السبت، 1 يناير 2022

حوار قي آخر لحظة

ممثل نداء السودان وعضو قوي الحرية التغيير في حوار الصراحة
عروة الصادق لاخرلحظة
قوي الحرية والتغيير وتداعيات الثورة وتحديات لجان المقاومة والشارع والمطالبات الثورة وصراع مكونات قوي الحرية والتغيير الحزبية والمهنية اسئلةةعديدة وضعتها اهرلحظة علي طاولة عضو قوي الحرية والتغغير وممثل نداء السودان عن حزب الامة عروة الصادق فماذا قال 

* ليس من العيب الطموح نحو القيادة
* حدثت بنداء السودان مستجدات أثرت علي أدائه
* الشيوعي يتنقد ويشارك معنا والشعبي عليه مراجعة نفسه
* الاحواي عانت من برامج أغتيال معنوي ومادي 

حوار: عيسي جديد 

* بعد خطاب تجمع المهنين المعبر عن اسفه للبيانات التي صدرت من قبل بعض عضويته ماهي الترتيبات التي اتخذتوها الان؟
أولا أشكرك أخي جديد والتحية عبرك للقراء في ربوع الوطن والمعورة ودعني أبدأ بالقول أن تجمع المهنيين كيان مؤسسي مسؤول ومؤهل يقوده مجلس قيادي وسكرتارية تنفيذية وهو كيان استحوذ على موثوقية الشارع السوداني وقاد معنا في الحرية والتغيير كافة عمليات النضال ضد النظام وشكلت صفحته الإعلامية بالفيسبوك مرجعية التخطيط والتوجيه والدعم الإعلامي لقوى الحرية والتغيير وتحديد مسارات المواكب ونشر الوثائق المرجعية، وبهذا التجمع من القيادات والكوادر المهنية من هم مؤهلون لإدارة الخلافات الداخلية بالتجمع بصورة مؤسسية ستحسم في مقبل الأيام وستنخفض تلك الأصوات المسيئة والمجرحة للتجمع وقيادته، وأي اتهامات يمكن أن تطرأ حديثا مردها إلى مؤسسات مخصصة للشكاوى والبت فيها ولعل ذلك هو السبيل الأمثل لتدارك تلك الخلافات.
* البعض وصف خلافات التجمع التي طفت للسطح بان السبب هو الكل يريد القيادة وهو صراع احزاب يقودها ممثلينها؟
ليس من العيب الطموح نحو القيادة ولا التطلع للقيادة منقصة أو التنافس عليها، ولكن القيادة الحالية للتجمع أملتها ظروف استثنائية جعلت من بعض الكوادر قيادات عليا لأنهم تصدوا للعمل في فترات التضييق والعسرة التي سبقت سقوط المخلوع وبعضهم دفع لذلك ثمنا كبيرا من التضحيات وأنا أعرف كثيرين منهم حتى الآن لم يظهروا للإعلام لزهدهم في أي مطامع ومصالح قيادية، ومن أهم أولوياتهم أن يستكمل التجمع تكويناته المركزية والولائية بصورة ديمقراطية تستوعب كل مهنيي السودان في الداخل والخارج عبر مؤتمرات تنتخب قيادات التجمع التي ستقود المرحلة القادمة ولن يكون هنالك استثناء لأحد وحينها يحق لأي إنسان مهني أو مهنية التقدم نحو قيادة هذا الكيان العظيم.
* التجمع سبق ان اعلن انه سوف يتجه للعمل النقابي واعداد النقابات للمرحلة القادمة ماذا فعلتم في هذا الصدد؟
فعلا وحقا، الآن قيادات التجمع اتجهوا بقوة نحو المؤسسات التي تستوعب مهنيين وتلاعبت أيادي النظام البائد بنقاباتهم ومؤسساتهم، وابتدروا لذلك حملات توعية وتدريب على استرداد النقابات وتوعية المهنين بحقوقهم وفق القوانين المحلية والإقليمية والمعاهدات الدولية وانتظمت حملة التوعية هذه في الولايات والعاصمة وبعض المهنيين سحبوا الثقة من اتحاداتهم ونقاباتهم على هدي هذه الحملات التوعوية، فضلا عن ربط هذه الأجسام المهنية بالوزارات التي تشرف عليها وإيصال قضاياهم للجهات المختصة في مجلس الوزراء.
* محلليين سياسيبن وصفوه دور التجمع الان بانه قد انتهي ولا يمكن ان يمارس الوصاية علي النقابات فان الوضع تغيير وهنالك ديمقراطية؟
لا يمكن أن يطلق على من يقولون هذا الأمر محللين سياسيين بل مضللين ببساطة لأن التجمع المهني من أهم مكونات الحرية والتغيير وهي القوى المتحالفة الحاضنة لهذه الحكومة والرقيب عليها وعلى أداء وزرائها، ويمثل التجمع الرافع الأقوى لأداء الوزراء والمؤسسات في الفترة القادمة ولا يمكن تسمية الدور الذي يقوم به بالوصاية بل إشراف ضروري لأن النظام الغابر غيب العقل الجماعي للمهنيين وطمس معرفتهم بالنقابات والتكوين النقابي. والتجمع وقادته لا ينادون بغير الديمقراطية ويسعودن جاهدين للإشراف على تكوينات النقابات في كل السودان وصولا لنقابة مركزية منتخبة.
* لجان المقاومة تواجه تحديات كثييرة وكبيرة وهنالك تصرفات لبعضها تم تصنيفها بانها ممارسات خاطئة كيف تري مستقبل لجان المقاومة؟
لجان المقاومة هي تكوينات قوية جمعت خيرة الشباب المناهضين للدكتاتورية فيهم من فقد روحه وارتقى إلى رحاب الله وفيهم من فقد أوصاله وفيهم من استدامت عاهته وفيهم من هو في عداد المفقودين، وبين هذا وذاك شباب حادبون وشابات بطبيعة الحال على مصلحة مناطقهم وولاياتهم وثورتهم وشعاراتها ولن يهدأ لهم بال إلا بعد أن يروا الحرية كاملة غير منقوصة والسلام التام الشامل المستدام والعدالة التي تنتصف للضحايا والشهداء، أما الحديث عن بعض الممارسات فمردها لطبيعة التكوين البشري إذا أن هنالك من يستطيع الصمود والتأني في الأزمات وهنالك من يجزع وينفعل ولكل تقديراته لكني أستطيع القول بأن غالبية اللجان الحالية في العاصمة والولايات يقودها شباب مؤهلون وشابات مميزات في مناطقهم وبعضهم أسهم كثيرا في كشف عبث فلول النظام البائد مما اضطر الفلول لتكوين أجسام موازية قد يحمل بعضها اسم لجان المقاومة أو البناء أو اللجان الديوانية أو لجان الاسناد .. إلخ، وكل هذا محض عبث نسيطر عليه عبر لجنة الميدان المركزية التي تدير الأمر بخبرة ودراية ولها تواصل يومي مع هذه اللجان التي نطمح أن يكون لها دور رقابي كبير على أداء حكومتهم الحرية والتغيير ودور إسناد لمشروعات البناء والتوعية طوال الفترة الانتقالية ودور لتسيير قوافل السلام والمحبة للأقاليم المنكوبة ودور إبداعي كبير يطلع به المبدعون بمختلف مشاربهم في هذه اللجان التي لن نقبل أي مساس أو إساءة لها وستظل عين من عيون الثورة ويد من أيادي حكومة الحرية والتغيير للبناء والتعمير.
* الشارع مازال في حالة احتقان وانتظار لتحقيق شعارات الثورة والتغيير والخكومة الانتقالية بطئية التنفيذ ماهو الحل برايك؟
الشارع به متسرعون للنتائج وبه مدركون لبواطن الأمر وبه مبخسون لدور الحرية والتغيير وحكومتهم، بين هذا وذاك ترتفع أصوات كثيرة منادية برفع المعاناة والبؤس عن كواهل المواطنين وبين من ينادي بضرورة حل و"بل" بين مزدوجين كل مؤسسات المخلوع وإيداع المجرمين السجون وفتح تحقيق علني وشفاف حول جرائم النظام منذ الإنقلاب حتى فض الاعتصام بحرم القيادة العامة، وما تقوم به الحكومة الانتقالية هو بمثابة إعادة ضبط لجوال مفيرس بأسوأ أنواع الفيروسات الكيزانية ويعلم هؤلاء الشباب أن إعادة الضبط تحتاج وقت طويلا مقارنة بأي عملية تنصيب لأي برنامج، لذلك برأي هو إعانة الحكومة الحالية من القطاعات المجتمعية برصد الخروقات اليومية في الشارع والمؤسسات العامة والخاصة واللجان في الأحياء والمؤسسات عليها الإسهام في توصيل ما غاب على الحكومة وإيصال أولويات المنطقة أو المؤسسة المعنية للجهة المختصة وفي سبيل ذلك يتم إتخاذ الكثير من التدابير.
