الثلاثاء، 11 نوفمبر 2025

نحو خطة قومية سودانية لمواجهة التدخّل المصري وحفظ السيادة الوطنية

نحو خطة قومية سودانية لمواجهة التدخّل المصري وحفظ السيادة الوطنية

عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com


● تأتي زيارة وزير الخارجية المصري إلى بورتسودان في لحظة حرجة تحيط بالوطن السوداني؛ حربٌ ضروس بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتزاحم مصالح دولية وإقليمية حول مصير السودان وموارده. ومن منطلق الوعي النهضوي والواجب الوطني لكل حادب على مصلحة البلاد والعباد، نؤكّد رفضنا القاطع لأي تدخّل مصري في الشأن الداخلي السوداني مثما نرفض بقية التدخلات المماثلة من الإمارات وروسيا وإيران وتركيا وغيرها. ونقدّم في هذا المقال قراءةً موضوعية لأبعاد ذلك التدخّل بالمعطيات التاريخية والمعاصرة، مع التحذير من استمراره وما يجرّه من استبدالٍ لخيارات السودانيين بقرار خارجي يتعارض مع السلام العادل وإعادة بناء الدولة.

- أولًا: التدخّل العسكري والسياسي المصري وأثره على السيادة الوطنية ظهر بوضوح في التطوّرات الأخيرة؛ إذ تورّط النظام المصري في المشهد الأمني السوداني عبر دعم بقائيين وجماعات ظلّية احترفت القتل وتبديد الموارد. وقد أقرت قيادات سودانية قومية بمشاركة قوات مصرية في غارات جوية استهدفت مواقع مدنية في دارفور وكردفان خلال العام الجاري. والتاريخ يسجّل مأساة ضربة الطيران المصري لقاعدة «الجزيرة أبا» في مارس 1970، التي قادها محمد حسني مبارك حين كان ضابطًا، ضمن حملة لقمع مقاومة الانقلاب العسكري آنذاك. هذه السوابق العسكرية ترافقت مع دعمٍ سياسي ودبلوماسي متصل مارسته القاهرة. فعلى سبيل المثال، تدعم اليوم المجلس العسكري وحكومة الأمر الواقع في بورتسودان دبلوماسيًا ولوجستيًا، ونقلت وسائل مصرية رسائل «تنسيق استراتيجي» من السيسي إلى البرهان تُصوِّر السودان شريكًا مصريًا في مواجهة التوسّع الإثيوبي في ملف النيل، بينما امتنعت سلطة الأمر الواقع عن المطالبة الصريحة بحقوق السودان المائية أو الدفاع عن مكاسبه الزراعية التي خُطِّط لها خلال الفترة الانتقالية. بهذا النهج أضحت الخرطوم ضمن معادلة تحجيم الدور الإثيوبي تحت سقف المصالح المصرية. وفي المقابل، تعلن القاهرة تمسّكها بوحدة السودان وسيادته ورفض أي كيانات موازية أو تدخل أجنبي يهدد استقراره، غير أنّ المجتمع المدني والقيادات الوطنية يرون تعارضًا بين الأقوال والأفعال، لا سيما في ظل تقييد حركة سياسيين سودانيين داخل الأراضي المصرية عبر إجراءات إقامة وموافقات أمنية خانقة. حين تقول مصر رسميًا إنها تحافظ على «كامل سيادة السودان»، تردّ قوى سودانية عديدة بأن التدخّل العسكري المصري في صراعنا الداخلي سافر ومرفوض، وأنه امتدادٌ لنهج تاريخي لا يخدم سوى الحسابات المصرية. والحكومة التي تشن حربًا على شعبها بدعم خارجي لا تمثّل الإرادة الوطنية، ويجب على المجتمع الدولي سحب شرعيتها قبل انهيار ما تبقّى من أمن البلاد. هذه الخلاصة تغذّيها خبرة سودانية طويلة مع «وهم الوحدة التاريخية»؛ فالقاهرة، منذ الاستقلال، لم تكفّ عن الاستثمار في أنظمة عسكرية جعلت الجيش أداةً لمصالحها، بدءًا من انقلابات 1958 و1969 و1989.

