الأربعاء، 23 أكتوبر 2024

مصر و"التقليب" في الأزمة السودانية

مصر و"التقليب" في الأزمة السودانية

𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

● لا زالت تشهد الأزمة السودانية تحولات خطيرة وتعقيدات كبيرة وأحداث مثيرة، إذ تتراجع كافة الأدوار الإيجابية للأطراف الإقليمية والدولية وخاصة الدور السعودي الأمريكي في جدة وجنيف، وتتجه الأمور نحو تصعيد خطير على الأرض، ومن جهة أخرى تلعب مصر دورًا محوريًا في هذه الأزمة، ولكن دورها يثير العديد من التساؤلات حول أهدافها الحقيقية، خاصة في ظل اتهامها مؤخرا بالتدخل في الشأن السوداني واعتقال قادة المعارضة.

أولًا: كانت مصر تلعب دورًا إيجابيًا في محاولات حل الأزمة السودانية باجتراحها لمنبر الجوار السوداني والذي كان بمثابة مبادرة ضمت حتى المتناقضين كإثيوبيا وإريتريا، ونالت جزاء لذلك دعما دوليا سخيا لاستضافتها الفارين من السودان جراء الحرب، لم تنله تشاد التي استضافت أعدادا تفوق من استضافتهم مصر، وكما يقولون (قلبت) مصر الأسرة الدولية والإقليم باسم السودان أموالا طائلة دون أن تفتح معسكرا واحدا أو مركزا خدميا للاجئين، ولكن هذا الدور أيضا شهد تراجعًا ملحوظًا ووأداً للمبادرة (جوار السودان) في مهدها لأنها أتت ضرارا لمنبر جدة ومبادرة الإيقاد، وبدأت مصر تتبنى مواقف انحيازية أكثر حزبية، وتدعم طرفًا على حساب الآخر، مما أدى إلى تعقيد الأزمة وزيادة حدة التوتر.

ثانيًا: مصر بدت نشطة جدا في التدخل السافر في الشأن السوداني، وذلك من خلال:
* تقليم أظافر المؤسسة العسكرية لصالح جنرالات موالين لمصر بضحها وضحيحها، منذ محاولة انقلاب عميدها بكراوي المدعوم من القاهرة في سبتمبر 2021م.
* اعتقال قادة القوى المدنية أو ما يمكن تسميته إقامة جبرية وفق (متلازمة القاهرة) القاهرة لكل أولئك، إذ تقوم مصر باعتقال كل المدنيين وقادة المجتمع باختيارهم، ومنعهم من حرية دخول ومغادرة أراضيها والعودة، مما يعيق أي محاولة للحوار والتسوية مع من هم خارج مصر بدون رضى السلطات المصرية.
* فرض رؤيتها على العملية السياسية وهي تجهز لليوم التالي للحرب تسعى مصر إلى فرض رؤيتها الخاصة على العملية السياسية في السودان، دون مراعاة لمصالح الأطراف الأخرى.
* تقييد حريات الأحزاب السياسية التي صار نشاطها في مصر مقتصرا على الأنشطة الاجتماعية أتراحا في المساجد أو أفراحا في الصالات، وتمارس مصر ضغوطًا كبيرة على الأحزاب السياسية السودانية، خاصة حزب الأمة القومي، وتحد من حريتها في اتخاذ القرارات أو مزاولة نشاطها فلا زال انعقاد المكتب السياسي المركزي للحزب معلقا بمنح ومنع السلطات المصرية أذونات الحضور والإقامة والموافقات الأمنية لأعضاء المكتب السياسي.

ثالثا: خلاصة القول أن الأزمة السودانية تراجعًا في الدور الإيجابي للأطراف الإقليمية والدولية أيضا، فمثل المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات والبحرين والاتحاد الأفريقي والإيقاد، أطراف بدأت بحماس شديد للتدخل في حل النزاع، وهذه الأطراف بدأت تتبنى مواقف أكثر حيادية أو انحباز ودعم لأحد الأطراف كدعم الامارات للدعم السريع ودعم وزير خارجية رئيس الإيقاد دولة جيبوتي للجيش، مما أضعف فرص الحل السلمي للأزمة.

