جرس .. إنهيار التعليم في السودان
• خلال الحملة الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2008م، ناقش الرئيس باراك أوباما القضايا التعليمية والعرقية مستخدما الأمومة كإطار لخطة عمله، بالإضافة لتناول قضايا كثيرة كمكافحة الإرهاب وخفض البطالة، ولكنه ظل يركز طوال حملته الانتخابية على ملف التعليم وبصورة أساسية، مع العلم أن أوضاع التعليم في الولايات المتحدة تفوق تميز التعليم في أفضل الدول في منطقتنا ومحيطنا العربي والإفريقي، وهو الأمر الذي حدا بكثير من الجامعات والمؤسسات التعليمية الأمريكية الانخراط كمتطوعين في حملته ميدانيا وداعمين على الأسافير ، وهو الأمر الذي قاده إلى سدة حكم أعظم دولة.
• في الغرب وبصورة خاصة إذا ما نظرنا إلى جدول أعمال القمم الأوروبية التي انتظمت السنوات الخمس الماضية ظل يركز على أمن الطاقة، ومكافحة المرض، وتعزيز التعليم، ومكافحة الإرهاب، والمناخ، ومنع انتشار الأسلحة، والهجرة، وللمرة الأولى كان التعليم هو المسيطر على النقاشات العامة في ألمانيا، لا ضرائب أو القضايا أخرى، وقد كان التعليم هو مركز النقاش العام إلى أن جاءت أزمة الحرب الروسية الأوكرانية وحازت الإهتمام الأكبر.
• وتستضيف فرنسا بدورها المعهد الدولي للتخطيط التربوي في باريس والذي مهمته نشر الموارد الرئيسية لصياغة سياسات تعليمية ولاتخاذ القرارات المهمة في قضايا التعليم، والذي ظل يلاحق المؤسسات الفرنسية والأوروبية ودوائر القرار الدولي بضرورة إيلاء التعليم أقصى درجات الإهتمام وإقحامه كجند أهم ضمن أجندة تلك الدول.
• كما أن روسيا ظلت تولي التعليم الإهتمام الأقصى حتى في ظل ظروف الحرب الحالية بل لم تتأثر أوجه صرفها على التعليم وظلت تبث إعلانات ترويجية لتثبت أنها الوجهة الأفضل للتعليم وهي الشريك الأمثل والمناسب لكل من يرغب في التعليم من كل دول العالم.
• وفي المنطقة الأسيوية نجد أن دول كماليزيا نهضت بالتعليم وجودته، وقاد ذلك لمحاولات تقليدها من الفلبين واندنوسيا وغيره، ونجد في الصين التي تعد صاحبة أعلى كثافة سكانية ، أن التعليم في سقف أولوياتها وهي التي تستضيف أكبر المؤتمرات التعليمية في العالم بصورة راتبة، كما ظلت الحكومات الهندية المتعاقبة تعمل بجد على قضايا مثل التعليم، الفقر، الرعاية الصحية و البيئة، ومثلت قضية التعليم أهم محاور مرشحي الانتخابات الهندية.
• أما في محيطينا الإفريقي والعربي فهناك نماذج تعليمية أوصلت مؤسساتها إلى قوائم التميز الإقليمي والدولي فدوننا رواندا التي خرجت من ركام الإبادة الجماعية وجنوب إفريقيا التي نهضت من قمقم الفصل العنصري، والخليج العربي الذي بدأ نهضته في منتصف سبعينيات القرن الماضي وأسهم سودانيون في تأسيس نماذجه التعليمية.
• وقد ارتفعت الأصوات الدولية المهتمة بالتعليم بصورة أقوى في الاجتماع العام رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة المخصص لمتابعة نتائج الدورة الاستثنائية المتعلقة بالأطفال، المعقودة في ديسمبر 2007م، والذي قدمت فيه عدد من المؤسسات بياناً تلقي فيه الضوء على قضايا التعليم، وإلزاميته للأطفال، واشتراك الأطفال في عملية التعليم، وصد العنف الموجَّه ضد الأطفال، إلا أن الأمر ظل يثار مرة تلو أخرى في كل دورة إنعقاد.
