الحرب، وسأفعل ما أراه مناسباً لاحقاً بشأن الديمقراطية. لكن السودانيين تعلموا درسهم: الوعود المجردة من غير ضمانات وآليات واضحة ما عادت تنطلي عليهم.
الشعب كبيدق لا كشريك: من بين فقرات المقال الطويل، يذكر البرهان "شعبنا يستحق فرصة اختيار قادته وتحديد مستقبله". ولكن كل السياسات التي اتبعها منذ توليه السلطة تفيد العكس: لم يترك للشعب حق اختيار، وإنما فرض حالة الطوارئ، وحل المؤسسات الدستورية، وأعاد رموز النظام البائد إلى مواقع القرار رغماً عن أنف الجماهير. وعندما خرج الشعب لرفض الانقلاب، جوبه بالرصاص والهراوات والمعتقلات والسحل والتعذيب والتنكيل. إن الشريك الحقيقي للسلام هو من يملك ثقة الناس واحترامهم، وليس من يحكمهم بقوة السلاح. البرهان يتوهّم أن بإمكانه عقد صفقة سلام مع الخارج تعيده سيداً على الداخل. لكن أي ترتيب يتجاهل القوى المدنية والثورية السودانية مصيره الفشل الذريع. فقد أثبتت التجارب أن السلام الذي يُصنع على موائد الإقليم ويُفرض على السودانيين من أعلى لن يصمد طويلاً.
سلام الجنرالات وصفة لحرب قادمة: إذا سُمح للبرهان أن يستبعد المكونات المدنية ويصوغ المستقبل باتفاق بينه وبين حميدتي (أو بإملاءات من عواصم كبرى)، فإننا في الحقيقة نكرّر أخطاء ما بعد ثورة 2019م حين اقتُسمت السلطة بين العسكر وحميدتي في مجلس سيادي وتم تهميش قوى الثورة تدريجياً. كانت النتيجة انقلاباً ثم حرباً. فكيف نتوقع نتيجة مختلفة إن أعاد البرهان الكرة مرة أخرى؟ لا سلام دون أصحاب السلام. والسودانيون وحدهم لا شريك لهم هم أصحاب السلام العادل والديمقراطية الحقة موجودون في الشوارع والمعسكرات والمنافي يعبرون عن صوت الضحايا والمقهورين. تجاهلهم يعني صناعة سلام هش، أشبه بهدنة مؤقتة تحت رحمة الرصاص.
في ضوء ذلك يصبح أي حديث يتفوه به البرهان عن الديمقراطية والانتقال المدني فيما هو يهمّش أصحاب القضية الحقيقيين، ليس سوى استنساخ لمقولات الطغاة ومحض هراء "نعرف مصلحة الشعب أكثر من الشعب نفسه". الشعب السوداني ليس قاصراً ولا غائباً؛ إنه الفاعل الأكبر في هذه المعادلة، وصاحب المصلحة الأولى في إيقاف الحرب وبناء السلام. وإن كان البرهان جاداً في دعواه، فليرينا أفعالا: ليوقف القصف، ليطلق سراح المعتقلين السياسيين والمدنيين الذي تضج بيهم معتقلات جبل سيركاب والفرق العسكرية والسجون الولائية، ليدعو القوى المدنية فوراً لحوار حول مستقبل البلاد. لكنه لم ولن يفعل، لأن رؤيته للسلام لا تتجاوز تثبيت نفسه على كرسي السلطة. لذا وجب علينا فضح هذه النظرة الأبوية الاستعلائية، والتشديد على أن الشريك الذي يبحث عنه العالم للسلام في السودان ليس الجنرال الذي أشعل الحرب وعرقل الانتقال مرتين، بل قوى الشعب الحية التي رفضت الحرب من البداية وتطرح رؤية وطنية للحل الشامل.