وإذا أخذنا على سبيل المثال حل حزب المخلوع يحتاج لقانون تمت صياغته وسلم لجهات الاختصاص ولإجازته واعتماده يجب اجتماع المجلسين السيادي والوزراء في جلسة مشتركة وعلى ذلك قس الكثير من الإجراءات التي تحتاج لقانون، لأننا ارتضينا أن تحقق دولتنا هذه شعاراتها بخماسية الحكم الراشد العدالة والمساواة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون وإلا فلن يكون بيننا فرق وبين ممارسات نظام المخلوع.
* حزب الامة القومي يحذر وحزب الشيوعي ينتقد وحزب الشعبي يهدد وحزب الاتحادي صامت كيف تقرا مشهد الاحزاب من الثورة والتغيير؟
لعل حزب الأمة القومي له قرون استشعار يستخدمها دوما ليوميء بها نحو المزالق المتوقعة منذ أمد بعيد رصدت شخصيا أكثر من عشرة نقاط قال بها حزب الأمة القومي منذ 19 ديسمبر 2018م في مراحل مختلفة تجاوزها الناس وعادوا إليها في آخر الأمر ولعل آخرها مقترح تكوين المجلس القيادي للحرية والتغيير الذي اقترح منذ إبريل ولم يتم تكوينه إلا في الشهر المنصرم وأحداث كثيرة لا يسع المجال لذكرها أدى تجاوزها لإراقة دماء وعرقلة الوصول إلى الاتفاق ودفع لأجل ذلك الحزب فاتورة كبيرة من الإساءة والتجريح والتخوين أثبتت الأيام بطلانها.
أما الشيوعي فيه تيار يرى في كل ما يجري في الساحة أنه ليس ثورة وإنما هبوط ناعم وكل مخرجاته غير معترف بها إلا أنه عمليا يشارك معنا في كل هذه المخرجات قولا وفعلا فللشيوعي تمثيل في المجلس المركزي عبر كتلة الإجماع ويمثله الحبيب الباشمهندس صديق يوسف ويزاملنا في التنسيقية المركزية الأستاذ طارق عبد المجيد وكذلك هم موجودون في آلية التواصل بين الحكومة والحرية والتغيير ولهم إسهامات حقيقية بالرأي والمشورة للحرية والتغيير وللحكومة، فقط ما لا أفهمه أو أستطيع إيجاد توصيف له عدم تماهي القول مع الفعل لدى الشيوعي.
والحديث عن الشعبي في حد ذاته طرفة فقط أقول أن الذي أتى بالنظام ومنحه الصبغة الأيدولوجية الإسلاموية الواهية والواهمة هم الشعبيون ولا حول لهم ولا قوة إن تمسكوا بتلابيب الفكرة البالية، وليس أمامهم سوى مراجعة أنفسهم فكريا ومواقفهم سياسيا ودأبهم إجتماعيا لأن القطيعة الفكرية التي حدثت لن ترممها عقليات بعضهم المتحجرة وسياسيا وضعوا أنفسهم رسميا مع السفاح في خندق واحد يستوجب الخروج منه الاعتذار للشعب واجتماعيا يمثلون الآن الطرداء الذين لن يتصالح المجتمع معهم قريبا، إلا أنني أقول أن هنالك من هذا التيار مستنيرون فكريا كالمحبوب عبد السلام وشباب كثر نذروا أنفسهم للثورة وساهموا فيها وتحملوا معنا مرارة السجن وذل السجان ورصاصه الغادر، هؤلاء هم جسور الوصال الاجتماعي للشعبي مع المجتمع.
أخيرا: الإخوة الأشقاء في الحزب الاتحادي شكلوا أبرز المتحركات الشبابية في الحضور الثوري كتيارات جديدة ولكن الموقف الرسمي للحزب لا يختلف عن الشعبي وتيارات القوى المخادعة للمخلوع حتى سقوطه، لذلك رسميا الحزب في حالة بيات شتوي يحتاج إلى إنعاش يمكن أن يضطلع به داخليا كوادر نعلمها حريصة على حيوية الحركة الاتحادية وخارجيا تيارات اتحادية كثيرة اجتمعت في التجمع الاتحادي مؤمنة بالبفكرة وضمت في جنباتها أميز الكوادر الذين استطاعوا إيجاد موطيء قدم للتيار الاتحادي في صدارة الحركة الثورية ولا شك أن حضورهم تجلى في نجاحهم في التمثيل سياديا عبر الأستاذ محمد الفكي وإذا استقر الأمر لهؤلاء الشباب سيسهمون في تشكيل تيار الوسط السياسي مع أحزاب الوسط لانتشال البلاد والحفاظ على أرسخ تكويناته السياسية..
• وماذا عن نداء السودان؟
كما تعلم أخي جديد أن نداء السودان هو من أكبر التكوينات السياسية المكونة لتحالف الحرية والتغيير وله دور كبير في بلورة إعلان الحرية والتغيير والوصول به إلى هذه المحطة التي نحن فيها، لا شك أن بالنداء مستجدات أثرت على أدائه أهمها موقف الأحباب في الجبهة الثورية والذي تواصل سعينا لمعالجته عبر اجتماعات العين السخنة وفي سبيل ذلك اقترح رئيس النداء الإمام الصادق المهدي تجديد برامج وقيادة النداء وأفسح باستقالته عن رئاسة النداء المجال لاختيار قيادة جديدة لاعتقاده أن قيادته للنداء أتت في ظروف استثنائية دفع لإجلها ثمنا بالتخوين والنفي والسجن وزالت تلك الظروف ليقود النداء قادة جدد ودماء جديدة بأفكار جديدة ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تطوير التحالف ليصير تحالف مستقبلي للمرحلة ما بعد الانتقالية.
ويباشر قادة النداء أنشطتهم ضمن الحرية والتغيير وتمثيلهم في مؤسساتها من المجلس المركزي والتنسيقية المركزية وآلية التواصل مع الحكومة واللجان الفرعية بفعالية وحضور ومساهمة فعالة ولهم رؤاهم الثاقبة في تطوير النداء للإسهام في مسار الحكومة الانتقالية وتحقيق السلام العادل الشامل وإكمال التحول الدميقراطي ووضع كل الجهود المبذولة من مكونات النداء في معين قوى الحرية والتغيير.
*الشباب الثوار لم يعد أحد منهم يثق في الاحزاب السودانيية او قوي اعلان الحرية والتغيبر هل تتوقع ثورة شبابية وقيام حزب شبابي ؟
أولا هذا تعميم مخل، ويمكن أن يتم اختباره ببساطة بمشاهدة أي منشط تنظمه لجان المقاومة في أي مكان في السودان إذ يتم الاتصال بأحد قيادات الحرية والتغيير في الحكومة أو خارجها لمخاطبته، وبصورة تكاد تكون يومية هنالك اتصالات بالشباب في المؤسسات والقرى والمدن والفرقان والولايات بالحرية والتغيير للاشراف على تكويناتها، أما عدم الثقة في الأحزاب السياسية فهو شيء طبيعي إذا قارناه بممارسة آحادية استمرت ثلاثة عقود تسيء للممارسة الحزبية وللقادة الحزبيين ووصفهم بأقذع الأوصاف بل صمموا لأجل الأحزاب والحركة الحزبية برامج اغتيال معنوي ومادي.
وغالبية الشباب الذين نراهم هم نشطون في كيانات مقاومة ومجتمعية ومطلبية تزاول نشاطها واجتماعاتها من الدور الحزبية لهذه الأحزاب.
• ختاما: ماذا يقول عروة الصادق للقراء؟
إن السودان أرض الجدود ومنبت الرزق حققنا فيها انعتاقا من عهد الإذلال والرق بصورة جماعية لا علو يد فيها لآخر اللهم إلا الشهداء الذين علو في الأرض وفي عليين بإذن الله، هذا يوجب حراسة مشارع الحق والتضحية لإجل إحقاق الحقوق والانتصاف لهم والذود بقوة عن حما الوطن وأي إهمال أو تقاعس في سبيل الثورة سيكون خيانة للعهد الذي قطعناه مع الشهداء.. وعلينا الإسهام بالرأي والمشورة والعون والمادة لإنجاح الفترة الانتقالية والتصميم على ذلك وعدم ادخار أي طاقة أو جهد في سبيل هذا الوطن أو الطوفان وردة الكيزان عبر ثغرات نخلقها نحن .. فالنار من مستصغر الشرر.

