الأربعاء، 18 ديسمبر 2024

في ذكرى 19 ديسمبر: محاولات تصفية ثورة ذكية بحرب الأغبياء


في ذكرى 19ديسمبر: محاولات تصفية ثورة ذكية بحرب الأغبياء

 

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 

`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`


● يتنامى قلقي حقًا كلما تطاولت أيام الحرب لأنها لا تسعى لإنهاء ما سمي بالتمرد وإنما تتآمر سلطة الاستبداد وأيادي الظلم والظلام وتتحالف مع القوى الدكتاتورية المتسلطة لإسكات المجتمع المدني، تُرى ما هي خُطتهم؟ وأد الثورة وطرد قواها الحية وإسكات أصوات المواطنين من المؤسسات المدنية والسماح للسدنة والفلول و الشركات الفاسدة والمجتمعات الغنية المنتفعة بإدارة دفة الأمور في البلاد والتحكم في مصائرنا، هذا أمر غير مقبول ومثير للسخط والغضب، فهو ذات الأمر الذي حفز السودانيين للنهوض في 19 ديسمبر 2018م!

- منذ اندلاع الحرب في 2023م وحتى الأسابيع القليلة الماضية، تلقى عدد كبير من رفاقنا و زملائنا وأصدقائنا في القوى المدنية والكيانات الاجتماعية وتنظيمات الشباب والنساء وغرف الطوارئ وعدد المنظمات غير الحكومية العاملة في الغوث الإنساني والعون الحقوق والرصد للانتهاكات رسائل تحذيرية و تهديدية جماعية وفردية، تهددهم من الانخراط في أعمال الحملات الثورية أو إحياء ذكرى ديسمبر المجيدة والتي تعتبرها السلطة "خطراً على بروباغندا الحرب". وهذا يوضح لنا ما هي الأسباب الرئيسية لإخضاع هذه القوى المدنية لتقويض أركان الثورة ومحو شعاراتها واحدا تلو الآخر، ابتداء بتكميم الأفواه الذي يئد الحريات، وتسعير الحرب الذي يقطع الطريق أمام كل نداءات (لا للحرب – نعم للسلام)، وتدجين المؤسسات العدلية لتمكين الجناة من الإفلات من العقاب وجعل مؤسسات العدالة سيفا مسلطا على رقاب كل من شارك أو ساهم أو نشط أو دعم مسيرة ثورة ديسمبر المجيدة.

- في ذكرى الثورة المجيدة نحن مطالبون بإنقاذ حملة الكلمة، وإعلاء أصواتهم لإسكات أصوات البنادق التي يحملها أصحاب الأجندة التمزيقية لتاريخ الثورة، لأن هذا الهجوم ليس المنظم على قوى الثورة ليس سوى البداية، فاليوم تُستهدف القوى الثورية والكيانات المدنية والجماعات النسوية والمهنية والشبابية وتجمعات النازحين واللاجئين وتعادى المنصات الديمقراطية والإعلاميون الأحرار والمحامون الشرفاء. وغدًا تستهدف أي مجموعة تدافع تنادي بالـ(الحرية والسلام والعدالة) وتباد المجتمعات المهمشة، وتنتهك حقوق الأقليات وتضيع مطالب العمال، وتسكت أصوات السودانيين الذين يرنون لغد أفضل.

- منذ فض الاعتصام في 2019م لم تتوقف القوى العسكرية متحالفة مع قوى النظام المباد وسدنة الدكتاتوريات عن محاولات اختراق القوى الثورية وتشويه صورتها وتفتيتها من الداخل، ونشطت غرف استخبارية وأمنية في ترويج المخدرات والممنوعات، واستأجرت شخصيات على سدة رئاسة المجلس شقق للشباب بحجة حمايتهم وقتئذ، ولكنها كانت غرف للتجنيد والاستقطاب، وقدر رأينا ثمرة ذلك في معسكر الحرب الحالي، واستمرت هذه المحاولات حتى يومنا هذا بالترغيب والترهيب عبر ما يعرف بتنسيقيات القبائل، والأجسام المهنية والشبابية والنسوية، منحا صكوك الولاء ومنعا شهادة البراءة من الخيانة والعمالة والارتزاق وممالأة "التمرد"، فكل من لم ينصع لتلك التهديد لن تنصع صحيفته الجنائية من تهم قد تصل عقوبتها للإعدام أو السجن المؤبد، فالاستهداف اليوم لقيادات القوى المدنية وبعض النشطاء، غدا سيشمل جميع من ساروا في مواكب مناهضة الدكتاتورية طوال حقبتها (1989م حتى 2024م).