رابعا: تتجه الأزمة السودانية نحو تصعيد خطير على الأرض، وذلك بسبب التالي:
* تعميق الانقسامات بواسطة المحاور الخارجية وأجهزة الأمن والاستخبارات السودانية، ومعلوم أن التدخل الأجنبي يقود للتدجين وتعمق الانقسامات السياسية وإلى زيادة حدة الصراع.
* كما أن تفاقم الأزمة الإنسانية شكل عبئا على الجميع في الداخل والإقليم والعالم، وسيظل يعاني الشعب السوداني من أزمة إنسانية حادة، تهدد استقرار المنطقة بأكملها، في ظل عجز تام عن تقديم يد العون له وتسهيل انسياب المعونات وحماية المدنيين.
* يظل تهديد السلم والأمن الإقليميين ماثلا في ظل احتدام الصراع في السودان، وسيقود استمرار الأزمة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتهديد السلم والأمن الإقليميين في منطقة البحر الأحمر وشمال وشرق ووسط إفريقيا.

خامسا: لتجاوز هذه الأزمة، يجب على الجميع محليا وإقليميا ودوليل العمل بعيدا عن أحندة خلاف تحقيق السلام للسودانيين واتخاذ إجراءات وتدابير:
* تمنع جميع الأطراف الخارجية وتوقف التدخل في الشأن السوداني، والسماح للشعب السوداني بتحديد مصيره بنفسه، وأن يتم دعم صيغة موضوعية للحوار الشامل بين جميع الأطراف السودانية الرافضة للحرب والداعية لإيقافها، للتوصل إلى حل سياسي للأزمة.
* وعلى الجميع تجنب الحديث عن تقاسم السلطة والثورة والمضي نحو صيغة متوافق عليها عن كيف يحكم السودان؟ وليس من بحكمه؟ بوضع ضوابط تمنع من ولغ في دماء السودانيين وانقض على ثورتهم ونهب ثروتهم، وتحرم وتجرم كل خطابات الكراهية والمحرضين وتبعدهم من تولي أي مسؤولية سياسية في البلاد، حينها سيسهل الاتفاق على إدارة البلاد وتقاسم مواردها وتوزيع السلطة والثروة بين جميع الأطراف السودانية بما يحقق التوازن، وبما يضمن تمثيل جميع المكونات الاجتماعية والسياسية والقوى المهجرية والنازحين واللاجئين والنساء والشباب وغيرهم.

● ختاما: إن أي حديث خلا ما قيل أو استمرار لتجاهل الصراع في السودان سيدفع ثمنه الإقليم والعالم أضعاف ما دفعه السودان من أثمان فقنبلة البارود شديدة التفجيرة وقتت ساعتها وكل يوم يزيد شحنها بالتسليح والدعم وخطابات التحريض والتعبئة والكراهية والتطرف، وما يتفاقم تبعا لذلك من أوضاع كارثية إنسانية وصحية يتطلب تضافر الجهود الدولية والإقليمية لحلها بقبلة الحياة الأخيرة للسودان، وينبغي على جميع الأطراف المعنية التحلي بالحكمة والمسؤولية، والعمل من أجل تحقيق السلام والاستقرار في السودان، وإلا فستأكل نار السودان الجيران وما حولهم، وتحيل خضرتهم رمادا.

● همسة أخيرة: لتجنب احتكار القرار السياسي والمصيري للسودان على كل قادة الشأن السوداني مغادرة دولتي مصر والامارات لدول تكفل لهم حرية الحركة والتنقل والتعبير والنشاط ولا تتحكم في قرارهم، و سجن لسجن فالسودان أولى وأرحب.

تنبيه: هذا المقال لا يعبر بالضرورة إلا عن رأي كاتبه.

الأحد، 20 أكتوبر 2024

انقلاب نوفمبر وثورة أكتوبر.. إسقاط على حالنا اليوم!!!

انقلاب نوفمبر وثورة أكتوبر .. إسقاط على حالنا اليوم!!


𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈 
`Ⓞ.Ⓢ عُــــــروة الصّــــــادق`

توثق الأيام الحالية نموذجا مستنسخا لتاريخ السودان قبل وبعد انقلاب 17 نوفمبر 1958م، في حالة النظر بعين فاحصة والتركيز على الأحداث السياسية التي أدت إلى الانقلاب وقتئذ وعواقبه، وإذا قرأنا بحياد روايات وشهادات مختلفة حول الأسباب والدوافع وراء الانقلاب، بالإضافة إلى ردود الفعل الشعبية والسياسية عليه، سنجد أننا نكرر قراءة وتطبيق صفحات التاريخ وقع الحافر بالحافر والانقلاب بالانقلاب والحرب بالحرب.