- ثانيًا: السعي المصري لاحتكار الموارد السودانية حقيقةٌ لا تخفى. ثروات السودان الزراعية والمعدنية ركيزةٌ للأمن الغذائي والطاقة في الإقليم، ومصر ترى في السودان خزّانًا طبيعيًا لهذه الموارد. أشارت دراسات محلية إلى استثمارات مصرية تقدّر بنحو عشرة مليارات دولار في الأراضي الزراعية ومشروعات متنوعة، على أساس ضمان إمدادات رخيصة تلبي احتياجات سوقٍ يفوق مئة مليون مستهلك. غير أنّ الاستثمارات الرسمية لا تحكي القصة كاملة؛ إذ توسّعت أثناء الفوضى الأمنية عمليات تهريب الذهب إلى مصر بصورة لافتة. تقارير متعددة قدّرت المهرَّب من إنتاج السودان منذ أبريل 2023 بنسبة تراوح بين 50 و70%، وذكر مسؤولون مطّلعون أن مصر تستقبل قرابة ستة أطنان شهريًا عبر منافذ ومعابر رسمية وغير رسمية، بمشاركة متنفّذين في ملف التعدين. وأكّد البنك المركزي أن معظم الذهب المنتج يُهرَّب إلى دولٍ بينها مصر والإمارات، فينزف بذلك الاقتصاد السوداني مليارات الدولارات اللازمة لاستيراد السلع الأساسية كالقمح والوقود. هذه المؤشرات تفضي إلى انتقال مركز الثقل في سياسات تسييل الذهب إلى شبكات مرتبطة باتجاهٍ مصري، بعيدًا عن بوصلات الاستثمار المُعلنة.

- إلى جانب الذهب، تُوظِّف القاهرة السيطرة الفعلية على تدفقات مياه النيل كأداة ضغط. فالاتفاقية الثنائية لتقسيم المياه عام 1959 منحت مصر 48 مليار متر مكعب سنويًا مقابل 18.5 مليار للسودان وفق حسابات لاحقة، فيما جرى تثبيت المعادلة مع قيام السد العالي وتنسيق المشروعات. وخلال العقدين الماضيين تعزّز الارتباط؛ إذ نادرًا ما طُرح مشروع مائي سوداني من دون مراعاة الموقف المصري أو إشراكه. هذا المسار ظهر في ملف سد النهضة، وفي اشتراطات دائمة لمعادلات «عدم الإضرار بالمصالح المصرية». ويضاف إلى ذلك هيمنة السوق المصرية على سلع سودانية أساسية ببيئة تنافس غير متكافئة، فتآكلت صناعات محلية وفُرضت تبعية تجارية خفية.

- ثالثًا: تعطيل المشروعات الاستراتيجية السودانية أصبح سلوكًا مُقلقًا. حين طرحت الحكومة الانتقالية إنشاء «بورصة السودان العالمية للذهب»، برزت ضغوط خارجية أبطأت التنفيذ، مع أنّ البورصة كانت ستعالج التسييل المنفلت وتزيد شفافية العائدات. وفي ملف «الفشقة» الحدودي—أراضٍ زراعية مطرية سودانية متنازع عليها مع إثيوبيا—أبدت القاهرة حساسية مفرطة؛ دعمت إخراج الإثيوبيين تحت شعار وحدة أراضينا، غير أنّ الهدف يُفهم ضمن حرصٍ على إبقاء التأثير المصري في مناطق الري وتعطيل الاستفادة القصوى من حصة السودان المائية، وهو ما تفاقم بعد انقلاب 2021 وتوقف المشروعات المروية، فاندفع ما لا يُستغل من حصة السودان عمليًا نحو الشمال. وفي المقابل، تزايد التعاون العسكري المصري–السوداني عبر تدريبات مشتركة «نسور النيل» وأنشطة بحر أحمر، الأمر الذي يُظهر رغبةً في تشكيل قرارات تنفيذية موحّدة. وعلى مستوى الطاقة، تنظر القاهرة إلى مشروعات التوليد والكهرباء والمياه—خاصة المرتبطة بالنيل—بوصفها شأنًا ينبغي أن يتم تحت مظلتها أو بإشراف شركاتها، ما ضيّق مساحات المبادرات السودانية المستقلة.