- التهديد الذي نشهده وطيف كبير من قيادات ونشطاء وقوى الثورة ليس مهددا لهم في شخوصهم وكياناتهم، ولا يعطل مصالحهم الشخصية، فالحلول البديلة متاحة على الصعيد الشخصي، ولكن هذا الأمر يجعل كل أحلام شعبنا في الحرية والكرامة الإنسانية والمساواة والحكم الراشد والعدالة والديمقراطية مهددة بالزوال، وعلينا ألا نقف مكتوفي الأيدي حيال ذلك وألا نستجيب لما يبث من خطابات تفريقية وتمزيقية تؤسس للكراهية والتشظي والانفصال الوجداني والتقسيم الجغرافي، فكافة أدوات السلطة المستخدمة اليوم تؤكد أننا نمضي نحو تمزيق الوجدان الثوري الموحد، وتشتيت الكتلة الشبابية الحية التي كادت أن تؤسس للسودان الجديد، وتبديد كافة مكتسبات الثورة المجيدة!

- إننا بحاجة إلى التحرك الآن قبل الغد، قبل استحكام حلقات التآمر الداخلي والخارجي على البلاد، وقبل فوات الأوان بتمزيق البلاد وتقسيمها، وقبل أن ينسى بعضنا أن ما يوحدنا أكثر بكثير مما يفرقنا، ولا يمكن أن نستجيب لهذا الابتزاز بنزع الوطنية وانتزاع الهوية ولا ينبغي أن تستسلم لهذا الضغط الذي تسببه الدعاية الحربية، لأن لدينا الفرصة للتصدي لمشروع تصفية الثورة واغتال الثوار، ولدينا إمكانية وقف هذه المؤامرة التي تغذيها أيادي أيدولوجية وتستخدم فيها قوة السلاح وسلطة المال، علينا أن نتحرك قبل أن تبدأ الأمور في التحرج أكثر فأكثر نحو التمزيق والحرب الأهلية الشاملة وربما التدخل الدولي، وحدوا صفوفكم الثورية وراجعوا أخطاءكم واعترفوا بها وتنازلوا تجاه بعضكم البعض، أسدي هذا النصح لحزبي وكياني والمجموعات المدنية التي أنشط بها، وعلكم استدراك أهمية المجتمع المدني وقوته الناعمة في تحقيق الاستقرار واستعادة الحياة الكريمة، وتأسيس جديد لدولة مدنية ديمقراطية فدرالية آمنة وصحية وتعددية نباهي بها الأمم، مثلما فعلنا ذلك في ديسمبر 2018م نستطيع فعل ذلك كلما اشرأبت أعناق الطغاة وأينعت تدابيرهم إنا لقادرون على قطافها.

● ختاماً: أمامكم حصاد ثلاثة أعوام من الثورة وحصيد عامين من الحرب، إلى أين كان بإمكاننا الوصول وإلى أين نحن صائرون حال استمرت الحرب؟؟ تخيلوا وطناً تتمدد الحرب لكل أوصاله، حيث لا يستطيع المواطنون النبس ببنت الشفاه، أو التصدي لقضاياهم الحياتية، أو حتى التمتع بالحقوق الأساسية في الأمن والغذاء والتنقل والتعبير والتعلم والتملك، وغيره من الحقوق التي كفلتها الشرائع السماوية والتشريعات الوضعية والحقوق الإنسانية، وطن لا يستطيع سكانه تنظيم أنفسهم لتحدي الظلم ورفض الانتهاكات ومناهضة القوانين الجائرة والسياسات الخاطئة والممارسات السيئة، وطن الهيمنة فيه لكارتيلات الفساد، والسلطة فيه بيد الطغاة، والمؤسسات فيه بيد الفاسدين الذين أسقطتهم ثورة 19 ديسمبر 2019م، وطن لا تديره أيادي الكفاءات المهنية أو الخبرات المعروفة وإنما تتحكم فيه أيادي العابثين الموالين للطاغية، وتملك الشركات الخاصة موارده وتتحكم في عجلة انتاجه وتسخيره لدعم المجهود الحربي، وهم وحدهم أصحاب الإرادة في صياغة تشريعات وسياسات وأجندة الوطن، فلا تركنوا لتلك الأجندة التدميرية ولا تنحازوا لهذه النداءات الخبيثة المعطونة في خطابات الكراهية، ولا تنجرفوا وراء مخططات تمزيق البلاد، وانتقلوا إلى منصة التأسيس التي جمعتكم واجتمعتم عليها متناسين قبائلكم أديانكم ثقافاتكم اثنياتكم جهوياتكم مللكم ألقابكم ومستوياتكم، وسطرتم معالم طريق عبد الدم والعرق والدموع، ولا تسايروا الهالكين في طريق الحرب القاتم الوعر العسير، فطريق السلام أقصر وأنضر وأيسر.

