الأحد، 26 يونيو 2022

بروفيسور محمد المصطفى حسن عبد الكريم

.                           (ذكرى ووفاء)

✓• يصادف اليوم الذكرى السنوية لرحيل البروفيسور النطاس العلامة الخبير الزاهد العالم العامل الحبيب الراحل المرحوم:

                    «محمد المصطفى حسن عبد الكريم»

✓• كان الفقيد عظيماً في مظهره ومخبره وجوهره، وصل إلى أرفع الدرجات العلمية، وأجاد أمهات لغات العالم، فكان ترجمانا لما استعصى من الكتب في تخصصه ومجاله في الزراعة والأدوية والسموم، واستحق بذلك أن يكون أهم المراجع العلمية لطلاب البكالوريا في الجامعات والباحثين وطلاب الدراسات العليا.

✓• كان محبا للأرض شغوفا بها، ومحبا لزرعها وزارعيها، ظل يكتب «نظريا» للحفاظ عليها ويخطط لاستثمارها واستصلاحها، مهموما بحالها ومآلها، عاملا وعالما بأحوالها وطبائعها، يعرف ما يؤلمها وما يسكن آلامها، وما يميت ويحيي نباتها وأنعامها، ومع ذلك «عمليا» ظل عاملاً حتى رحيله في سوق مدينة سنار التي افتتن بها، فكان مثالا يحتذى به في علو الهمة وقوة العزيمة والإرادة، وفيا لبلاده عليما بإنسانها وأنسابها.

✓• لم يقتصر اجتهاده على الزراعة والبيطرة وعلومهما فقط، بل كان قارئا نهما لأمهات الكتب، ومفكرا ثاقب الرؤية، وأديبا ذواقا، ومؤرخا مصححا لتدليس روايات المستعمرين ومحققا في تاريخ البلاد، وترجم بقلمه العديد من المؤلفات، جلها طبعتها دار العزة للنشر لصديقه وحبيبه مالكها العم نور الهدى، الذي كان دوما ما يحرص على زيارته عند قدومه لامدرمان لزيارة أهله "آل السراج"، كما كانت من أهم محطاته «مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي»، والمكتب الخاص للإمام الصادق المهدي والذي كان يخص بالزيارة فيه المهندسة رباح الصادق التي تستضيفه وزوجها د. عبد الرحمن الغالي في منزلهما المضياف ويهاديهما ويهادونه المؤلفات المعطونة بالمحبة، فهو «التلميذ» المطلع الذي لم يوقفه مرض أو تبعده علة عن القراءة، وهو «العالم» والأستاذ الذي لم يمل تدريسنا حب الإنسان والسودان حتى رحيله، فقد عاش مجتهدا مجاهدا مجدا من الركاب إلى التراب.

✓• كان محبا محبوبا، مودا ودودا، بسيما رحيما، معطاء كريماً، عابداً ذاكرا، متبتلا خلوقا، حكيماً حليما، عاش متضعا حتى رفع الله، ظل يؤوينا في فترات العسرة ونحن طلابا فيكف عنا الملاحقات والمطاردات، ويحرص على تذخيرنا بالمعرفة والأدب وكريم الاخلاق، يحثنا على الاستبسال والشجاعة، ويستغل كل فرصة نلتقيه فيها ليعلمنا ما يفيد، فقد كان أستاذاً في مدارس فكرية وفلسفية متعددة غير مدرسته المهدوية الأنصارية، لا يضن علينا بجهده، ولا وقته، ولا علمه، ولا كتبه ولا ماله ولا كرم زوجه السيدة آسيا المرضي، ووقوف عياله لإكرامنا، يعتز بنا أيما اعتزاز، عندما كنا نزوره يحرص على تعريفنا بمن حوله، مفاخرا بنا كما كنا مفاخر به، فقد آزرنا في ساحات النشاط الطلابي مخاطبا في الندوات ومشاركا في الفعاليات ومحاضرا في المنتديات.

✓• استحق العم الحبيب الراحل أن يكرم ألف مرة لعلمه ولعطائه ولخبرته ولصموده، فقد كان صلبا أمام فتن الزمان ومغرياته، ومناهضا للاستبداد وآلياته، ومهاجمة للحكم الشمولي بأدبياته، لم يسل لعابه لسلطة رغم كل المواقع الإدارية والسياسية الرفيعة التي عرضت عليه، فاختار أن يعيش مسكينا محبا للمساكين ليحشر في زمرتهم مع سيد المساكين صلى الله عليه وسلم.