المعادلة الحقيقية للسلام في السودان: رؤية ما بعد أطروحات البرهان
بعد تفنيدنا لما جاء في مقال البرهان من مغالطات ومراوغات، يبرز السؤال: ما البديل؟ ما الرؤية التي يجب أن نطرحها في مواجهة دعاوى البرهان؟ هنا لا بد من التأكيد على أربع رسائل كبرى تمثّل جوهر المعادلة الحقيقية للسلام والاستقرار في السودان – رسائل تستقي مضمونها من تطلعات شعبنا ودماء شهدائنا ومن "الوثيقة القومية لإدانة القوات المسلحة" التي لخّصت الدرس التاريخي المرير:
أولاً: الحرب ليست بين دولة ومليشيا، بل بين مشروعين لمستقبل السودان. مشروع البرهان وحلفائه هو مشروع الدولة العسكرية المستبدة الذي خبرناه طويلاً: دولة يهيمن عليها جنرالات يتحالفون مع الإسلاميين، حيث السلاح فوق السياسة، وحيث تُقمع الأصوات الحرة، ويُنهب الاقتصاد لصالح فئة صغيرة. يقابله مشروع الدولة المدنية الديمقراطية الذي نادت به ثورة ديسمبر وعبّرت عنه شعارات "حرية سلام وعدالة": دولة المواطنة المتساوية، التي تحتكر فيها المؤسسات المنتخبة وحدها قرار الحرب والسلام، ويخضع فيها الجيش المهني لإدارة مدنية ويُمنع من ممارسة السياسة أو التجارة. السلام الحقيقي لن يتحقق بانتصار أحد الجنرالين على الآخر، وإنما بانتصار مشروع الدولة المدنية على منطق العسكرة الذي يمثله الجنرالان معاً. لا ينخدعنّ أحد بالمعادلة الزائفة (جنرال خير ضد جنرال شر). فكل الجنرالات سواء إن لم يحكمهم الشعب. السودانيون لم يقدّموا الشهداء لإبدال حاكم عسكري بآخر، بل لإسقاط حكم العسكر إلى الأبد.
ثانياً: السلام يبدأ بوقف الحرب الآن، لا ببيانات جوفاء في الصحف  أي حديث عن ديمقراطية وانتقال لا معنى له بينما الطائرات تقصف والملايين مشردون. المطلوب فوراً: وقف شامل لإطلاق النار بإشراف دولي وإقليمي، فتح ممرات إنسانية لجميع المناطق المنكوبة، وتأمين عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم تدريجياً. على المجتمع الدولي إن أراد فعلاً مساعدة السودان، أن يضغط في هذا الاتجاه أولاً. أما من يرفض وقف إطلاق النار بحجج واهية فهو ليس شريك سلام بل تاجر حرب. وقد رأينا كيف تهرّب البرهان من كل وقف عدائيات لأنه يراهن على الحسم العسكري. لذلك نقول بوضوح: لا ثقة في دعوات السلام ممن يعرقلون أبسط مقوماته على الأرض. السودانيون نزفوا بما فيه الكفاية، وحان وقت إعلاء صوت الحياة فوق أزيز السلاح. إيقاف الحرب ليس مناورة تكتيكية بل أولوية إنسانية وأخلاقية تسبق أي مسار سياسي.
ثالثاً: التفكيك المطلوب هو تفكيك منظومة العنف والانقلاب كاملةً، لا ميليشيا واحدة. لقد أوضحنا أن أزمة السودان تكمن في منظومة متكاملة من العنف الممنهج بناها العسكر: من الجيش المنقلب على عقيدته الوطنية، إلى الميليشيات على اختلاف مسمياتها، إلى اقتصاد الحرب الذي يمول الجميع، إلى خطاب الكراهية الذي يبرر الجرائم. لذا، أي حل مستدام ينبغي أن يشمل: حل كافة القوات التي تعيش ككيان مستقل وتسريح ودمج عناصرها وفق ضوابط صارمة؛ تفكيك التشكيلات المسلحة الأخرى وإلغاء أي وجود لمراكز قوى عسكرية أو أمنية موازية داخل مؤسسات الدولة (كتائب النظام البائد وواجهاته)؛ وإصلاح الجيش والأمن جذرياً عبر تطهيرهما من الانقلابيين ومن ثقافة الولاء الحزبي؛ وإنهاء اقتصاد العسكر بوضع يد الدولة على شركات الجيش وإخضاعها للمحاسبة؛ ونزح السلاح من السياسة بتنظيم حملة وطنية لجمع السلاح المنتشر في أيدي القبائل والجماعات الخارجة عن القانون. هذه الإجراءات البنيوية هي الأساس الذي لابد منه لبناء سلام حقيقي. خلاف ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة: نزع سلاح ميليشيا واحدة مع غض الطرف عن أخرى، أو تبديل جنرال بآخر، بينما ماكينة العنف الهيكلية تواصل إنتاج أزمات جديدة.