 رحم الله شهداء الثورة المجيدة وجميع ضحايا هذه الحرب اللعينة وشفا الجرحى والمرضى والمصابين ورد الغائبين والمفقودين والنازحين واللاجئين إلى بيوتهم ردا جميلا.



الأحد، 15 ديسمبر 2024

تأثيرات الحرب على الزخم الثوري في السودان

*`تأثيرات الحرب على الزخم الثوري في السودان`*

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
● إن هذه الحرب التي اندلعت فجر ١٥ إبريل ٢٠٢٣م أحدثت تحولات جوهرية في المشهد السياسي، وانهيارُا كارثيًّا في المناحي الإنسانية، وشرخا عميقا على الصعيد الاجتماعي، وتدهورا فظيعا قاد للتردي الاقتصادي، مما أثر بشكل كبير على الزخم الثوري والاستعداد لإحياء ذكرى 19 ديسمبر، واستعادة مكتسبات الانتقال المدني، ومن أخطر تلك الآثار الرئيسية ما حدث من تشتيت لجهود القوى الثورية، حيث تحولت الأولويات وتراجعت "أوج" من المطالبة بالكرامة الإنسامية والديمقراطية والحرية والسلام والعدالة إلى "حضيض" الاكتفاء بالبقاء والنجاة، وقد تعرضت حيوات الكثير من النشطاء والكوادر الثورية للتهديد بالاغتيال أو الاعتقال أوالقتل والتهجير، مما أضعف بنية الحراك الثوري وتراجعت المشاركة الشعبية خوفاً على الأرواح والممتلكات.

- وقد اضمحلت الاحتجاجات والمظاهرات وتآكلت الكتلة الثورية الشعبية لدرجة الانحسار، مما قلل من الضغط الشعبي على الأطراف المتحاربة، وبدورها أدت الإجراءات الأمنية القمعية غير المسبوقة إلى تعميق الانقسامات وزيادة أشكال (المسخ المدني الاجتماعي)، وزادت الحرب من تفكيك سبيكة السودان الهوياتية وزيادة الانقسامات الاجتماعية والسياسية، مما أعاق كافة فرص "التواصل" لتحقيق السلام المستدام و"الوصول" إلى المصالحة الوطنية وقطع :الإتصال" وقفل الطريق أمام بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة، وقامت القوى المتحاربة بإضعاف بينية المؤسسات المدنية وهدم المجتمع المدني بتعريضه لضربات قوية طالت الجميع دون استثناء، مما أثر على قدرتهم على تنظيم الأنشطة والفعاليات من الاجتماعات وصولا للمؤتمرات والمحافل القومية.

- وكذلك ساهم مشعلوا الحرب من الجماعات الإخوانية التي سقطت في تصفية الثورة والثوار بدرجات متفاوتة تدرجا من الاغتيال المعنوي وصولا للتصفية الجسدية، وقد لعبوا دوراً محورياً في استغلال الصراع لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية على حساب تطلعات الشعب، ومكنتهم سلطة انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م من استعادة كل ما جردتهم منه الثورة من شرعية، وسلطة، وأموال، ومناصب، ومكاسب، ليعودوا ويستخدموا جميع تلك الإمكانيات والقوة المفرطة لقمع الحراك الشعبي واستهداف النشطاء، الأمر الذي أدى إلى سقوط العديد من الشهداء والجرحى سواء في غرف الطوارئ أو لجان المقاومة أو قادة الرأي أو النشطاء المدنيين، وقاد فيما بعد لما نحن فيه من حرب راح ضحيتها عشرات الآلاف، والتي ساهمت غرف البروبوغندا فيها بتضليل الرأي العام وتشويه صورة القوى الثورية بهدف تقويض شرعيتها، وحاولوا جاهدين الإساءة والتخوين لقادة الثورة ورموزها بزعم أنهم أداة في أيدي قوى خارجية، ومضوا للترويج بالدعاية الحربية لإكساب أصحابها مشروعية تمكنهم من اجتثاث الثورة وتأسيس نظام على ركام البلاد وجثث الأبرياء المحروقة.