- رابعًا: إنتاج نخبٍ سودانية مُستتبَعة عبر مسارات التدريب والتأهيل صار مسارًا ممنهجًا. تمتلك مصر منظومة واسعة لمدّ النفوذ المؤسسي—مدارس عسكرية، جامعات دينية، مراكز بحث وتدريب—واستُخدمت لصياغة بيئات فكرية محافظِة داخل السودان. ففي فبراير 2025 نظّم «المركز الدولي لتسوية النزاعات» التابع للخارجية المصرية دورةً لكوادر دبلوماسية سودانية حول «بناء السلام وإعادة الإعمار ما بعد النزاعات»، ووصِفت الخطوة بأنها تعزيزٌ للقدرات السودانية وريادة مصر في الإعمار الإفريقي. الخطاب يبدو تنمويًا، غير أن مآلاته السياسية واضحة؛ إذ يستهدف مواءمة عقول صُنّاع القرار مع مقاربة «مصر الدولة الكبرى» وضرورات «التنسيق الاستراتيجي»، وقد رأينا تفويج قيادات من قمة هرم مجلس الوزراء وإداراته إلى برامج تدريبية في مصر، على نحوٍ أحكم الاستتباع بدل أن يوسّع استقلال القرار.

- خامسًا: ضرورة استقلال القرار السوداني وتحذيرٌ من تبعية الخيارات. ما تقدم كافٍ لتنبيه المواطنين قبل النخب إلى خطورة استمرار هذا المسار. السيادة الوطنية تعني ألا تُصاغ حياة البلاد وقراراتها بإرادة خارجية مهما كان الغطاء. والقاعدة الضابطة: لا اتفاقيات ثنائية تنتقص من حقوق السودان أو تقزّم قراره. شعبنا اليوم يأكل وجبة واحدة فيما تتدفق ثرواته المهربة إلى الخارج على أيدي مستتبَعين، ومن حقه أن يقرّر مصيره عبر مسار مدني كامل. أما التحالفات الدبلوماسية والإعلامية المفروضة بضغطٍ خارجي، فيجب أن تقابلها جبهة داخلية مدنية موحّدة ترفض الإملاء، وتستعيد استقلالية الوساطة السودانية في كل الملفات، وتبني إطارًا وطنيًا مشتركًا لتحمّل المسؤولية.

● ختامًا: يمكن رسم علاقة سودانية–مصرية على أساس الندية والمصلحة المتبادلة؛ احترامٌ متبادل وتبادل منافع وموارد، وحوارٌ سياسي مفتوح، لا إخضاع ولا تبعية. ويتطلّب ذلك ترسيخ مبادئ التعاون العادل، وإعادة النظر في الاتفاقيات القائمة بما يعكس حق السودان في موارده وقراره السياسي. السودان يستحق حكمًا مدنيًا عصريًا يعبّر عن تطلعات شعبه، لا وصاية أجنبية. تلك هي الطريق الأقصر إلى سلامٍ عادلٍ وتنميةٍ متوازنةٍ تخدم الشعبين، وتُجنّب المنطقة كلفة نظريات الاستتباع التي تنقل شرر الأزمات إلى الجوار وتؤجّج صراعات لا طاقة لأحد بها.


عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com

orwaalsadig@