رابعاً: الشريك في سلام السودان ليس من أشعل الحرب، وإنما من رفضها منذ البداية. مهما حاول البرهان تجميل صورته، يظل هو وبطانته من الإسلامويين مسؤولين أمام التاريخ عن مأساة هذه الحرب. جميعهم أداروا ظهرورهم لحلول سلمية كانت ممكنة، وفضّل السلطة على الوطن. الشريك الحقيقي الذي ينبغي أن يُسمع صوته هو ذلك السوداني الأعزل الذي قال "لا للحرب" من اليوم الأول ودفع الثمن غالياً. الشريك هو قوى الثورة التي لم تلطخ يدها بدماء ولم تتورط في انقلاب، والتي ما زالت حتى اللحظة تناضل لإغاثة المنكوبين وتضميد الجراح وطرح البدائل السياسية الوطنية. هؤلاء – من تنسيقيات لجان المقاومة إلى النقابات المهنية المستقلة إلى الأحزاب المدنية الملتزمة بالتحول الديمقراطي – هم حماة حلم السودان الجديد. وعلى المجتمعين الإقليمي والدولي أن يدركوا أن أي تفاوض أو اتفاق يتجاهل هذه الأصوات لن ينجح. الحل ليس أن يجلس الجنرال المنتصر على طاولة منفرداً مع مبعوثي الدول، ولكن أن يجلس ممثلو الشعب المدنيون – الذين هم أصحاب التفويض الأخلاقي – لصياغة عقد اجتماعي جديد. لقد سئمنا اتفاقات غرف مغلقة بين عسكريين تتقاسم السلطة وتوزع المناصب ثم تنهار على رؤوس الجميع. المطلوب مؤتمر سلام سوداني – برعاية دولية محايدة – يشمل الضحايا قبل الجلادين، ويضع أسس سودان ما بعد حكم العسكر.
خامساً: لا مستقبل للسودان دون عدالة ومحاسبة على الماضي. ربما يخشى البرهان وحلفاؤه هذه النقطة أكثر من غيرها، لذا يتجنبون ذكرها. لكننا نقولها صريحة: العدالة هي روح السلام. مئات الآلاف من الشهداء والمفقودين والمغتصَبين والمعتقلين والمشردين لهم حق لن يسقط. والحرب الحالية وما سبقها من حروب وقمع لن تُطوى صفحتها دون مساءلة شفافة أمام القضاء. لا عفو عن مجرمي الإبادة الجماعية ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية – سواء كانوا من قادة الدعم السريع أو القوات المسلحة أو أجهزة الأمن أو الميليشيات المتحالفة مع أي طرف. إن الحديث عن مستقبل آمن دون محاسبة هو دفن للنفايات السامة تحت بساط البيت، سرعان ما تعود لتلوث الهواء. في هذا السياق، نطالب على الدوام بـمحاكمات علنية لكل من تلطخت يداه بدماء السودانيين منذ الاستقلال، وبتعويضات وجبر ضرر للضحايا، وتخليد ذكرى الشهداء في الذاكرة الوطنية. هذه ليست كمالية رفاهية، ولكنها عماد بناء وطن جديد على أسس سليمة. قد يتذرع البعض بأن التركيز الآن ينبغي أن يكون لوقف النزيف وليس لإثارة ملفات الماضي، ولكن الواقع أن إهمال العدالة يعني نزيفاً مستقبلياً لا ينقطع. ومن يرفض العدالة لا يريد حقاً سلاماً، بل هدنة زائفة ليكرر جرائمه عندما تحين الفرصة.