✓• رحل الحبيب وألقى على عواتقنا دينا ثقيلاً، فقد كان يطمح لأن يرى ولاية سنار انموذجا زراعيا يمتد من ديم المشايخة شمالاً، إلى جانب جنوباً، ومن الدالي والمزموم وأبوعريف غربا إلى المدرسة شرقا، بمطار انتاج، ومجالج، ومزارع وانظمة ري حديثة ومصانع ومحاجر بيطرية، ومراكز أبحاث للسلالات المختلفة  من المواشي والحيوانات، ومحمية تضم في طياتها كل أجناس الهوام والطيور والأنعام، كان يريد لذلك النموذج أن يتم كل السودان، ليقينه التام أننا أحوج ما يكون لأرضنا وأرضنا أحوج ما كانت لنا، والعالم يحتاجنا جميعا ، وقد وخط لذلك مشروعاً متكاملاً وطوحا نسأل الله أن يرى النور وفاء له ولروحه الطاهرة.

✓• التعازي موصولة لأهله وأحبابه وأصحابه وأصهاره وأنسابه وأسرته وحفدته وكيانه وجيرانه، ففقده يتجدد ألمه كل عام بل كل يوم، ومثل محمد المصطفى لن يلتئم جرح فراقه ولن يجبر كسر رحيله.

✓• رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وألهم أهله وذراريه الصبر والسلوان.

                         « إنا لله و إنا إليه راجعون»

الجمعة، 24 يونيو 2022

مواكب 30 يونيو 2022م

مواكب 30 يونيو 2022م

✓• مقدمة المواكب: 

مواكب ٣٠ من يونيو هي إنهاء لحقبة الانقلابات العسكرية في السودان إلى غير رجعة، وهي كذلك فرقان بين القوى التي تنشد الديمقراطية والحرية وتنشط في سبيلها وتدفع لذلك كل غالٍ ورخيص، وبين تلك القوى التي ظلت تتخذ من الديمقراطية شعارات جوفاء سواء كان بدعمها وتنظيرها وسدانتها للانقلابات أو تلك القوى التي تتخذ معارضتها الحدية الرافضة للآخر سبيلاً للتخوين والتنمية والإقصاء، فهذه المواكب قد رجحت كفة القوى الرافضة للاستبداد، والداعية لاستدامة الديمقراطية في العام 2019م، وستفعل ذلك في 2022م، فكل شواهد التاريخ الظرفية والزمكانية تقول بذلك.


✓• التحضير الجيد:
فالتحضير الميداني والإعلامي والجماهيري والقطاعي والفئوي والتنسيقي يسير على أكمل وجه، ويتم كما ينبغي له، ويجري باتساق وانسجام تام بين مكونات قوى الثورة وغرفها الميدانية والإعلامية والتنسيقية وغرف الطوارئ القانونية والطبية والفنية والنقابية والقطاعية، فالندوات والفعاليات والورش والاجتماعات تنتظم بكثافة على الأرض والأسافير، وفي الداخل والخارج، وتنشط اللقاءات الدبلوماسية لتنوير المحيط الإقليمي والدولي بالعمل الدؤوب لأسقاط الانقلاب، وتتسابق الأيادي لدعم عمل اللجان والتحضير الجيد ماديا ومعنوياً وفي ذلك يتسابق سودانيو المهجر والسودانيات.

✓• التحضير المضاد:
إلا أن ذلك لا يعني أن هنالك ترتيبا وتدريبا يتحرف لانتهاز هذه الموجة وتحريف طريقها، وتحويل علو رياحها لفتح شراع سفينته (الانقاذية) الغارقة، وهنا أشير إلى التنظيم الإخواني والحركة المحلولين الذين يعملون بدأب وهمة لاغتنام فرصة الضغط الجماهيري يوم ٣٠ يونيو على الانقلاب (القائم) والانحياز له عبر الانقلاب (القادم) إحياءً لذكرى فردوسهم المفقود وإنقلابهم المشؤوم، وللمفارقة يتحركون بذات العقلية والتخطيط والتدبير والمقار التي خططوا بها قبل ٣٥ عام، مع اختلاف كل الظروف المحيطة، يستغلون ذات الواجهات الدينية والإدارات الأهلية لتغطية تحركاتهم الداخلية، ويوظفون ذات المنظمات المشبوه لاستقطاب التأييد الخارجي والتحرك في دول جارة وشقيقة وصديقة، ويتخذون من الشركات الرمادية سبيلا للتمويل يدعمهم ويغذيهم بقوة الحبل السري الإخواني في تنظيماتهم القيادية في مختلف القوات النظامية، يتحركون تحت ستر سياراتهم وتراخيصهم وحمايتهم، ويوفرون لهم معلومات تحركات مختلف القيادات التي تناوئ أي إنقلاب آخر.


