الأحد، 15 ديسمبر 2024

تأثيرات الحرب على الزخم الثوري في السودان

*`تأثيرات الحرب على الزخم الثوري في السودان`*

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق
● إن هذه الحرب التي اندلعت فجر ١٥ إبريل ٢٠٢٣م أحدثت تحولات جوهرية في المشهد السياسي، وانهيارُا كارثيًّا في المناحي الإنسانية، وشرخا عميقا على الصعيد الاجتماعي، وتدهورا فظيعا قاد للتردي الاقتصادي، مما أثر بشكل كبير على الزخم الثوري والاستعداد لإحياء ذكرى 19 ديسمبر، واستعادة مكتسبات الانتقال المدني، ومن أخطر تلك الآثار الرئيسية ما حدث من تشتيت لجهود القوى الثورية، حيث تحولت الأولويات وتراجعت "أوج" من المطالبة بالكرامة الإنسامية والديمقراطية والحرية والسلام والعدالة إلى "حضيض" الاكتفاء بالبقاء والنجاة، وقد تعرضت حيوات الكثير من النشطاء والكوادر الثورية للتهديد بالاغتيال أو الاعتقال أوالقتل والتهجير، مما أضعف بنية الحراك الثوري وتراجعت المشاركة الشعبية خوفاً على الأرواح والممتلكات.

- وقد اضمحلت الاحتجاجات والمظاهرات وتآكلت الكتلة الثورية الشعبية لدرجة الانحسار، مما قلل من الضغط الشعبي على الأطراف المتحاربة، وبدورها أدت الإجراءات الأمنية القمعية غير المسبوقة إلى تعميق الانقسامات وزيادة أشكال (المسخ المدني الاجتماعي)، وزادت الحرب من تفكيك سبيكة السودان الهوياتية وزيادة الانقسامات الاجتماعية والسياسية، مما أعاق كافة فرص "التواصل" لتحقيق السلام المستدام و"الوصول" إلى المصالحة الوطنية وقطع :الإتصال" وقفل الطريق أمام بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة، وقامت القوى المتحاربة بإضعاف بينية المؤسسات المدنية وهدم المجتمع المدني بتعريضه لضربات قوية طالت الجميع دون استثناء، مما أثر على قدرتهم على تنظيم الأنشطة والفعاليات من الاجتماعات وصولا للمؤتمرات والمحافل القومية.

- وكذلك ساهم مشعلوا الحرب من الجماعات الإخوانية التي سقطت في تصفية الثورة والثوار بدرجات متفاوتة تدرجا من الاغتيال المعنوي وصولا للتصفية الجسدية، وقد لعبوا دوراً محورياً في استغلال الصراع لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية على حساب تطلعات الشعب، ومكنتهم سلطة انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م من استعادة كل ما جردتهم منه الثورة من شرعية، وسلطة، وأموال، ومناصب، ومكاسب، ليعودوا ويستخدموا جميع تلك الإمكانيات والقوة المفرطة لقمع الحراك الشعبي واستهداف النشطاء، الأمر الذي أدى إلى سقوط العديد من الشهداء والجرحى سواء في غرف الطوارئ أو لجان المقاومة أو قادة الرأي أو النشطاء المدنيين، وقاد فيما بعد لما نحن فيه من حرب راح ضحيتها عشرات الآلاف، والتي ساهمت غرف البروبوغندا فيها بتضليل الرأي العام وتشويه صورة القوى الثورية بهدف تقويض شرعيتها، وحاولوا جاهدين الإساءة والتخوين لقادة الثورة ورموزها بزعم أنهم أداة في أيدي قوى خارجية، ومضوا للترويج بالدعاية الحربية لإكساب أصحابها مشروعية تمكنهم من اجتثاث الثورة وتأسيس نظام على ركام البلاد وجثث الأبرياء المحروقة.