في ضوء هذه الرسائل، نرى جلياً أن مقال البرهان برمته محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء: إلى زمن يفرض فيه العسكر روايتهم للتاريخ ويكتبون مستقبل البلاد بمداد بنادقهم. لكن هيهات؛ فقد تغيّر الوعي الجمعي للسودانيين بعد ثورة ديسمبر وما تبعها. لن يسمح هذا الجيل بأن يُختزل مصيره بين خياري عسكرة متقاتلة. هناك خيار ثالث هو صوت الشعب، وهذا الصوت قد ضعف تحت هدير المدافع لكنه لم يمت، وسيعلو مجدداً مهما حاولوا تغييبه.
ختاماً: صوت الحقيقة أقوى من بنادق البرهان وعصابته لقد حاول البرهان في مقاله أن يلبس ثوب الحكمة والاتزان، وأن يطرح نفسه حمامة سلام تغرد بالديمقراطية – في تناقض مذهل مع واقع كونه صقراً من صقور الحرب والانقلابات. ولكن كما جاء في خاتمة مقاله: "السلام لا يُبنى على الأوهام، بل على الحقيقة. وفي هذه اللحظة، الحقيقة هي أقوى حليف للسودان". نعم، صدقت في هذه يا برهان رغم أنك أردتها لغيرك: الحقيقة هي أقوى حليف لنا ضد أوهامك وأوهام أمثالك. وحقيقة حرب السودان الدامية أنها اغتصاب ممنهج لوطن على يد من يفترض أنهم حُماته – حقيقة نظام ارتدى زي الشرف ليرتكب أعظم الخيانات.
إن هذه الوثيقة/المقال ليست مجرد تفنيد لمزاعم البرهان، ولكنها صرخة وطن قرر أن يواجه جلاديه بالحقيقة كاملةً دون خوف. إنها مرافعة باسم شعب عانى الأمرّين من عسكرة حياته، وتجويفه حضارياً وإنسانياً. نعلنها واضحة: لقد آن الأوان لإغلاق حقبة حكم العسكر في السودان بلا رجعة. آن أوان الحساب العادل على كل قطرة دم أريقت، وكل عهد نُكث، وكل ثروة نُهبت، وكل كرامة أُهدرت. لا سلام دون عدالة ولا عدالة دون محاسبة. ولا ديمقراطية تحت حراب البنادق.
ختاماً: نوجز المطالب الوطنية التي يُجمع عليها الشرفاء من أبناء السودان، والتي تمثل خارطة طريق نحو سودان جديد بحق:
وقف الحرب فوراً وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في جذورها وأحداثها: يجب التحقيق الفوري في جميع الجرائم والانتهاكات منذ اندلاع الحرب الحالية، وقبلها مجازر فض الاعتصامات وغيرها، لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
محاكمات علنية لكل مجرمي الحرب والفساد من أي جهة كانوا، وضمان عدم إفلات أحد من العقاب. فالعدالة يجب أن تكون عمياء لا تميز بين مجرم ببدلة عسكرية أو مدنية.
تفكيك البنية الحالية للمؤسسة العسكرية والأمنية تفكيكاً شاملاً؛ يشمل حل مراكز النفوذ داخل الجيش، وإخراج الجيش من الاقتصاد بإعادة كل الشركات والممتلكات لوزارة المالية، وإنهاء تغوّل العسكر على السياسة تمهيداً لبناء جيش قومي مهني جديد عقيدته حماية الدستور لا الانقلاب عليه.
دمج وتسريح الميليشيات كافة تحت إشراف مدني، في عملية وطنية شاملة توحد حاملي السلاح في إطار جديد يخضع تماماً للحكومة المدنية، مع إعادة تأهيل من يصلح منهم وإدماجه في جيش أو شرطة محترفة، وتسريح ومحاكمة من يثبت تورطه في جرائم.