✓• ملامح الثلاثين من يونيو:
إذا سيكون يوم الثلاثين من يونيو علامة فارقة في أدب المقاومة السودانية الموروث، من حيث الشعارات والتحركات والأهداف والأجيال، وفي ذلك تنشط موجة صاعدة واعدة وواعية، من جيل ظل يقاوم لتسعة أشهر متصلة دون انقطاع، حدد ملامح مشروعه:
١.  الداعي لسيادة الشعب السوداني على نفسه، واستقلال قراره، ووحدة أراضيه، وصون موارده، وحرية إنسانه من كل أنماط الاستغلال والتبعية والاستبداد.
٢. المنحاز للقومية الرافضة لكل صنوف الاستعلاء الثقافي والديني والعرقي، والمحتفي جدا بتعدداتها واختلاف الألسنة والألوان، والمحرم والمجرم لكل أوجه التعالي وخطابات الكراهية.
٣. العادل الذي ينشد العدل في ذاته ويطلبه ويعمل على تحقيقه وترسيخ مؤسساته الحقوقية المستقلة النزيهة لضمان وصون الحقوق حتى للخصوم، وحفظ حقوق النساء والأطفال والأقليات وردع المعتدين عليهم، وضمان العدالة في التنمية المستدامة والتوزيع العادل للثروة والسلطة.
٤. المسالم الذي يطمح لاستدامة السلام في البلاد وتخليص عملية السلام من براثن الابتزاز السياسي الذي يستغل المظالم لتأجيج الحروب واتخاذها مطايا للتكسب والارتزاق والتوظيف.
٥. المتطور الذي يتخذ من ماضيه اعتبارا لعدم تكرار اخطاء ارتكبها سابقون، ويتحرك نحو المستقبل بمدارك متسعة مستوعبة لأطر التطور والنمو والازدهار.
٦. المحتَرَم في ذاته والمحتَرِم للآخر المجاور له، سواءً كان صديقا دوليا، أو شقيقا إفريقيا، أو جارا عربيا، أو أخا إنسانيا، تقوم علاقته معهم على الندية والإخاء والمعادلات الكسبية للجميع.
٧. الديمقراطي الذي يؤمن بالحكم الراشد وبمدنية الدولة واستقلالية سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وحيادية ومهنية قواتها النظامية، وانضباط جيشها الموحد، وفدرالية الحكم لأقاليمها، وحرية الإختيار والتعبير لأبنائها، واستقلالية ونزاهة التفويض الانتخابي الذي يتحقق بشروط تكفل مشاركة الجميع على قدم المساواة.

✓• مشاركة السدنة والفلول:
هذه القناعات بعاليه يدعي كثيرون الإيمان بها من القوى السياسية والمدنية السودانية كجماعة الميثاق والقوى الوطنية وآخرين، وقالوا أنهم سيخرجون شاهرين أصواتهم ومشاركين في حراك الثلاثين من يونيو، وأعتقد جازماً أن قوى التوافق الوطني إن حاولت فعل ذلم فإنها لن تستطيع رفع شعاراتها المؤيدة للانقلاب، ولا تلك الداعية للشراكة مع العسكر، ولا التي تنادي بمنح شرعية لسلطتهم، ولن نشاهد واحدة أو واحداً من قياداتهم وسط الجماهير في المواكب، لأن بعضهم الآن ينخرط في اجتماعات التنسيق الأمني مع سلطات الإنقلاب في لجانه الأمنية في العاصمة والولايات، وهو ما سيمنعهم من التواجد مع الجماهير، لأن مواقفهم مخزية ومتصادمة مع الشارع المقاوم، أما فلول النظام البائد وسدنته فهؤلاء لا يستطيعون حتى تحمل هتاف الجماهير الذي أسقط سلطتهم (أي كوز ندوسو دوس)، ولن يقووا كذلك على استفزاز الشارع برفع شعاراتهم، فهؤلاء قد أفل نجمهم وغابت سطلتهم وفشل حتى الإنقلاب الحالي في إعادة ألقهم وتدوير إنتاجهم، والترويج لنهجهم وبريقهم المكذوب، وهم أجبن من أن يظهروا للعلن، وإن كان لهم نشاط سيكون بصورة هدامة سرية تخريبية تعلن بإعلان محاولة الإنقلاب (القادم) ولنميز أن لهم مسيرات ولنا مواكب، ولهم إخوان ولنا تروس، ولهم فارهات وبصات وحافلات تقلهم ولنا أرجلنا، ولهم بطون محشووه ومملوءة ولنا صدور عارية وحانجر يشقها الهتاف، فبثمارهم تعرفونهم.