المعركة ضد حزب الأمة القومي خاسرة

المعركة ضد حزب الأمة القومي خاسرة
٣ يوليو ٢٠٢٠م
إذا ما أنصفت الدراسات الموضوعية والمنطقية للممارسة السياسية والمنطقية في البلاد والإقليم والمنطقة حولنا نجد أن جميع الأحزاب السياسية في السودان لها من الإخفاقات والأخطاء والمثالب ما لا حصر له ولا عد ولا يمكن تبرئة حزب الأمة القومي من هذه الأمور والانتقادات، ولكنا نجد هذا الحزب نال النصيب الأوفر من التنكيل والتجريم والتخوين والإساءة والمصادرة والإعتقال والفصل والتشريد لكوادره بالعد والحصر، ومع ذلك ظل مشاركا في كل مفاصل القرار السياسي في الحكم والمعارضة وظل رقما عصيا على التجاوز ومع كل هذا الجهد والاجتهاد والإجهاد مثل حزب الأمة القومي عاملا دون كثير من الأﺣزاب عاملا وفق نظم وأسس قوية تتطور وفق أطر دستورية قابلة للتجديد بلا تكلس، ومرنة إلى الحد الذي مكنه من صياغة برامج تماهي واقع الحال وتقدم الحزب بمفهوم يلبي تطلعات الواقع الوطني والإقليمي والدولي تشارك في كل تلك المفاصل والمراحل جماهير الحزب في المدن والأرياف والمهجر بتمثيل انتخابي حقيقي يعمل الحزب على بلوغه درجة الكمال السياسي.