رد المظالم وجبر الضرر وتعويض الضحايا ماديّاً ومعنوياً، بدءاً بالاعتراف الرسمي بجرائم الماضي والحاضر، مروراً بتأمين عودة المهجّرين، وتعويض أسر الشهداء والمصابين، وصولاً إلى تضمين تلك الجرائم في المناهج التعليمية حتى لا نسيان بعد اليوم.
تكريم الشهداء وبناء ذاكرة وطنية شريفة، عبر تخليد أسماء وتضحيات من قدموا أرواحهم فداءً للحرية والكرامة، وإعادة الاعتبار لكل من طورد أو شُرّد أو سُجن بسبب نضاله. فذاكرة الشعوب هي وعيها الحيّ، ولا بد أن نحفر في ذاكرة السودان الجمعية ملاحم البطولة في مواجهة الطغيان، بدل قصص مزيفة يمجد فيها الانقلابيون.
هذه المطالب ليست ترفاً ولا انتقاماً؛ إنها أسس ميلاد سودان جديد حرّ، مدني، ديمقراطي. السودانيون لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون حقهم في وطن يقوده أبناؤه المخلصون لا جنرالات القمع. يطلبون جيشاً يحمي الحدود لا ينقلب على العهود. يطلبون عدالة تداوي الجراح بدل سياسة تكتم على الجمر تحت الرماد.
إلى عبد الفتاح البرهان ومن شايعه نقول: لقد انكشف الغطاء وسقط القناع. ولن تنطلي بعد الآن حيلة رسمك نفسك بطلاً فيما تاريخك صفحات من دم وظلم. الشعب الذي صبرت عليه وظننت أنه نسي أو استكان، ما زال قابضاً على جمر حلمه، ولن يسمح لجلاد الأمس أن يتقمص دور المنقذ غداً.
وإلى شعبنا السوداني الأبيّ: أنت صاحب الكلمة الفصل. فلا تُسلم رقبتك ثانيةً لمن خانك أول مرة. تذكر شهداءك ومفقوديك ومعذبيك ومصابيك، واستمسك بحقك غير منقوص. لا تساوم على كرامتك وحريتك مهما ادلهمّت الخطوب. لقد تعلمنا بثمن غالٍ أن من يصنع السلام الحقيقي هو الشعب، لا الجنرال.
وأخيراً، إلى العالم الحر وكل من يهمه استقرار السودان: لا تنخدعوا برواية الطغاة. ما يجري في السودان ليس صراعاً شخصياً ولا نزوة عابرة، ولكنه هو مشهد من كفاح شعب ضد نظام عسكري متوحش. دعمكم الحقيقي لنا يكون بالانحياز إلى قيم الديمقراطية والعدالة، لا إلى من يرفع شعاراتها كذباً. ساعدوا السودان بالضغط من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين ومحاسبة المجرمين ودعم الحكم المدني، وليس بتأييد طرف عسكري ضد آخر. فقد ولى زمن منح البركات للدكتاتوريات بدعوى مكافحة الإرهاب أو حفظ الاستقرار. لا استقرار بلا ديمقراطية، ولا أمان بلا محاسبة، ولا سلام دون أن يسمع صوت الشعب وينتصر.
"فالسلام لا يُبنى على الأوهام، ولكن على الحقيقة المجردة" – والحقيقة اليوم تقول إن فجر السودان الجديد لن يبزغ إلا حين تسقط البنادق عن صدورنا ويعلو صوت الشعب فوق صوت السلاح. وحينها فقط، سيُكتب لهذه البلاد أن تخرج من نفقها المظلم إلى رحاب الحرية والعدالة التي طال انتظارها. المجد والخلود لشهداء السودان، واللعنة على من خانوه... والخزي لكل من يحاول اليوم أن يسرق أحلام شعبه تحت ستار "السلام الزائف" و"الوطنية المدعاة". لقد قال شعبنا كلمته مراراً وتكراراً: حرية... سلام... وعدالة – والثورة خيار الشعب. ولن نرضى بأقل من ذلك ثمناً للسلام الحقيقي الذي نستحقه.