• وخلال السنوات الأخيرة وفي أروقة عدد من البرلمانات والمؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية والهيئات الإفريقية والعربية، سُلطت الأضواء على القضايا التي تهم الشعوب في ما يتعلق بالتمييز والعمالة والهجرة والإسكان إلى جانب قضايا التعليم والبيئة، وكثر الحديث عن ضرورة تحقيق مشاركة المجتمعات المحلية في قضايا التعليم، وتم التركيز على المجتمعات المتخلفة في أفريقيا جنوب الصحراء وفي بلدان عديدة أخرى، وسيما في المناطق النامية، وتم التأكيد على حقيقة أن قضايا التعليم والتدريب وصحة السكان الريفيين لم تنل اهتماما كافيا في تلك المناطق والدول.
• كما تم التسليم بأن قضايا السكان والتنمية، والتعليم والتدريب، والصحة، والتغذية، والبيئة، وتوفير المياه، والصرف الصحي، والإسكان والاتصالات، والعلم، والتكنولوجيا، وفرص العمل تمثِّل عناصر مهمة في القضاء بشكل فعال على الفقر في تلك المناطق وذلك ما يرفع قدرات الشباب ويمهد سبيل النهوض بالفتيات والنساء وتمكينهن.
• وانعقدت مئات المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية وناقش الكثير من ممثلي الشعوب والسكان الأصليين قضايا التعليم التي كان من بينها: "سوء البني التحتية، وانهيار مثلث العملية التعليمية (المنهج، المعلم، المتعلم)، ورداءة السياسات الحكومية التعلمية، وشح التمويل الحكومي والدولي"، الأمر الذي أدى لضعف معدلات البقاء في المدارس، وقاد لازدياد نسبة التسرب للتلاميذ، وتدني مستويات التحصيل الأكاديمي، وتراجع نسبة التخرج في المراحل التعليمية الأولية (الإلزامية)، وتبعا لذلك اعتُبرت قضايا التعليم، والماء، والتنمية الاقتصادية المحلية من بين الأولويات الرئيسية.
• وظلت الإشارة حاضرة في تلك المؤتمرات للمجتمعات المتضررة من النزوح واللجوء جراء الحروب والنزاعات والأزمات والكوارث الإنسانية والطبيعية، وتم التشديد على ضرورة توفير التعليم لتلك القطاعات المتأثرة، والتوصية الملحة على حماية الأطفال، وظلت تلك البلدان تعمل على تعزيز سبل الربط بين قضايا التعليم والحماية، وقد استندت في توصياتها على رصيد ذاخر من المعاهدات والاتفاقيات والصكوك الدولية التي تؤكد على ضرورة ذلك والواردة نصا في كل من الآتي:
1. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( 1948م ، المادة 26).
2. اتفاقية حقوق الطفل ( 1989م).
3. الاتفاقية المتعلقة بوضع اللاجئين ( 1951م ، المادة 22).
4. العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966م).
5. البند الخاص بشأن الاعتراف بالحق في التعليم في حالات الطوارئ ( 2010 / قرار 290 ) الجمعية العامة للأمم المتحدة (64).
6. هدف التنمية المستدامة رقم (4).
7. إعلان إنتشيون: التعليم 2030م.
8. المعايير الدنيا للتعليم للشبكة المشتركة بين الوكالات للتعليم في حالات الطوارئ 2016م.
9. استراتيجية المفوضية التعليمية 2012م.
10. وغيرها من المواثيق والاتفاقيات والعهود التي تناولت مجات التعاون بين المنظمات والدول في قضايا التعليم الأولي، والبيئة، وقضايا السكان، وتنمية الموارد البشرية في المناطق الريفية، وبرامج الإصلاح المؤسسي.