- ولا أنكر أن الحرب قد أثرت بشكل كبير على المطالب الشعبية وأولوياتها، حيث تشتتت الجهود وتفرقت القوى الثورية وتوجهت نحو مواجهة التحديات العسكرية والأمنية بوسائل تقليدية كالاختفاء أو الامتناع عن التصريح أو التزام الصمت خاصة لمن هم داخل البلاد، وتراجع تبعا لذلك الاهتمام بالمطالب السياسية والاقتصادية، وتغيرت الأولويات الأساسية للشعب السوداني لتصبح الغاية الأسمى هي البقاء والنجاة وتوفير الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء والمأوى، بدلاً من التركيز على المطالب الديمقراطية والعدالة الانتقالية، وصارت مؤسسات العدالة وديوان النائب العام سيفا مسلطا على جميع من يوق (لا للحرب) أو ينادي بوقفها أو يندد بانتهاكاتها.

- مثل رهاب الحرب وحالة الخوف من الاضطهاد والقمع والعنف الذي يمارسه أطراف الصراع أكبر كابح لجموح الثورة وتطلعات أبنائها وبناتها، فقد أدى ذلك الرهاب والإرهاب إلى ترويع المواطنين وتخويفهم وإرعابهم من المشاركة في أي نشاط سياسي أو مدني حتى في الأسافير، وتم استهداف رياحين الثورة من فتياتها ونسائها القائدات الفاعلات، ومورست على أجسادهن فظائع وانتهاكات وتجلى عنف المتحاربين ليكون الاغتصاب واحدة من سمات هذه الحرب القذرة وتتصدر التساء تقارير العنف الجنساني والاستعباد في تقارير محلية ودولية، مما تسبب في تراجع الحراك الشعبي والتعبئة والأنشطة والحملات الإسفيرية التي وصلت عقوبة المشاركة فيها الاتهام بالخيانة وعقوبات ربما يصل بعضها للإعدام، وقد تم تقديم عدد كبير قرابين لمقاصل الحرب لمجرد مشاركتهم أو تواصلهم في مجموعات أسرية ناهيك عن منابر إعلامية أو منصات تضامن أو حملات رافضة للحرب.

- كما أن انهيار الخدمات الأساسية في البلاد وتوقف العديد من المؤسسات الحكومية وتعطل الكثير من المرافق زاد من معاناة المواطنين، وأدخلهم ملهاة التعب والرهق والعناء مما جعل المطالب الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية في صدارة الأولويات وتذيلت اهتمامات الشعب وتطلعاته الطموحة والمستقبلية قاع قائمة تلك الأولويات، مع ذلك يظل يقيني أن الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني حتما ستزيد من إصراره على تحقيق هذه المطالب في المستقبل، فهو الشعب الوثاب الذي لم ترهبه اعتقالات ولم تخفه اغتيالات.

- والمطلوب منا جميعا الوفاء لهذه البلاد الودود الولود، وإعادة توحيد الشارع الثوري واستعادة زخم الثورة، في ظل الانقسام الحالي، وذلك يتطلب جهوداً كبيرة ومتواصلة وتنازل منا لبعضنا البعض، وتتوقف فرص نجاحنا على العامل الزمني الذي كلما طال أمده طال الانقسام، وزادت الفجوة بفعل الحرب وصعوبة تجاوز آثارها وانغرس سم الكراهية وسهم الانفصال في خاصرة الوطن، لأن مرور الوقت يؤدي إلى ترسخ الخلافات وتعميقها ويعبيء المجتمعات بغبائن متراكمة وجرائم فائلة، ترتكب بعناية وتوثق وتبث لتخدمة أجندة الحرب والتقسيم، وتمهد لظهور قيادات جديدة ذات مصالح متعارضة هدفها فقط تنفيذ تلكم الأجندة، مما يزيد من عمق الانقسام ويمنع الوصول لطاولة السلام.