لتنزيل المقالة اضغط الرابط ادناه
https://drive.google.com/file/d/1ZyZl2Y4rw9elX07F5kjQX4uOIvm5lrs7/view?usp=drivesdk

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2025

نحو خطة قومية سودانية لمواجهة التدخّل المصري وحفظ السيادة الوطنية

نحو خطة قومية سودانية لمواجهة التدخّل المصري وحفظ السيادة الوطنية

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com


● تأتي زيارة وزير الخارجية المصري إلى بورتسودان في لحظة حرجة تحيط بالوطن السوداني؛ حربٌ ضروس بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتزاحم مصالح دولية وإقليمية حول مصير السودان وموارده. ومن منطلق الوعي النهضوي والواجب الوطني لكل حادب على مصلحة البلاد والعباد، نؤكّد رفضنا القاطع لأي تدخّل مصري في الشأن الداخلي السوداني مثما نرفض بقية التدخلات المماثلة من الإمارات وروسيا وإيران وتركيا وغيرها. ونقدّم في هذا المقال قراءةً موضوعية لأبعاد ذلك التدخّل بالمعطيات التاريخية والمعاصرة، مع التحذير من استمراره وما يجرّه من استبدالٍ لخيارات السودانيين بقرار خارجي يتعارض مع السلام العادل وإعادة بناء الدولة.

- أولًا: التدخّل العسكري والسياسي المصري وأثره على السيادة الوطنية ظهر بوضوح في التطوّرات الأخيرة؛ إذ تورّط النظام المصري في المشهد الأمني السوداني عبر دعم بقائيين وجماعات ظلّية احترفت القتل وتبديد الموارد. وقد أقرت قيادات سودانية قومية بمشاركة قوات مصرية في غارات جوية استهدفت مواقع مدنية في دارفور وكردفان خلال العام الجاري. والتاريخ يسجّل مأساة ضربة الطيران المصري لقاعدة «الجزيرة أبا» في مارس 1970، التي قادها محمد حسني مبارك حين كان ضابطًا، ضمن حملة لقمع مقاومة الانقلاب العسكري آنذاك. هذه السوابق العسكرية ترافقت مع دعمٍ سياسي ودبلوماسي متصل مارسته القاهرة. فعلى سبيل المثال، تدعم اليوم المجلس العسكري وحكومة الأمر الواقع في بورتسودان دبلوماسيًا ولوجستيًا، ونقلت وسائل مصرية رسائل «تنسيق استراتيجي» من السيسي إلى البرهان تُصوِّر السودان شريكًا مصريًا في مواجهة التوسّع الإثيوبي في ملف النيل، بينما امتنعت سلطة الأمر الواقع عن المطالبة الصريحة بحقوق السودان المائية أو الدفاع عن مكاسبه الزراعية التي خُطِّط لها خلال الفترة الانتقالية. بهذا النهج أضحت الخرطوم ضمن معادلة تحجيم الدور الإثيوبي تحت سقف المصالح المصرية. وفي المقابل، تعلن القاهرة تمسّكها بوحدة السودان وسيادته ورفض أي كيانات موازية أو تدخل أجنبي يهدد استقراره، غير أنّ المجتمع المدني والقيادات الوطنية يرون تعارضًا بين الأقوال والأفعال، لا سيما في ظل تقييد حركة سياسيين سودانيين داخل الأراضي المصرية عبر إجراءات إقامة وموافقات أمنية خانقة. حين تقول مصر رسميًا إنها تحافظ على «كامل سيادة السودان»، تردّ قوى سودانية عديدة بأن التدخّل العسكري المصري في صراعنا الداخلي سافر ومرفوض، وأنه امتدادٌ لنهج تاريخي لا يخدم سوى الحسابات المصرية. والحكومة التي تشن حربًا على شعبها بدعم خارجي لا تمثّل الإرادة الوطنية، ويجب على المجتمع الدولي سحب شرعيتها قبل انهيار ما تبقّى من أمن البلاد. هذه الخلاصة تغذّيها خبرة سودانية طويلة مع «وهم الوحدة التاريخية»؛ فالقاهرة، منذ الاستقلال، لم تكفّ عن الاستثمار في أنظمة عسكرية جعلت الجيش أداةً لمصالحها، بدءًا من انقلابات 1958 و1969 و1989.