مارس حزب الأمة القومي في سبيل إيجاد نفسه ووضع أقدامه الرواسخ في المديان السياسي شتى الفنون المعلومة والمطلوبة في علم السياسة مناقشا كافة القضايا بالنهج الديمقراطي والموضوعي الذي يحقق الرضا والقبول الشعبي للمواطنين بمختلف قطاعاتهم ومناطقهم وأديانهم وانتماءاتهم الاثنية فنجد أن انتهاج علم السلوك ودراسة أنماط العيش في بلد مترامية الأطراف كالسودان ومتعددة الثقافات مكن حزب الأمة القومي لأن يكون بحق مسمار الوسط للسودان جامعا كل الطيف المجتمعي السوداني في بوتقة فريدة النوع.

يمكن أن تميز العلوم البيولوجية بين الخلائق في تكوينها وتركيبها الدقيق والوراثي إلى المدى التفصيلي المتناهي ويمكن أن يوصف حزب الأمة القومي بأنه الحزب الوحيد الذي يحوي الشفرة الجينية الوراثية للسودان والسودانيين خلقا وتخليقا ولم يجاريه في ذلك حزب أو يسبقه وإذا واصل هذا الحزب تجديده سينفرد بسرمدية التكوين.
تعد البيئة السياسية السودانية من أكثر البيئات السياسية تلوثا في المنطقة فمورست على مر العصور والدهور سيما الدكتاتوري منها مارست أساليب الاغتيال السياسي والمعنوي بل حتى القتل المادي واستأثرت أحزاب إيدولوجية راديكالية في أقصى اليمين واليسار بالنصيب الأوفر من تلك الممارسات فلم توقفها السقوف الأخلاقية ولا العرفية ولا الدينية ولا الإنسانية ولا حتى آداب الممارسة السياسية، وبفضل العمر المتطاول لحزب الأمة كان بمثابة "تختة التنشين" السياسية لأصحاب الأيدولوجيا الوافدة والغرض السياسي.

ولم تشفع كل مبادرات التنادي الوطني والمصالحات الوطنية بل حتى دراسات الاتصال والتواصل في تجسير الهوة بين الحزب وخصومة الذين أظهروا له في عدد من المراحل التواد والتحالف وأضمروا في ذات الأحيان العداء المستحكم والإساءات المخطط لها بمناهج ومدارس مختلفة.
حزب الأمة القومي تدرجت مراحلة تاريخيا تدرجا سياسيا طبيعيا متماشيا مع الزمكان المعين فبدأ بنظام رعائي لحزب تسنده طائفة دينية وتحكم علاقته مع بعضه عرى عقدية أمتن من تلك السياسية، إلى أن وصل عصر العولمة وعلوم الكمبيوتر ووثقت تلك العرى مواثيق سياسية محكمة ودستور حزبي تطور منذ العام 1945م وصولا لتعديل العام 2009م والذي أودع مختصون مسودة تعديله للمؤتمر المذمع قيامه في مقبل الشهور.

حزب تعاطى مع الاحتياج اليومي للسودانيين ونداءاتهم الاستقلالية ورؤاهم التحررية وصولاً للمرحلة التي يقف فيها الآن على رصيد وافر من الدراسات والبحوث في مختلف القضايا كدراسات التنمية المستدامة والإستفادة من كوكبية الأرض والتموضع استراتيجا في هذا الوطن والقارة والعالم بإحكام دراسة علوم الأرض المائية والبيئة والمناخية والاجتهاد في مكافحة العوز الاجتماعي والندرة بتخطيط الاقتصاد والتمويل والأعمال والصناعة وتقديم كل ذلك في برامج يخطها مختصون من من كل المشارب الأكاديمية والتجريبية والسياسية وقد شكل ملف التعليم والتعلم أكبر هموم هذا الكيان التقليدي "وصماً"، فهو وقيادته من أوائل المنادين والمؤسسين للمدارس والمعاهد الأكاديمية والتعليمية والدينية والحرفية بل حتى المدارس والمعاهد النسوية التي كان الحديث عنها يعد تصرفا مخلاًّ ومخالفا للعرف وأخلاق المجتمع وقتئذٍ.

لم يسبق أو يساير حزب الأمة القومي قط أي حزب أو كيان في استخدام التقنية فقد كان من أوائل الأحزاب التي شكلت حضورا رقمياًّ في السودان والمنطقة والإقليم ويعد الموقع الرسمي للحزب من أقدم المراجع السياسية وأغناها في البلاد والساحة السياسية وقد شكلت مجموعات الحزب الرقمية عامل الهندسة التكنولوجية الحزبية وستسهم تلك المجاميع السبرانية في بيناء وتنظيم وتمويل الحزب في المستقبل المنظور، والمراقب للأداء العام للحملات الإعلامية في منصات التواصل أن هذا الحزب يدير معاركه لوحده دون أن يخسرها ففي السابق كان النظام المباد يسخر جهده وماله وأجهزته لاغتيال وتفكيك هذا الكيان وقذف قيادته بكل محرمات القول والفعل الأخلاقي والسياسي وخلفه في ذلك كيانات ترى أن في حزب الأمة القومي الوريث الحريص على مكتسبات وقيم هذا الشعب وصاحب الحظ الأوفر للقبول والحوز الانتخابي فهرعوا للتحالف ضده واصدمت حملاتهم بحاجز الصد المتين الذي شكله السواد الأعظم لأبناء المدرسة التي لم تعرف سوى التميز والقوة والانتصار.
لم يبخل حزب الأمة القومي وقيادته يوما في مخاطبة قضايا وهموم الناس والأمة والكون وقد شكلت البيئة والزراعة أهم أجندة الحزب على مر مراحله التقليدية والحديثة فالقادة المؤسسون أهم ما قاموا به الاستصلاح الزراعي تنمية المشاريع لاستقرار جماهير الكيان الأنصاري والحزب وحققوا بذلك زراعة وصناعة ورعي واستقرار جنب البلاد الصراع والموت بل شكلوا بذلك مجتمعا متماسكا لا تشبهه إلا المدينة الفاضلة لإفلاطون.
وهو بذلك يعد ويوصف من أكبر الأحزاب الإفريقية المنادية بالاهتمام بالبيئة وخطورة إهمالها وضرورة إيلائها الحظ الأوفر من العناية والرعاية لجعل العالم آمنا بدرجات حرارة معقولة لا تشكل تهديدا على حيوات الطبيعة حولنا وظلت الاستدامة غاية ما ينشده الحزب في أمر البيئة والديمقراطية والسلام ولكثرة الحديث عنها صارت سمتا حزبيا يميز المتحدثين فيه والأدبيات المنشورة له.