- ولا أنكر أن الحرب قد أثرت بشكل كبير على المطالب الشعبية وأولوياتها، حيث تشتتت الجهود وتفرقت القوى الثورية وتوجهت نحو مواجهة التحديات العسكرية والأمنية بوسائل تقليدية كالاختفاء أو الامتناع عن التصريح أو التزام الصمت خاصة لمن هم داخل البلاد، وتراجع تبعا لذلك الاهتمام بالمطالب السياسية والاقتصادية، وتغيرت الأولويات الأساسية للشعب السوداني لتصبح الغاية الأسمى هي البقاء والنجاة وتوفير الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء والمأوى، بدلاً من التركيز على المطالب الديمقراطية والعدالة الانتقالية، وصارت مؤسسات العدالة وديوان النائب العام سيفا مسلطا على جميع من يوق (لا للحرب) أو ينادي بوقفها أو يندد بانتهاكاتها.

- مثل رهاب الحرب وحالة الخوف من الاضطهاد والقمع والعنف الذي يمارسه أطراف الصراع أكبر كابح لجموح الثورة وتطلعات أبنائها وبناتها، فقد أدى ذلك الرهاب والإرهاب إلى ترويع المواطنين وتخويفهم وإرعابهم من المشاركة في أي نشاط سياسي أو مدني حتى في الأسافير، وتم استهداف رياحين الثورة من فتياتها ونسائها القائدات الفاعلات، ومورست على أجسادهن فظائع وانتهاكات وتجلى عنف المتحاربين ليكون الاغتصاب واحدة من سمات هذه الحرب القذرة وتتصدر التساء تقارير العنف الجنساني والاستعباد في تقارير محلية ودولية، مما تسبب في تراجع الحراك الشعبي والتعبئة والأنشطة والحملات الإسفيرية التي وصلت عقوبة المشاركة فيها الاتهام بالخيانة وعقوبات ربما يصل بعضها للإعدام، وقد تم تقديم عدد كبير قرابين لمقاصل الحرب لمجرد مشاركتهم أو تواصلهم في مجموعات أسرية ناهيك عن منابر إعلامية أو منصات تضامن أو حملات رافضة للحرب.

- كما أن انهيار الخدمات الأساسية في البلاد وتوقف العديد من المؤسسات الحكومية وتعطل الكثير من المرافق زاد من معاناة المواطنين، وأدخلهم ملهاة التعب والرهق والعناء مما جعل المطالب الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية في صدارة الأولويات وتذيلت اهتمامات الشعب وتطلعاته الطموحة والمستقبلية قاع قائمة تلك الأولويات، مع ذلك يظل يقيني أن الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني حتما ستزيد من إصراره على تحقيق هذه المطالب في المستقبل، فهو الشعب الوثاب الذي لم ترهبه اعتقالات ولم تخفه اغتيالات.

- والمطلوب منا جميعا الوفاء لهذه البلاد الودود الولود، وإعادة توحيد الشارع الثوري واستعادة زخم الثورة، في ظل الانقسام الحالي، وذلك يتطلب جهوداً كبيرة ومتواصلة وتنازل منا لبعضنا البعض، وتتوقف فرص نجاحنا على العامل الزمني الذي كلما طال أمده طال الانقسام، وزادت الفجوة بفعل الحرب وصعوبة تجاوز آثارها وانغرس سم الكراهية وسهم الانفصال في خاصرة الوطن، لأن مرور الوقت يؤدي إلى ترسخ الخلافات وتعميقها ويعبيء المجتمعات بغبائن متراكمة وجرائم فائلة، ترتكب بعناية وتوثق وتبث لتخدمة أجندة الحرب والتقسيم، وتمهد لظهور قيادات جديدة ذات مصالح متعارضة هدفها فقط تنفيذ تلكم الأجندة، مما يزيد من عمق الانقسام ويمنع الوصول لطاولة السلام.

- وقد رأينا كيف صار مشروع الحرب يمزق قومية الثورة ووحدتها، ليرتبط بقضايا أيديولوجية أو مصالح شخصية ونزعات انتقامية واصطفافات عشائرية وانحيازات اثنية، مما يجعل عملية التوحيد الثوري والوحدة السياسية أكثر صعوبة وتطلب وقتاً أطول لمعالجة آثار الحرب وانتهاكاتها التي ارتكبت وروج لها بعناية، لتمحو ما ولد في مسيرة استمرت من ٦ ديسمبر في مايرنو لتمضي إلى ١٣ من ذات الشهر إلى الدمازين وتنفجر وتبلغ ذروتها في التاسع عشر بعطبرة ويحترق بنارها وثن الآلهة وتبدد يومئذ شبح الطاغية ليزول في فجر ١١ إبريل ٢٠١٩م.