- ثانيًا: السعي المصري لاحتكار الموارد السودانية حقيقةٌ لا تخفى. ثروات السودان الزراعية والمعدنية ركيزةٌ للأمن الغذائي والطاقة في الإقليم، ومصر ترى في السودان خزّانًا طبيعيًا لهذه الموارد. أشارت دراسات محلية إلى استثمارات مصرية تقدّر بنحو عشرة مليارات دولار في الأراضي الزراعية ومشروعات متنوعة، على أساس ضمان إمدادات رخيصة تلبي احتياجات سوقٍ يفوق مئة مليون مستهلك. غير أنّ الاستثمارات الرسمية لا تحكي القصة كاملة؛ إذ توسّعت أثناء الفوضى الأمنية عمليات تهريب الذهب إلى مصر بصورة لافتة. تقارير متعددة قدّرت المهرَّب من إنتاج السودان منذ أبريل 2023 بنسبة تراوح بين 50 و70%، وذكر مسؤولون مطّلعون أن مصر تستقبل قرابة ستة أطنان شهريًا عبر منافذ ومعابر رسمية وغير رسمية، بمشاركة متنفّذين في ملف التعدين. وأكّد البنك المركزي أن معظم الذهب المنتج يُهرَّب إلى دولٍ بينها مصر والإمارات، فينزف بذلك الاقتصاد السوداني مليارات الدولارات اللازمة لاستيراد السلع الأساسية كالقمح والوقود. هذه المؤشرات تفضي إلى انتقال مركز الثقل في سياسات تسييل الذهب إلى شبكات مرتبطة باتجاهٍ مصري، بعيدًا عن بوصلات الاستثمار المُعلنة.

- إلى جانب الذهب، تُوظِّف القاهرة السيطرة الفعلية على تدفقات مياه النيل كأداة ضغط. فالاتفاقية الثنائية لتقسيم المياه عام 1959 منحت مصر 48 مليار متر مكعب سنويًا مقابل 18.5 مليار للسودان وفق حسابات لاحقة، فيما جرى تثبيت المعادلة مع قيام السد العالي وتنسيق المشروعات. وخلال العقدين الماضيين تعزّز الارتباط؛ إذ نادرًا ما طُرح مشروع مائي سوداني من دون مراعاة الموقف المصري أو إشراكه. هذا المسار ظهر في ملف سد النهضة، وفي اشتراطات دائمة لمعادلات «عدم الإضرار بالمصالح المصرية». ويضاف إلى ذلك هيمنة السوق المصرية على سلع سودانية أساسية ببيئة تنافس غير متكافئة، فتآكلت صناعات محلية وفُرضت تبعية تجارية خفية.

- ثالثًا: تعطيل المشروعات الاستراتيجية السودانية أصبح سلوكًا مُقلقًا. حين طرحت الحكومة الانتقالية إنشاء «بورصة السودان العالمية للذهب»، برزت ضغوط خارجية أبطأت التنفيذ، مع أنّ البورصة كانت ستعالج التسييل المنفلت وتزيد شفافية العائدات. وفي ملف «الفشقة» الحدودي—أراضٍ زراعية مطرية سودانية متنازع عليها مع إثيوبيا—أبدت القاهرة حساسية مفرطة؛ دعمت إخراج الإثيوبيين تحت شعار وحدة أراضينا، غير أنّ الهدف يُفهم ضمن حرصٍ على إبقاء التأثير المصري في مناطق الري وتعطيل الاستفادة القصوى من حصة السودان المائية، وهو ما تفاقم بعد انقلاب 2021 وتوقف المشروعات المروية، فاندفع ما لا يُستغل من حصة السودان عمليًا نحو الشمال. وفي المقابل، تزايد التعاون العسكري المصري–السوداني عبر تدريبات مشتركة «نسور النيل» وأنشطة بحر أحمر، الأمر الذي يُظهر رغبةً في تشكيل قرارات تنفيذية موحّدة. وعلى مستوى الطاقة، تنظر القاهرة إلى مشروعات التوليد والكهرباء والمياه—خاصة المرتبطة بالنيل—بوصفها شأنًا ينبغي أن يتم تحت مظلتها أو بإشراف شركاتها، ما ضيّق مساحات المبادرات السودانية المستقلة.