وفي ذلك مثلت علوم وتكنولوجيا الأغذية أحد أهم هموم الحزب فقد بذل الدراسات والاستشارات الزراعية الموسمية والدورية التي تنصح الدولة بالإهتمام ببعض المحاصيل الزراعية وتربية بعض السلالات الحيوانية يقدمها لفيف من العلماء والمختصين الذين خرجتهم أعرق المعاهد والجامعات والمؤسسات السودانية وصقلتهم الحقول والمراعي في مختلف مدن السودان فمثلت إستشاراتهم معينا لبعض أصحاب المشاريع الخاصة في النجاح وسد عجز غذائي كبير لبعض المناطق يرى أن ترى خططهم ورؤاهم النور عبر الحكومة التي يعد حزب الأمة القومي أكبر داعميها.

وقد كانت جغرافيا السودان حاضرة في رؤى الحزب، ويستطيع الإنسان الإدعاء صادقا أن تربة حزب الأمة القومي صالحة لاستزراع واستقطاب أي عقل سوداني مهما كان أصله أو منبته الجغرافي لأن هذا الحزب مثلت أرضيته التأسيسية جماع أهل السودان وقبض قادته المؤسسون قبضة من كل شبر من تراب هذا البلد ليغرسوا فيها شخصا ينادي بمباديء جامعة مانعة.

وقد أولى هذا الحزب الرعاية الصحية والاجتماعية الأولية أولوية قصوى في برامجه ومشاريعه السياسية والإقتصادية والإنسانية ولم يضن على البلاد بتقديم خيرة كوادره في المجالات المذكورة ليكونوا خداما للوطن في أحلك الظروف يتقدمهم في ذلك قادة الحزب بسهمهم الذي يصيب في كل موضوع صحي أو اجتماعي، فيعد رئيس الحزب الوحيد الذي يكتب مقالات عن الصحة والرعاية الصحية سيما للأمومة والطفولة وأفرد لذلك اجتهادا كبيرا في سفره نحو مرجعية إسلامية متجددة فاتحاً أبواب النقاش حول قضايا طبية مستحدثة ليس هنالك رأي وطني حولها يمكن لها أن تمكن من إيجاد مرجعية تشريعية مرتجاة في صياغة نصوص الدستور المستدام بإذن الله.
ويعد الحزب من الأحزاب التي لم تركن إلى النصوص الدينية بشتى اختلافاتها ومشاربها ومذاهبها بل مثلت العلوم الإنسانية معينا له للعبور والمرور من برزخ الراديكاليين إلى رحاب الإستنارة فهزم كل المشروعات الثيوقراطية الأحادية النافية للآخر وكذلك الرؤى العلمانية المتكلسة والسلفية اليسارية وقدم أنموذج الدولة المدنية التي فكت الاشتباك الديني العلماني بصورة في اعتقادي لم تقدم المدارس الفكرية السودانية أصوب منها إلى يومنا هذا، وهذا المضمار يعد من أصعب الميادين التي لا يستطيع أحد هزيمة حزب الأمة القومي فيها.

تتقدم الأمم والكيانات والدول بالعلم والمعلومات ويعد حزب الأمة القومي من أكثر الأحزاب اهتماماً  بعلم المعلومات، فلديه المقدرة على إيجاد معلومة آنية مكانية في أي بقعة من بقاع الوطن في اللحظة والحين لانتشار جماهيره الواسعة على امتداد الوطن، ولا يمكن أن يجاريه في ذلك حزب ومع ذلك أرى أنه لم يستفد الاستفادة القصوى من اتقان استخدام إمكاناته المعلوماتية بحقها الأمثل والأفضل.

كل هذا لا يعني أن حزب الأمة القومي انتصر في جميع المعارك بل أجده يهزم في أكثرها كمثل تلك الحروب الاسفيرية التي ينتقي فيها كوادرها ونشطاؤه عيون اللغة والأدب ويقابلهم خصومهم بالتسفل والابتذال، فينتصر عليهم الخصوم توهما في ظل سيولة اجتماعية ترى من سيل البذاءات ثقافة ومن سب العقائد انتصاراً ومن التنمر على الآخر الديني والإنساني والنوعي والعمري طريقا للترقي السياسي والنيل من الخصوم.
كما أن الحزب ظل مهزوما في كل المراحل التي يكون بها التزام بالقانون أو العرف أو الاتفاق فإذا نظرنا إلى آخر محطات العمل السياسي نجد أن الحزب وغيره من الأحزاب التزموا وتواثقوا على عدم المشاركة في الحكومة الانتقالية ولا المحاصصة الحزبية، إلا أنه وجد الجميع قد سبقوه إلى السلطة ومؤسساتها عبر الأبواب والنوافذ ومدوا له ألسنتهم طويلة تسيء إليه وإلى حكومة الفترة الانتقالية التي هم جزء منها، وتاريخيا يعد الحزب من أكثر الأحزاب التي أبرمت مواثيقا ومعاهدات ثنائية أو تحالفية يوقعها الحزب فيوقعها الجميع تحت الأرض ويدوسوا عليها بأقدامهم وبعضهم يمزقها ويرمي بها في وجه التاريخ.

بمنطق الرياضيات والإحصاء نجد أن الحزب عدديا يعد إلى الآن الحزب صاحب النصيب الأوفر من الجماهير والعدد الأكبر من متوسطات العطاء السياسي والاجتهاد الفكري والمساهمة الحياتية اليومية والتعاطي الإعلامي لن يكلف أي إنسان الوصول إلى هذه النتيجة سوى الضغط على كتابة اسم الحزب أو أحد قادته في محرك من محركات البحث مقارنة بالأحزاب السياسية الأخرى.

وبمنطق الطب والأطباء والتمريض والصحة لا يمكن أي يبريء جراح هذا الوطن منطق غير الذي يطرحه الحزب متمثلاً في العقد الاجتماعي الجديد فظل الحزب رغم فترات الضيق والتنكيل والمعارضة هو من يطفيء الحرائق الإجتماعية والحروب الأهلية ويؤسس للهدنة الاجتماعية في كل مرحلة يتأزم فيها الصراع بين مكون من مكونات البلاد، قطعت الشموليات وصوله لسلام مستدام دون دفع فاتورة إنفصال أو تقرير مصيرا كان ممكنا في سبتمبر 1989م ولكن الإنقلابيين شاؤوا دون ذلك، لذلك إذا أراد الجميع الانتصار بتحقيق السلام المستداد وتطبيب الجراح لن يكون هنالك طبيب غير الذي خبر مسك المبضع من قادة هذه المدرسية السياسية العريقة.