"في ليلة 17 نوفمبر 1958م، أطلقت رصاصة الإنقلاب رصاصة الرحمة على حلم سوداني بالديمقراطية، ففي لحظة تاريخية حاسمة، استبدل العسكر بالمدنيين في سدة الحكم، معلنين بذلك بداية فصل جديد من تاريخ السودان، فصلٍ شهد صراعات طويلة وحروبًا أهلية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا فشلت التجربة الديمقراطية الوليدة؟ وهل كان هذا الانقلاب حتمياً أم أنه كان مجرد فصل في مسلسل طويل من الانقلابات التي شهدتها البلاد؟"


نعم شهد السودان في أعقاب الاستقلال فترة من الاضطرابات السياسية والصراعات الحزبية التي أضعفت مؤسسات الدولة وهددت استقرارها، ةهذه الأوضاع المتأزمة، التي تفاقمت مع مرور الوقت، مهدت الطريق لانقلاب 17 نوفمبر 1958م، وكانت الصراعات الحزبية وتشكل الحكومات الائتلافية
بعد الاستقلال، شهد المشهد السياسي السوداني صراعات حادة بين الأحزاب السياسية الرئيسية، أدت هذه الصراعات إلى تشكيل حكومات ائتلافية هشة، عجزت عن تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، فشلت هذه الحكومات في معالجة القضايا الملحة التي تواجه البلاد، مثل الفساد والبطالة والتفاوت الإقليمي.

وقد تزايد التوتر السياسي وظهور الدعوات للإصلاح
مع تزايد الاحتقان السياسي، بدأت تظهر دعوات للإصلاح السياسي وتغيير النظام الحاكم، وزادت حدة التوتر بين الأحزاب السياسية، وظهرت حركات احتجاجية تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية ومحاربة الفساد، إلى أن عنت محاولة الانقلاب الأولى وجاءت في أعقابها رسالة مهمة للسيد الصديق المهدي، فقد شهدت البلاد في عام 1957 أول محاولة انقلاب عسكري، مما أظهر هشاشة الوضع الأمني وتزايد الاستقطاب السياسي، في محاولة لتجاوز هذه الأزمة، قدم الإمام الصديق المهدي مقترحات لحل الأزمة السياسية، شملت تأجيل انعقاد البرلمان وتشكيل حكومة قومية، إلا أن هذه المقترحات لم تلقَ القبول الكافي من جميع الأطراف، وحينها فشلت المفاوضات وتعمق الأزمة، وبالتالي أجهضت كل المحاولات المتكررة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، مما أدى إلى تعميق الأزمة السياسية، وزادت الخلافات بين الأحزاب السياسية، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية، مما زاد من معاناة المواطنين.

ومن أخطر أسباب فشل التجربة الديمقراطية الأولى ضعف المؤسسات المدنية وكذلك كانت المؤسسات السياسية والقضائية ضعيفة، مما سهل التدخل العسكري في الشأن السياسي، وقد أدى الاستقطاب الحزبي الشديد إلى عرقلة عملية التنمية السياسية، فيما لعبت القوى الخارجية دوراً في تأجيج الصراعات الداخلية في السودان، وقاد تفشى الفساد في مؤسسات الدولة، لإضعاف الثقة في النظام الديمقراطي، وتدخلت دول جارة في تنسيب وعمل القوات المسلحة السودانية بصورة سافرة.

لذلك نجد أن الأحداث التي سبقت انقلاب 17 نوفمبر 1958م تكشف عن أسباب فشل التجربة الديمقراطية الأولى في السودان، فغياب الإرادة السياسية لدى القادة، والتدخلات الخارجية، والفساد، والاستقطاب الحزبي الشديد، كلها عوامل ساهمت في خلق بيئة خصبة للانقلابات العسكرية، بالإضافة للوضع السياسي المتأزم والصراعات الحزبية، فقد شهدت البلاد بعد الاستقلال نشاطاً حزبياً مكثفاً، إلا أن هذا التعدد لم يترجم إلى استقرار سياسي، بل أدى إلى صراعات حادة بين الأحزاب على السلطة والمناصب.

كما أن الحكومات الائتلافية الهشة التي تشكلت من قوى متعددة، عانت من ضعف التماسك والصراعات الداخلية، مما أضعف قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة، الأمر الذي قاد لغياب الاستقرار السياسي وفاقمت الصراعات الحزبية المتكررة عدم الاستقرار السياسي، مما أثر سلباً على الاقتصاد والمجتمع، وخلق حالة من الرفض السياسي والاذعان لعسكرة الحكم.