- رابعًا: إنتاج نخبٍ سودانية مُستتبَعة عبر مسارات التدريب والتأهيل صار مسارًا ممنهجًا. تمتلك مصر منظومة واسعة لمدّ النفوذ المؤسسي—مدارس عسكرية، جامعات دينية، مراكز بحث وتدريب—واستُخدمت لصياغة بيئات فكرية محافظِة داخل السودان. ففي فبراير 2025 نظّم «المركز الدولي لتسوية النزاعات» التابع للخارجية المصرية دورةً لكوادر دبلوماسية سودانية حول «بناء السلام وإعادة الإعمار ما بعد النزاعات»، ووصِفت الخطوة بأنها تعزيزٌ للقدرات السودانية وريادة مصر في الإعمار الإفريقي. الخطاب يبدو تنمويًا، غير أن مآلاته السياسية واضحة؛ إذ يستهدف مواءمة عقول صُنّاع القرار مع مقاربة «مصر الدولة الكبرى» وضرورات «التنسيق الاستراتيجي»، وقد رأينا تفويج قيادات من قمة هرم مجلس الوزراء وإداراته إلى برامج تدريبية في مصر، على نحوٍ أحكم الاستتباع بدل أن يوسّع استقلال القرار.

- خامسًا: ضرورة استقلال القرار السوداني وتحذيرٌ من تبعية الخيارات. ما تقدم كافٍ لتنبيه المواطنين قبل النخب إلى خطورة استمرار هذا المسار. السيادة الوطنية تعني ألا تُصاغ حياة البلاد وقراراتها بإرادة خارجية مهما كان الغطاء. والقاعدة الضابطة: لا اتفاقيات ثنائية تنتقص من حقوق السودان أو تقزّم قراره. شعبنا اليوم يأكل وجبة واحدة فيما تتدفق ثرواته المهربة إلى الخارج على أيدي مستتبَعين، ومن حقه أن يقرّر مصيره عبر مسار مدني كامل. أما التحالفات الدبلوماسية والإعلامية المفروضة بضغطٍ خارجي، فيجب أن تقابلها جبهة داخلية مدنية موحّدة ترفض الإملاء، وتستعيد استقلالية الوساطة السودانية في كل الملفات، وتبني إطارًا وطنيًا مشتركًا لتحمّل المسؤولية.

● ختامًا: يمكن رسم علاقة سودانية–مصرية على أساس الندية والمصلحة المتبادلة؛ احترامٌ متبادل وتبادل منافع وموارد، وحوارٌ سياسي مفتوح، لا إخضاع ولا تبعية. ويتطلّب ذلك ترسيخ مبادئ التعاون العادل، وإعادة النظر في الاتفاقيات القائمة بما يعكس حق السودان في موارده وقراره السياسي. السودان يستحق حكمًا مدنيًا عصريًا يعبّر عن تطلعات شعبه، لا وصاية أجنبية. تلك هي الطريق الأقصر إلى سلامٍ عادلٍ وتنميةٍ متوازنةٍ تخدم الشعبين، وتُجنّب المنطقة كلفة نظريات الاستتباع التي تنقل شرر الأزمات إلى الجوار وتؤجّج صراعات لا طاقة لأحد بها.


عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com

orwaalsadig@