- وقد رأينا كيف صار مشروع الحرب يمزق قومية الثورة ووحدتها، ليرتبط بقضايا أيديولوجية أو مصالح شخصية ونزعات انتقامية واصطفافات عشائرية وانحيازات اثنية، مما يجعل عملية التوحيد الثوري والوحدة السياسية أكثر صعوبة وتطلب وقتاً أطول لمعالجة آثار الحرب وانتهاكاتها التي ارتكبت وروج لها بعناية، لتمحو ما ولد في مسيرة استمرت من ٦ ديسمبر في مايرنو لتمضي إلى ١٣ من ذات الشهر إلى الدمازين وتنفجر وتبلغ ذروتها في التاسع عشر بعطبرة ويحترق بنارها وثن الآلهة وتبدد يومئذ شبح الطاغية ليزول في فجر ١١ إبريل ٢٠١٩م.

- لذلك تحتاج الحركة الثورية إلى قيادة موحدة قادرة على حشد الجماهير والتعبير عن طموحاتها، وتقديم رؤية واضحة للمستقبل، كما أن للضغوط الخارجية من الإقليم والمجتمع الدولي والمؤسسات المعنية التي يمكن أن تلعب دوراً هاماً في دفع القوى الثورية إلى الحوار والتوافق، ويظل الوعي الشعبي هو كرت الرهان الأوحد الذي يلعب دوراً حاسماً في عملية التوحيد، فكلما زاد وعي الجماهير بأهمية الوحدة والتضامن، زادت القدرة على الضغط على القيادات للوصول إلى توافق، ووقف شلال الدماء ومنع الجرائم والانتهاكات، وردع دعوات التمزيق والتقسيم للبلاد.

- أما في حال استمرار الحرب الحالية وازدياد انتهاكاتها، وتعالي نعراتها، وتنامي ثاراتها، وتواصل غاراتها، سيؤدي ذلك إلى تغييرات جوهرية في معادلة الشارع، ولكن من الصعب التنبؤ بالاتجاه الدقيق الذي ستسلكه هذه التغييرات، إلا أن هناك عدة سيناريوهات محتملة، منها تقوية أحد الأطراف على حساب الآخر وهو سيناريو تدعمه بوضوح دول خارجية لها أجندتها ومطامعها ولا تأبه للوطن السودان ولا مواطنيه، حينها يؤثر تدخل هذه الدول المخربة في تغيير موازين القوى على الأرض وزيادة نفوذه، وهذا السيناريو سيتحكم في العديد من العوامل كالتمويل الخارجي، والكفاءة العسكرية، والقدرة على حشد الدعم الشعبي والاستنفار لمعسكري الحرب، وربما يشهد الشارع السوداني ظهور قوى جديدة أو تحالفات مختلفة تسعى إلى لعب دور الوسيط أو فرض حل وسط بين الأطراف المتصارعة، وهذه القوى ربما تكون من الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، أو حتى من القبائل والشيوخ والإدارات الأهلية، أو هجين متمازج من هؤلاء، وغالب الظن أن يقود استمرار الحرب إلى زيادة تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية في السودان، مما يجعل من الصعب تحقيق المصالحة الوطنية وبناء دولة ديمقراطية تنادى لها السودانيون ودفعوا لأجلها الغالي والنفيس، وهذا ربما قاد لحرب أهلية تقسم البلاد وتفتحها للتدخل الدولي.


● ختاما: على الرغم من أن الحرب في السودان شكلت ضربة قوية للثورة السودانية وأدت إلى تراجع كبير في الزخم الثوري، إلا أن روح الثورة وجذوتها لا تزال حية في قلوب الشعب السوداني، وستظل ذكرى 19 ديسمبر تلهم الأجيال القادمة لمواصلة النضال من أجل الحرية والديمقراطية ودوننا انتصار الثورة الثورية بعد وأدها لثلاثة عشر عاما، وما الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني في معسكرات اللجوء والنزوح ومراكز الإيواء والقابعون في العراء إلا غمة مؤقتة ستزول بزوال الحرب والطغاة الذين قالت سنن الله والتاريخ بزوالهم، وجميع تلك الظروف القاسية والخانقة لهذا الشعب لن تقلل من إصراره على تحقيق أهدافه في المستقبل، ومع قليل من الدعم الإقليمي والدولي الحميد والرشيد والمستمر، يمكن للشعب السوداني أن يحقق السلام والاستقرار وسيتعيد ثزرته، ويعيد بناء دولته على أسس ديمقراطية عادلة.