● ما دفعني لتناول الموضوع:
• رغم كل هذه الجهود الإقليمية والدولية الممتازة نظريا، إلا أن الأوضاع التعليمية في بلداننا العربية والإفريقية وخصوصا السودان تغاير تماما التوجه الدولي والإقليمي وتدابره، ويشهد السودان هذه السنة ما يمكن تسميته بعام (الرمادة التعليمية)، إذ تأثرت العملية التعليمية في السودان في كل مستوياتها الأساسية والعامة والمتوسطة والعليا قد تؤدي تلك التأثيرات لإنهيار المنظومة التعليمية في البلاد ما لم يتم تداركها.
• وبالإمكان حشد هذه المقالة بحيثيات وبيانات وأعداد وتقارير وأرقام مفزعة عن أوضاع التعليم في السودان، من التي عكفت على إعدادها حكومة الأمر الواقع بعد (انقلاب 25 أكتوبر 2021م)، وتقارير منظمات كاليونيسكو ووكالات الغوث الإقليمية والدولية، ولكنني سأمضي قدما لأسهم بما أعلمه لتدارك إنهيار التعليم في السودان.
• وقد قمت بذلك لطغيان الشأن السياسي على القضايا الأخرى ولأن القليل جداً من الناس يُبدون انتباهاً لقضايا التعليم، والتي من شأنها أن تُقوِّض حلم أرض التعليم الموعودة لكل طفل في العالم التي كان ينشدها الفلاسفة منذ ستينيات القرن الماضي، وكذلك لتزايد آراء الخبراء الاقتصاديين المختصين في مجال التنمية كدكتور إبراهيم البدوي، والذين أكدوا أن الاقتصاد وحده لا يمكنه معالجة أزمات البلاد، فالعلاج لمتلازمة التخلف التنموي والإنهيار الاقتصادي مدخله اتجاهين هما الفعالية السياسية، وتوفير التعليم.
• بالإضافة لأن القضايا الحكومية والسياسية تمثل غالبية الأخبار الرائجة في وسائل الإعلام، ونسبة تقل عن ثلث الصحفيين ووسائل الإعلام يقومون بتغطية قضايا التعليم، الصحة، الاقتصاد والبيئة. في ظل واقع هيمنت عليه قضايا ثنائيات الموضة والحشمة، والفن والدعاة، الاستلاب والانكفاء، وغاب الاهتمام بحياة الإنسان وقضاياه الحقيقية كتعليم الأطفال، ورعاية الرُضّع الذين يعانون من نقص غذائي حاد فصلته في مقال سابق.
● رأيي:
عليه أرى من الضرورة بمكان الإسراع لتصميم برنامج طوارئ تعليمية، كالطواريء الأمنية والإقتصادية والصحية التي كونت لها لجان، يسهل هذا البرنامج الحصول على التعليم ويحافظ على البنية التعليمية الموجدة لمنعها من الأنهيار، ويقوم ذلك البرنامج على الآتي:
1. تبني إحدى الصروح التعليمية والتربوية والأحزاب السياسية والقوى الإجتماعية ورجال الأعمال والقوى المدنية والقطاعات المهنية والفئوية إنعقاد مؤتمر للطواريء التعليمية ليستوعب جميع وجهات النظر المتعددة، ويشمل كافة الجهات والكيانات والثقافات ويلخص رؤاها في القضايا التعليمية ويمكن تلك المجتمعات من تبادل الخبرات الشخصية/ الجماعية المتحصل عليها من تلك البيئات المختلفة.
2. يتبنى هؤلاء المؤتمرين برنامج عمل مدته عام دراسي لثمانية أشهر ويمولوه كما تم تمويل الطوارئ الصحية، يشمل المعلمين والطلاب وخريجي كليات التربية، في هذا البرنامج يتدرب هؤلاء على استراتيجيات فعالة لإدارة العملية التعليمية.
3. العمل على حشد كل الطاقات التعليمية والخبرات الأكاديمية في هذا المجال فأساتذتنا السودانيون خبراء ويحملون شهادات من مؤسسات مرموقة وقد استفادوا من فهم أوسع للقضايا التعليمية من مختلف أركان المعمورة، ولأن الحاجة ملحة لعقد حلقات عمل دولية منتظمة حول قضايا التعليم، تهدف لمعالجة ما نحن فيه ومن جانب آخر تحقق تدريب الأخصائيين الوطنيين وتبادل أفضل الخبرات في هذا المجال.