وبمنطق الدراسات التاريخية يمكن القول بصدق أن الحزب الآن يعد المتحف السياسي القومي والحاضن للتراث السوداني بمختلف مراحله التاريخية، فيتجايل فيه اليوم جيل الاستقلال وثورة أكتوبر وانتفاضية إبريل ومجالدة الإنقاذ وجيل ديسمبر الذي أطاح بالطغاة، فتسلسل التاريخ السياسي بكل مراحله سلسلا دون تكلف من شهود على العصر وصولاً لهذا الجيل وبذلك يكون حزب الأمة القومي لا منبتاً ولا أبتراً ولا وافداً ولا نافياًّ للتاريخ الذي شارك بصلابة في كل مراحله صواغه بأضوأ الحروف وأقوى المواقف.

لم يفصل حزب الأمة القومي يوما بين السياسة واحتياجات المجتمع الثقافية والرياضية والمعرفية والعاطفية فشكل واصلاً بين الرياضة والسياسة والصحافة والسياسة والثقافة والسياسة وهكذا، ومثلت السياسة فيه أهم عوامل التواصل مع الآخر الوطني والإقليمي والدولي وكانت السياسة والعلاقات الدولية أهم ما جعل الحزب من الخوارق المخترقين لكل الحجب السياسية والإقتصادية والحظر على القرار الوطني بفعل انتهاكات ارتكبها مجرموا النظام المباد فطوقت البلاد بطوق من العقوبات أهمها العقوبات الأمريكية ولكن سياسة الحزب ومدرسته وقيادته انتصرف في ترسيخ العلاقة بين السودان والمحيط حولنا عبر حملات منظمة وإسهامات مقدرة من الحزب وقياداته.

أمام حزب كحزب الأمة القومي دراسة الحالة الاجتماعية الواقعية والافتراضية التي تعتري السودانيين ففي فترة لا تتعدى العام شكل السخط العام على الحزب وقيادته عاملاً مزعجا لتقييم الأداء، ولكن بحراك بسيط على الأرض كطواف الأمة الذي انتظم البلاد أعاد الحزب تموضعه الحقيقي في صدارة القوى التي نظمت طوافاً وتواصلاً جماهيريا واقعيا مع قواعدها، وإذا نظرنا للأسافير لا يمكننا تجاوز الحملات المسيئة التي تم تصميمها في مطابخ حزبية وأخرى تحالفية وأخرى حكومية وأخرى مخابراتية أجنبية هدفها عزل الحزب وقيادته واستهدف بشكل واضح كل عبارة وتصيدت كل حرف ينطق به رئيس الحزب الإمام الصادق المهدي والمواقف والبيانات والإيجازات اليومية أو الدورية للإعلام فشكلت أدسم المواد لاغتيال الحزب ولكن لم يكسر ذلك عزيمة الأعضاء الذي تنادوا إلى حملات إسفيرية منظمة أطاحت بكل آلهة التواصل الإجتماعي ووضعت حزب الأمة القومي في صدراة البرامج المطروحة والمقبولة والمستقطبة والتي تشكل نفاج الأمل بأن هنالك أحزاب رؤيوية وأخرى محبوسة في قمقم الحركة الإخوانية أو سجينة في موسكو.

قدر الله لكاتب هذه السطور أن يكون مديراً لدار الأمة وهي المركز العام لحزب الأمة القومي بأم درمان لفترة لم تتعدى الأربعة شهور ورصدت أن متوسط الأنشطة الحزبية والمستضافة والفعاليات السياسية والاجتماعية والإجتماعات وغيرها تجاوز الخمسمائة نشاط في الشهر الواحد أهمها نقاشات قوى الحرية والتغيير التي كانت غالبيتها تستضاف هنالك ومنها تم اتخاذ قرارات مفصلية كتسمية أعضاء مجلس السيادة الانتقالي ورئيس الوزراء وفي السابق لا أنسى توقيع الميثاق وكتابة مسوداته الأولية، بذلك استحقت دار الحزب أن تكون مزاراً دبلوماسيا لكل البعثات الدولية والإقليمية ومزاراً سياحيا سياسيا لكل سياسي وباحث وعالم ومفكر يريد أن يرى السودان والممارسة الحزبية الراشدة في المقاومة والمعارضة والحكم.

يبقى السؤال القائم هل هنالك كيان أو حزب يمكن أن يتقدم ويتجرأ بأنه سيهزم حزب الأمة القومي في مضمار السياسة والجماهيرية والبذل والعطاء الفكري؟ لأني على يقين أنه إذا ما نصبت الدراسات الحضرية والحضارية ستجد أن حزب الأمة القومي يعد أحد أركان الحضارة السودانية التي لا يمكن اجتيازها في أي مرحلة من المراحلة والتي لا يمكن هزيمتها بقوة السلاح ولا حتى قوة المنطق، فلا زالت دراسات ورؤى الحزب السياسية متقدمة على رصفائه.. وأشجع بدوري أولئك الشباب الذين يركبون موجة الإساءة والتغييب ليجلسوا بتواضع ويحتكموا لصوت العقل والموضوعية ويجردوا الممارسة الوطنية لهذا الحزب قبل أن يشخبطوا على جدران داره بليل، لأن هذه الدار ليست هينة ولينة ولم يتجرأ النظام المباد وهو في ذروة عنفوانه وقمة عسفة ولم يقدر على مسها بسوء لأن بها من يستطيع حمايتها، ولكن تعالوا إلى كلمة سواء نحتكم إلى المنطق لا منطق القوة إذا هزمنا منطقكم سنمد أيادينا بيضاء بغير سوء ونعلن إستسلامنا للمشروع الذي سيهزمنا، ولن نمارس العسف والاعتداء والبلطة كما ينتوي كثيرون جرنا إلى هاهناك.

ختاما: هذا الحزب لن تهزمه الإساءات ولا الحملات العدوانية وإنما مباراته ستكون في أقرب عملية انتخابية ويقيني أنها ستكون هذه المرة أغلبية وليست أكثرية، ليعجم كل من قوى الثورة والأحزاب السياسية كنانته وينتقي منها ما يريد من برامج ويباري بها هذا الحزب وإلا فلن يكون للحزب بدُّ من اللجوء للاحتكام لدولة القانون والإسراع في مقاضاة من يسئ إليه وإلى جماهيره وإلى تاريخه.. وقد أعذر من أنذر.