وقد فشلت الحكومات في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وأهم تلك القضايا مسألة الجنوب التي ظلت دون حل، مما زاد من حدة التوترات داخل البلاد، واعتبر الجيش نفسه الحامي للأمن والاستقرار والوصي الأوحد في البلاد، مما دفعه للتدخل في الشأن السياسي في عدة مناسبات، وكان لدى بعض القادة العسكريين طموحات سياسية، ورغبوا في تولي السلطة.

كما أن خيبة الأمل الشعبية في النظام الديمقراطي ساهمت في شعور الكثير من السودانيين باستياء من أداء الحكومات المدنية، مما زاد من استعدادهم لقبول الانقلاب، وقد حظي الانقلاب بدعم من بعض القوى السياسية التي رأت فيه حلاً للأزمة السياسية.

وقد أثار الانقلاب ردود فعل متباينة في الشارع السوداني، فرحبت به بعض القوى السياسية التي كانت تعارض الحكومة السابقة، بينما عارضه آخرون واعتبروه خيانة لحالة الثورة والشعور بالاستقلال، كما تباينت ردود فعل المجتمع الدولي، حيث أدانته بعض الدول، بينما تعاملت معه دول أخرى بحذر.

في خضم التعبئة المناهضة للانقلاب وتزايد موجاتها شهدت جامعة الخرطوم أحداثاً دامية في أعقاب الانقلاب، حيث قُتل الطالب أحمد قرشي خلال مظاهرة احتجاجية على النظام الجديد، أدى هذا الحادث إلى تصعيد التوتر بين الطلاب والحكومة، وزاد من حدة المعارضة للنظام العسكري.

وقد شهدت البلاد موجة من الإضرابات والمظاهرات الشعبية المطالبة بإسقاط النظام العسكري وإعادة الحكم المدني، قمعت السلطات هذه المظاهرات بعنف، مما أدى إلى سقوط المزيد من الشهداء والجرحى.

استمر النظام العسكري في الحكم حتى عام 1964م، عندما أطاح به ثورة شعبية عرفت بثورة أكتوبر، كانت هذه الثورة نتيجة لتراكم الغضب الشعبي ضد النظام العسكري منذ الانقلاب، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

نعم! أدى الانقلاب إلى تراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان في السودان، حيث تم حظر الأحزاب السياسية وتقييد الحريات العامة، وعانى الاقتصاد السوداني من تدهور كبير خلال فترة حكم النظام العسكري، بسبب سوء الإدارة والفساد، وأدى الانقلاب إلى تفاقم الصراعات الإقليمية، خاصة في الجنوب، مما أدى إلى اندلاع حرب أهلية طويلة، وحينها شكل الانقلاب نقطة تحول في الهوية الوطنية السودانية، حيث أدى إلى تراجع الشعور بالوحدة الوطنية وتزايد الانقسامات الاجتماعية والسياسية، هل نحن بصدد تكرار الأمر؟؟

منذاك شكل انقلاب 17 نوفمبر 1958م نقطة تحول حاسمة في مسار السودان التاريخي، حيث أطاح بالحكم المدني وأسس لنظام عسكري استمر لسنوات، ترك هذا الانقلاب آثاراً عميقة على مختلف جوانب الحياة السودانية، والتي لا تزال آثارها بادية حتى يومنا هذا، فقد أدت الانقلابات المتكررة في السودان، بدءًا بانقلاب 1958م، إلى خلق بيئة سياسية غير مستقرة، مما أثر سلبًا على عملية التنمية، فقد أدت هذه الانقلابات إلى تراجع الاستثمار المحلي والأجنبي بسبب عدم الاستقرار السياسي وعدم اليقين بشأن المستقبل، وهجرة الكفاءات السودانية إلى الخارج بحثًا عن فرص عمل أفضل واستقرار سياسي، وتركز الحكومات العسكرية على الصرف على أجهزتها الأمنية، مما أدى إلى إهمال البنية التحتية والخدمات الأساسية.

فاقمت الانقلابات العسكرية من الصراعات الداخلية في السودان، سواء كانت سياسية أو قبلية أو إقليمية. أدت هذه الصراعات لتعميق الانقسامات بين مختلف المكونات السودانية، مما أضعف الوحدة الوطنية، وزيادة موجات من العنف والاضطرابات، مما أدى إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وتدهور الأمن والاستقرار في العديد من المناطق، مما أدى إلى انتشار الجريمة والعنف.

