. (ذكرى ووفاء)
✓• يصادف اليوم الذكرى السنوية لرحيل البروفيسور النطاس العلامة الخبير الزاهد العالم العامل الحبيب الراحل المرحوم:
«محمد المصطفى حسن عبد الكريم»
✓• كان الفقيد عظيماً في مظهره ومخبره وجوهره، وصل إلى أرفع الدرجات العلمية، وأجاد أمهات لغات العالم، فكان ترجمانا لما استعصى من الكتب في تخصصه ومجاله في الزراعة والأدوية والسموم، واستحق بذلك أن يكون أهم المراجع العلمية لطلاب البكالوريا في الجامعات والباحثين وطلاب الدراسات العليا.
✓• كان محبا للأرض شغوفا بها، ومحبا لزرعها وزارعيها، ظل يكتب «نظريا» للحفاظ عليها ويخطط لاستثمارها واستصلاحها، مهموما بحالها ومآلها، عاملا وعالما بأحوالها وطبائعها، يعرف ما يؤلمها وما يسكن آلامها، وما يميت ويحيي نباتها وأنعامها، ومع ذلك «عمليا» ظل عاملاً حتى رحيله في سوق مدينة سنار التي افتتن بها، فكان مثالا يحتذى به في علو الهمة وقوة العزيمة والإرادة، وفيا لبلاده عليما بإنسانها وأنسابها.
✓• لم يقتصر اجتهاده على الزراعة والبيطرة وعلومهما فقط، بل كان قارئا نهما لأمهات الكتب، ومفكرا ثاقب الرؤية، وأديبا ذواقا، ومؤرخا مصححا لتدليس روايات المستعمرين ومحققا في تاريخ البلاد، وترجم بقلمه العديد من المؤلفات، جلها طبعتها دار العزة للنشر لصديقه وحبيبه مالكها العم نور الهدى، الذي كان دوما ما يحرص على زيارته عند قدومه لامدرمان لزيارة أهله "آل السراج"، كما كانت من أهم محطاته «مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي»، والمكتب الخاص للإمام الصادق المهدي والذي كان يخص بالزيارة فيه المهندسة رباح الصادق التي تستضيفه وزوجها د. عبد الرحمن الغالي في منزلهما المضياف ويهاديهما ويهادونه المؤلفات المعطونة بالمحبة، فهو «التلميذ» المطلع الذي لم يوقفه مرض أو تبعده علة عن القراءة، وهو «العالم» والأستاذ الذي لم يمل تدريسنا حب الإنسان والسودان حتى رحيله، فقد عاش مجتهدا مجاهدا مجدا من الركاب إلى التراب.
✓• كان محبا محبوبا، مودا ودودا، بسيما رحيما، معطاء كريماً، عابداً ذاكرا، متبتلا خلوقا، حكيماً حليما، عاش متضعا حتى رفع الله، ظل يؤوينا في فترات العسرة ونحن طلابا فيكف عنا الملاحقات والمطاردات، ويحرص على تذخيرنا بالمعرفة والأدب وكريم الاخلاق، يحثنا على الاستبسال والشجاعة، ويستغل كل فرصة نلتقيه فيها ليعلمنا ما يفيد، فقد كان أستاذاً في مدارس فكرية وفلسفية متعددة غير مدرسته المهدوية الأنصارية، لا يضن علينا بجهده، ولا وقته، ولا علمه، ولا كتبه ولا ماله ولا كرم زوجه السيدة آسيا المرضي، ووقوف عياله لإكرامنا، يعتز بنا أيما اعتزاز، عندما كنا نزوره يحرص على تعريفنا بمن حوله، مفاخرا بنا كما كنا مفاخر به، فقد آزرنا في ساحات النشاط الطلابي مخاطبا في الندوات ومشاركا في الفعاليات ومحاضرا في المنتديات.
✓• استحق العم الحبيب الراحل أن يكرم ألف مرة لعلمه ولعطائه ولخبرته ولصموده، فقد كان صلبا أمام فتن الزمان ومغرياته، ومناهضا للاستبداد وآلياته، ومهاجمة للحكم الشمولي بأدبياته، لم يسل لعابه لسلطة رغم كل المواقع الإدارية والسياسية الرفيعة التي عرضت عليه، فاختار أن يعيش مسكينا محبا للمساكين ليحشر في زمرتهم مع سيد المساكين صلى الله عليه وسلم.
✓• رحل الحبيب وألقى على عواتقنا دينا ثقيلاً، فقد كان يطمح لأن يرى ولاية سنار انموذجا زراعيا يمتد من ديم المشايخة شمالاً، إلى جانب جنوباً، ومن الدالي والمزموم وأبوعريف غربا إلى المدرسة شرقا، بمطار انتاج، ومجالج، ومزارع وانظمة ري حديثة ومصانع ومحاجر بيطرية، ومراكز أبحاث للسلالات المختلفة من المواشي والحيوانات، ومحمية تضم في طياتها كل أجناس الهوام والطيور والأنعام، كان يريد لذلك النموذج أن يتم كل السودان، ليقينه التام أننا أحوج ما يكون لأرضنا وأرضنا أحوج ما كانت لنا، والعالم يحتاجنا جميعا ، وقد وخط لذلك مشروعاً متكاملاً وطوحا نسأل الله أن يرى النور وفاء له ولروحه الطاهرة.
✓• التعازي موصولة لأهله وأحبابه وأصحابه وأصهاره وأنسابه وأسرته وحفدته وكيانه وجيرانه، ففقده يتجدد ألمه كل عام بل كل يوم، ومثل محمد المصطفى لن يلتئم جرح فراقه ولن يجبر كسر رحيله.
✓• رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وألهم أهله وذراريه الصبر والسلوان.