- لذلك تحتاج الحركة الثورية إلى قيادة موحدة قادرة على حشد الجماهير والتعبير عن طموحاتها، وتقديم رؤية واضحة للمستقبل، كما أن للضغوط الخارجية من الإقليم والمجتمع الدولي والمؤسسات المعنية التي يمكن أن تلعب دوراً هاماً في دفع القوى الثورية إلى الحوار والتوافق، ويظل الوعي الشعبي هو كرت الرهان الأوحد الذي يلعب دوراً حاسماً في عملية التوحيد، فكلما زاد وعي الجماهير بأهمية الوحدة والتضامن، زادت القدرة على الضغط على القيادات للوصول إلى توافق، ووقف شلال الدماء ومنع الجرائم والانتهاكات، وردع دعوات التمزيق والتقسيم للبلاد.

- أما في حال استمرار الحرب الحالية وازدياد انتهاكاتها، وتعالي نعراتها، وتنامي ثاراتها، وتواصل غاراتها، سيؤدي ذلك إلى تغييرات جوهرية في معادلة الشارع، ولكن من الصعب التنبؤ بالاتجاه الدقيق الذي ستسلكه هذه التغييرات، إلا أن هناك عدة سيناريوهات محتملة، منها تقوية أحد الأطراف على حساب الآخر وهو سيناريو تدعمه بوضوح دول خارجية لها أجندتها ومطامعها ولا تأبه للوطن السودان ولا مواطنيه، حينها يؤثر تدخل هذه الدول المخربة في تغيير موازين القوى على الأرض وزيادة نفوذه، وهذا السيناريو سيتحكم في العديد من العوامل كالتمويل الخارجي، والكفاءة العسكرية، والقدرة على حشد الدعم الشعبي والاستنفار لمعسكري الحرب، وربما يشهد الشارع السوداني ظهور قوى جديدة أو تحالفات مختلفة تسعى إلى لعب دور الوسيط أو فرض حل وسط بين الأطراف المتصارعة، وهذه القوى ربما تكون من الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، أو حتى من القبائل والشيوخ والإدارات الأهلية، أو هجين متمازج من هؤلاء، وغالب الظن أن يقود استمرار الحرب إلى زيادة تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية في السودان، مما يجعل من الصعب تحقيق المصالحة الوطنية وبناء دولة ديمقراطية تنادى لها السودانيون ودفعوا لأجلها الغالي والنفيس، وهذا ربما قاد لحرب أهلية تقسم البلاد وتفتحها للتدخل الدولي.


● ختاما: على الرغم من أن الحرب في السودان شكلت ضربة قوية للثورة السودانية وأدت إلى تراجع كبير في الزخم الثوري، إلا أن روح الثورة وجذوتها لا تزال حية في قلوب الشعب السوداني، وستظل ذكرى 19 ديسمبر تلهم الأجيال القادمة لمواصلة النضال من أجل الحرية والديمقراطية ودوننا انتصار الثورة الثورية بعد وأدها لثلاثة عشر عاما، وما الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني في معسكرات اللجوء والنزوح ومراكز الإيواء والقابعون في العراء إلا غمة مؤقتة ستزول بزوال الحرب والطغاة الذين قالت سنن الله والتاريخ بزوالهم، وجميع تلك الظروف القاسية والخانقة لهذا الشعب لن تقلل من إصراره على تحقيق أهدافه في المستقبل، ومع قليل من الدعم الإقليمي والدولي الحميد والرشيد والمستمر، يمكن للشعب السوداني أن يحقق السلام والاستقرار وسيتعيد ثزرته، ويعيد بناء دولته على أسس ديمقراطية عادلة.