4. التركيز على الدور الإقليمي والدولي وتأثيره ودعمه للقضايا التعليمية الوطنية والدولية، والتحدث معهم بإلحاح وبصورة مستمرة لتبني موقف جاد تجاه القضايا التعليمية والتدريب، فالحاجة ماسة إلى توثيق التعاون الإقليمي في تلك القضايا.
5. حث الجهات المعنية بتعليم الطفل، سواء كان ذلك في الوزارات الاتحادية أو الولائية، بالشروع الفوري في حملات للتوعية على أوسع نطاق بخطر إنهيار العملية التعلمية وإشراك المجتمعات المحلية والقادة التقليديين للعمل بجد على قضايا التعليم المتصلة بالأطفال وبالأخص صغار البنات، وعمل نفير عام لصيانة المرافق التعليمية المتأثرة بالكوارث الطبيعية.
6. السعي الحثيث لتسهيل وصول التقنيات التعلمية التي تتبرع بها جهات خيرية إقليمية ودولية للمجتماعات الريفية لأنها الأسرع والأكثر كفاءة، والأدوات الأكثر إبهاراً للأطفال، والتي يمكنك امتلاكها بسهولة لسد الاحتياجات الأساسية في العملية التعليمية وفي الحياة بما فيها أدوات الصحة والبيئة.
7. على القطاعات النسوية والشبابية المختلفة أن تكرس نفسها لخدمة قضايا التعليم، والرفاه الاجتماعي، وإحداث تغييرات نوعية في القوانيين والخطط الخاصة بالتعليم بهدف تحقيق المساواة النوعية في الحصول على التعليم.
8. كل هذا يتطلب ضرورة العمل السياسي بجد لإنهاء حالة السيولة السياسية الحالية في البلاد، بما يمكن من استعادة العمل الذي أنجز على مدى سنوات الانتقال بقوة في قضايا التعليم والسلام واللاعنف، والمساواة في الحقوق والرعاية الجيدة لجميع الأطفال والشباب، والحفاظ على نسب التمويل التي أُقرت وقتئذ منم وزارة المالية وزيادتها باطراد للحاق بركب الأمم من حولنا.
● ختاما: واقعنا التعليمي في المنطقة والإقليم والسودان يحتاج إلى إنشاء مراكز البحوث التي تدرس قضايا التعليم وتدسها، وخلق فرص عملٍ مجزية وإنشاء رؤوس الأموال التي تدعم العملية التعليمة ، على أن تضطلع تلك المراكز برسم ثمّ تأييد السياسات التي تحض على التعليم في مجتمعاتنا، وهذا الأمر لا يقع على عاتق البلدان فقط بل ينبغي توسيع برامج الدعم والتدريب الداخلي في الدول التي ترعاها المنظمات غير الحكومية في الأمم المتحدة لفائدة الشابات والشباب من أجل التطوع والعمل على التوعية بقضايا التعليم وتكوين مراكز فدرالية ومحلية وريفية أكثر تأثيرا وفعالية.
وأن تقوم المنظمات الإقليمية والدولية مثل اليونسكو، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والاتحاد الإفريقي، والمهتمين بالتعليم والبيئة والصحة في مجلس الوزراء العرب، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومنظمات أخرى بمساعدة المنطقة على معالجة قضايا التعليم.
● أخيرا: كل هذا سيكون هباء منثورا ما لم تضع الحكومة السودانية رؤية شاملة تراعي هذه الأبعاد الثلاثية وتضعها في الاعتبار المتمثلة قضايا: التعليم، والصحة، والأمن والسلامة العامة، وتضمنها كجزء أساسي من استراتيجية إنمائية قومية شاملة تغطي جميع هذه المجالات وترصد لها ما يكفي من الموازنة العامة للدولة.
___________________________
@orwaalsadig