تسببت الانقلابات العسكرية في تفاقم مشكلة الجنوب، حيث شعرت الأقلية الجنوبية بالتهميش والاستبعاد. أدى هذا إلى تصاعد المقاومة المسلحة في الجنوب، والتي تطورت لاحقًا إلى حرب أهلية طويلة وشهد السودان خلال فترة الحكم العسكري تراجعًا كبيرًا في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتم حظر الأحزاب السياسية والقوى المدنية، وقمع المعارضة، واعتقل الآلاف من النشطاء السياسيين.


استمر الأمر كذلك إلى أن شهد السودان في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964م ثورة شعبية عارمة أطاحت بالنظام العسكري الذي استولى على السلطة بانقلاب عام 1958م، كانت هذه الثورة بمثابة فجر جديد للشعب السوداني، حيث حملت آمالاً عريضة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

في قلب هذه الثورة، برز اسم الشهيد أحمد القرشي، الذي قدم روحه فداءً للوطن، كان القرشي طالباً جامعياً شاباً، يتمتع بحس وطني عالٍ وشجاعة فائقة، استشهد وهو يؤدي واجبه الوطني في الدفاع عن حريته وحقوق شعبه.

عندها لعب الطلاب الجامعيون دورًا محوريًا في اندلاع الثورة، حيث كانوا في طليعة المقاومة ضد النظام العسكري. وقد استشهد العديد من الطلاب خلال الأحداث، وكان الشهيد أحمد القرشي أول الشهداء.

نادت الثورة وقتها بإسقاط النظام العسكري، والتخلص من الحكم العسكري وإعادة السلطة إلى الشعب، وإقامة نظام ديمقراطي وبناء نظام يضمن حقوق وحريات المواطنين، وحل مشكلة الجنوب بصورة شاملة وعادلة ودائمة، بالإضافة 
لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ورفع مستوى معيشة المواطنين وتوفير الخدمات الأساسية.

وفعلا أنتجت الثورة بعض مراميها، ونجحت في إسقاط النظام العسكري وإعادة السلطة إلى المدنيين، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وعادت الحريات العامة، وتم تأسيس أحزاب سياسية جديدة، وبدأ حوار بين الشمال والجنوب لحل مشكلة الجنوب.


رغم أن السودانيين استنسخوا ذات التجربة الثورية الأولى في إبريل 1986م، وديسمبر 2018م، إلى أن ذات التحديات التي أجهضت ثورة أكتوبر لا زالت ماثلة تواجه الثورة السودانية، وهي عدم الاستقرار السياسي، الذي قاد وسيقود لانقلابات عسكرية جديدة، واستولاد مشكلة الجنوب في أقاليم جديدة، الأمر الذي أدى تاريخيا إلى اندلاع حرب أهلية طويلة، واستنساخ ذات الأمر ليعم كل ربوع السودان في 2023م، وقد واجهت البلاد ولا زالت تحديات اقتصادية كبيرة، مثل الديون الخارجية والفقر والبطالة، أضف إليها أطماع دول جارة وشقيقة في ثروات وموارد السودان.


ختاما: من لا يتعبر من ماضيه لن يتعلم وستظل ثورة أكتوبر علامة فارقة في تاريخ السودان، وهي مصدر إلهام للأجيال القادمة، ومثلما قدم الشهداء، وعلى رأسهم الشهيد أحمد القرشي، تضحيات جسام من أجل الوطن أتى من بعده جيل جديد من الشهداء، وأجيال متناسلة من المناضلين السلميين فاقت أعدادهم الملايين، لذا علينا جميعًا أن نحافظ على إرثهم ونستلهم من نضالهم، ونقطع دابر الأنظمة الشمولية والدكتاتوريات .. لأن الحرب الحالية هي ثمرة انقلاب أكتوبر 2021م، والذي سينتهي أمده ويجتث قادته وتنطوي صفحته باتباع خطوات الثورة وعدم الركون لأي من طرفي الحرب وعدم دعم العنف كوسيلة لاسترداد الحقوق، فالسلمية وحدها والحلول التفاوضية هي التي تحقق استدامة الاستقرار.
لذلك واجبنا عدم استنساخ التجارب الفاشلة وتكرار نماذج تحالفاتنا الشائهة والمعطوبة وعدم ركون المدنيين منا للعسكر، فكل هذا يعني الحرب وعودة العسكر للسلطة والموت الزؤام للسودانيات والسودانيين.