عروة الصادق – أم درمان
ORWAUMMA@GMAIL.COM

الصادق لم ولن يخن

الصادق لم ولن يخن
عروة الصادق
٦ يوليو ٢٠١٦م
جرد كثير من أبناء وبنات السودان أقلامهم لتثبيط همة السودانيين وقتل آمالهم في الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي الذي دعا للقاء جامع بمسجد خليفة المهدي عليهما السلام يخاطبه مساء السبت الموافق 29/6 بأم درمان العاصمة التاريخية، هذه الأقلام بعضها مدفوع من قراءات قديمة بأن نظام الإنقاذ فعل بجماهير كيان الأنصار الأفاعيل وليس بمقدور الإمام الصادق جمعهم من جديد والبعض الآخر إما مدفوع ثمنه ليشن حملة شعواء شملت أغلب صحف الخرطوم فيها من الصحفيين الشباب الذين كتبوا تحقيقات وتحليلات في صفحات الصحف عبارة عن نقل لما في الأسافير وتزويقه بما يتماشى مع حملتهم التشويهية لسيرة الرجل ومسيرته أو تجد آخرين دفعتهم الغيرة والحسد من داخل الحزب ليسرب لبعض هؤلاء الصحفيين أشواقه بأن يكون مبتغاه السائد الأعم على صفحات الصحف وعناوينها الرئيسة.
أفلحت هيئة شئون الأنصار للدعوة والإرشاد وقياداتها في التعبئة والحشد والتنظيم وبرهنت أنها الكيان الديني والوطني الأول بامتياز، والذي لا محالة هو صاحب الرصيد الشعبي والفكري والملبي لأشواق وتطلعات بني السودان.
وهذا الفلاح تجلى في التطواف الذي انتظم كل أرجاء البلاد والذي دلت عليه جموع الأنصار الذين وفدوا للقاء من كل بقاع السودان، ولا يستطيع أي إنسان إنكار هذا الدور المتعاظم والذي له ما بعده من خير على البلاد والعباد.
لم تصدق توقعات المتوهمين بأن يكون حضور الأنصار في ساحة مسجد خليفة المهدي كما زعموا قليلا لا يلبي تطلعات الإمام ولا يمثل بعبعا للنظام، كما خاب رهان الذين يريدون تكسير "مجاديف" الإمام الصادق المهدي الروحية والوطنية، وهم كثر من داخل الحزب وخارجه.
كانت التوقعات متفاوتة بين متفائل ومتشائم ومحفز للتشاؤم ومحرض عليه، بحيث كانت الجموع المتوافدة تمثل الأنصارية الحقة التي تثق في إمام الكيان وحكمته ودرايته ببواطن الأمور وظواهرها، والمتشائمون كانوا يظنون ألا يأت الخطاب المرتقب بجديد يذكر وأن يكون الحديث مكرورا لا يلبي الأشواق وهؤلاء أثرت فيهم الدعاية المسبقة المضادة لفكرة اللقاء في صحف الخرطوم ومواقعها الإسفيرية، أما الذين كانو يحرضون على التشاؤم فقد رسموا خطة محكمة لإنهاء ما يسمونه الكارزما "المتوهمة" وإخراج الإمام من ساحة المسجد "المولد" بلا "حمص"، وذلك بدفع أصوات قوية لمقاطعة الإمام وإخراصه والسير بالجماهير الهادرة حيث يريدون ورسم صورة شائهة فيها انقطاع للحبل الواصل بين القيادة والجماهير ونسي هؤلاء أن هذا الحبل هو حبل من الله وبيعة أمام الله ورسوله لا يمكن أن يقطع وصالها أي شخص كائنا من كان حتى وإن كان من بطن مكة.
كان مشهد انتظام الأنصار وتوافدهم لمسجد خليفة المهدي عظيما يسر الناظرين ويزيد حنق الحاقدين الحاسدين، رغم اكتظاظ القوى الأمنية والشرطية والنظامية الأخرى حول المسجد دخل الأنصار ساحتهم مرفوعي الرؤوس شم الأنوف في ارتقاب حديث ظل متكتما عليه غاية التكتم وهذا ما رفع سقف التوقعات والتكهنات إذ أن السرية التي أحاطت بالخطاب جعلت الشوق أكبر والرغبة في معرفة فحواه أعظم من أي رغبة سابقة في سماع خطاب الإمام الصادق المهدي وهذا كان محفزا لكثير من السودانيين من العامة وقادة المجتمع وقادة الرأي حريصين على الحضور بأنفسهم لسماع حديث الإمام أذكر منهم على سبيل المثال الأستاذ عثمان ميرغني، وهنالك من أتت بهم أرجلهم بجوار المسجد فدخلوه من باب حب المعرفة.
لم يطل الانتظار حتى حل رحل الإمام الصادق المهدي بساحة المسجد الذي قدر عدد الحاضرين فيه بـ50 إلى 60 ألف نفس غير عشرات المئات من الشرطة بكل وحداتها ودورياتها المختلفة والمدسوسين من رجال الأمن وسط الحضور لبس بعضهم الزي الأنصاري (على الله) وغيرهم من الجالسين في عرباتهم خارج المسجد.
فور دخول الإمام إلى المسجد اعتلى المنصة المخصصة للخطاب وظل مطأطئا رأسه كعادته مصغيا لحديث العلامة آدم أحمد يوسف نائب الأمين العام لهيئة شئون الأنصار الذي اقتضب كلمته وقدم الإمام الصادق المهدي الذي قابلته جموع الأنصار والشعب السوداني بترحاب قل أن يجده زعيم ديني أو سياسي، والمدهش في الأمر أن هذه الجموع اقتطعت من زاد أبنائها و"دم قلبها" للحضور لساحة مسجد خليفة المهدي من كل حدب وصوب.
للقارئ أن يتخيل انتظام حشد كهذا دون أن يكون له تمويل بزخي أو بنود صرف عشوائية كما تفعل كثير من الأنظمة في منطقتنا العربية والإفريقية لحشد الولاء للقادة.
مع تعالي أصوات الجماهير بالهتاف والتكبير والتحميد بدأت كلمة الإمام التي نشر فحواها الأصلي والتتمات المرتجلة في المنصة في كل المواقع الإسفيرية والصحف السيارة بالخرطوم بل حتى صحف العالم التي صدرت صباح اليوم التالي للاحتفال.