✓• تصدي السلطة الانقلابية:
دون أدنى شك أن السلطة الانقلابية الحالية هي ذاتها التي قررت منذ اليوم الأول في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، أن تتعامل بقمع وصلف وبطش مع المحتجين ومعارضي الانقلاب، وأوكلت زمام السلطة الباطلة الباطشة لضباط معروفون ببغضهم للثورة والثوار، ويعملون في مختلف الوحدات والأجهزة والقوات النظامية، واستعادوا أيضا ضباط وصف ضباط وجنود ممن أطاحت بهم الثورة في أبريل ٢٠١٩م من أجهزة النظام الإخواني المخلوع، كمنتسبي هيئة العمليات والدفاع الشعبي وكتائب العمل الخاص، وجميع هؤلاء لم تتغير خطتهم أو طرق تعاملهم، وإنما طوروا آليات القمع بالغاز المسيل للدموع والدهس، والضرب بالرصاص الحي والمطاطي، وضربات البنادق الانشطارية (الخرطوش) القاتلة، والإطباق والحصار والإغلاق بالحاويات، وحملات الاعتقال الاستباقية للمواكب، مصحوبا ذلك بانتهاكات جسيمة وصلت للاغتصاب والتعذيب وانتهاك الحقوق والحريات الأساسية، وإذا كان الحال كذلك حتى اليوم الموعود ولم تتغير الوجوه الأمنية والواجهات الإخوانية في الأجهزة النظامية فستقابلنا ذات السلطة بقمعها وخطتها المفرطة في العنف.


✓• حتمية المواجهة:
ولكن يقيني أن يوم الثلاثين من يونيو سيكون نقطة اللاعودة للبطش لأن موجة الجماهير ومواجهتهم ستكون أقوى من كل أيادي القمع والتنكيل، وستهزم جبروت الاستبداد، وتكسر مفهوم الانفراد والعناد، كما أن اللجان المركزية والولائية والميدانية للقوى الحية وفي لجان المقاومة والتنسيقيات والمكاتب الفنية، قد ابتكرت وسائل ستفاجيء تكتيكات الأجهزة الأمنية وستخترق جدر التحصين، وستملأ المواكب العاصمة وتغرق مدن السودان المختلفة بالسيول البشرية رفضا للانقلاب والسلطة الدكتاتورية، وكل هذا سيكون بصورة غاية في السلمية والحضارة ينقلها العالم وتراقبها الدول والشعوب المؤمنة بالديمقراطية والمناصرة لقضية الشعب السوداني.

✓• ختاماً: 
مثلما أعددنا العدة والعتاد للإطاحة بنظام وضيع ضيع مكتسبات البلاد السياسية والاجتماعية والخدمية والاقتصادية والأمنية وأدخلها في حالة اللا دولة واللا حكومة واللا دستور، وحاول إعادتنا لمربع العزلة الدولية وقوائم الارهاب واستدعى لذلك فلول النظام البائد واستحضر جماعاته المتطرفة وكتائب ظله، علينا أن نحمي أنفسنا مقبل الأيام ونحرص على سلامة بعضنا ونعد كل سبل الجاهزية لحماية البلاد من أي مغامرة محتملة ووأدها في مهدها، فحراسة مشاريع الحق تستوجب اليقظة والحذر والحرص، وليعمل وليعلم كل منا بأن في عنقه دين شهيد وجريح ومصاب ومفقود ومغتصب ومنفي قسري ونازح ولاجيء ومهاجر، ولا مجال في ذلك لخطابات تخوين أو محاولات عزل لأي ممن ارتضى السير في طريق (الحرية والسلام والعدالة)، وآمن بضرورة أسقاط الانقلابات إلى الأبد في السودان وصولا لتحقيق السلام العادل الشامل التام والتحول الديمقراطى الكامل المستدام.
 (تمت ختمت .. كسر قلمك)
انتهىٰ