الخيانة هي المتلازمة التي حلت بالجسم الوطني والديني والسياسي السوداني بل أمتنا الأفريقية والعربية، إذ ظل كثير من الناس يصمون خصومهم السياسيين أو غرماءهم الدينيين بالخيانة، والتخوين في بلادنا السودان ظل مرعيا من الدولة وممأسسا وممنهجا ومرئيا من العامة التي في الغالب تؤثر الصمت والمشاهدة إلى حين، غير أن الإمام الصادق المهدي ظل ينجو من كل محاولات التخوين والقذف بعناية فائقة فقد رسم له الكثيرين صورة الممسك للعصا من النصف واللاهث خلف مصالحة الشخصية والمضيع للحقوق الوطنية وردد كثير منهم تلك الأقاويل على شاشات التلفاز أو ميكرفونات الإذاعة أو خطها في صفحات الصحف دامغين سماحته بأقزع أنواع السباب التي حتى وإن تبرأ منها ظلت نفسه مجروحة تتألم من ظلم ذوي القربى وقديما قيل:-
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند
وقد ظلم الرجل كثيرا ولم ينتصر لظلمه وقد كفل له الله تعالى الانتصار بقوله تعالى:( وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ( ولكنه ظل ممتنعا عن الانتصار لنفسه ومانعا أحبابه أنصار الله من الانتصار له وهم على ذلك قادرون، لأن الصبر على الظلم من عزم الأمور كما قال رب العزة والجلال في كتابه المسطور:(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).
وبمتابعتي لخطابات الإمام الصادق المهدي أجد أنه لا يستخدم كلمة "نداء" إلا لعظائم الأمور، منذ نداء الوطن ونداءات العصر للمهتدين والإيمانيين والعصريين، ولعظمة هذا اللقاء وأهمية هذا الخطاب الذي كان في  يوم عرس السودان كما أطلق عليه، أطلق المهدي اثنى عشر نداء :-
1.      نداء  للأنصار من المرجح الاستجابة له بل تمت الاستجابة الجزئية له بما شهدته ساحة مسجد الإمام عبد الرحمن المهدي في أول جمعة عقب الخطاب المهم والتي امتلأت بجموع الشباب والطلاب والنساء من المؤيدين لخطاب المهدي والسير في مسيرة تحقيق تذكرة التحرير.
2.     نداء لجماهير حزب الأمة تم إعداد العدة للاستجابة له ولتنزيله لأرض الواقع بما تقوم به رئيسة المكتب السياسي الأستاذة سارة نقد الله في جمع الآراء في كنانتها لترمي بها في مسيرة الخلاص الوطني وفقها الله.
3.     نداء للمؤتمر الوطني والذي بدوره يصر على نهج البصيرة "أم حمد" وقد لا يستوعب قادته الخطاب لأنهم لا زالوا في غيهم يعمهون.
4.     ونداء للجبهة الثورية التي استبق بعض قادتها خطاب الإمام بالرفض القاطع وآخرين بالقبول الحذر لفحوى الخطاب ولكن يبقى خيار التغيير السلمي هو ما يطالب به العقلاء حتى داخل الجبهة الثورية.
5.     نداء لدولتي السودان كانت الاستجابة له أسرع مما كان متوقعا ففور زيارة نائب رئيس دولة جنوب السودان د.رياك مشار للسودان حط رحله ومن معه من وزراء بحديقة منزل الإمام الصادق المهدي بالملازمين استجابة لدعوة كريمة أمها قادة العمل السياسي بالبلاد وما يبشر أن الاستجابة ستكون كبيرة من دولة الجنوب الدعوة التي قدمها د. مشار للمهدي لزيارة جوبا والتي سيكون لها ما بعدها، أما دولة السودان فمن المحتمل أن تستجيب ليس لصوت العقل ولكن للضغوطات الدولية والإقليمية للاستجابة لخارطة أمبيكي واستئناف الحوار والتفاواض بين الدولتين بل من المحتمل أن تلغى طريقة التعامل بالطريقة الهوجاء التي قال بها الرئيس البشير: (يا عوض أقفل البلف) وكأن البلف هذا لحنفية في منزل سعادته.
6.     نداء للزملاء في قوى الإجماع وهو أكثر النداءات حساسية إذ حمله كثيرون أكثر مما يحتمل ولا شك أن المداخلة التي شارك بها الأستاذ محمد ضياء الدين في برنامج حتى تكتمل الصورة لها من الدلالات ما يكفي للقول بأن خطاب الإمام يتسق مع أشواق وبرامج قوى الإجماع الوطني وما يقوم به سعادة اللواء فضل الله برمة ناصر نائب رئيس الحزب من اتصال بقادة فصائل الاجماع الوطني خير دليل على أن السعي لإيصال هذا النداء واتباع القول بالعمل ولن يكتفي بالوقوف عند منصات الخطاب فقط بل سيتواصل التلاقي في دور هذه الأحزاب ومقار قادتها حتى تلتقي اللحمة الوطنية السياسية في الداخل على ما ينقذ البلاد والعباد من هذا الدرك السحيق.
7.     نداء لشعبنا العظيم، وهذا النداء سيكون في مقدوري تقييم مدى الاستجابة له في مقبل الأيام لأن أي تقييم له الآن يكون مجحفا وظالما لأن الشعب السوداني له من القدرة على التقيم وتقدير الأمور بالقدر الكافي الذي يجعله إما أن يكون فاعلا في مسيرة التغيير القادمة أو أن يختط له طريقا آخر والراجح أن عبقرية هذا الشعب ستجعل من تذكرة التحرير والتوقيع عليها أيقونة الرحيل القادم.
8.     والنداء للأهل في سودان المهجر، هنا أحيل القارئ لمناشط قادمة ستقوم بها فرعيات الأمة المهجرية والقوى السياسية بالمهجر والسودانيون قاطبة أملا في دفع مسار الخلاص حتى مبتغاه.
9.     نداء لأهلنا في مصر، ليتهم استمعوا له قبل أن يخوضوا هذا المخاض العسير الذي لا يسر إلا العدو، ومع ذلك فإرادة هذا الشعب من المؤكد ستكون هي الفيصل.
10.  نداء للرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، يرجو كل عاقل أن يستجيب سيادته لهذا النداء لأن السودان والمنطقة ظلت محمومة بمسار سياسات طهران.
11. نداء لسوريا الشقيقة وهذا لم يلق له أحد بالا حتى الآن يرجى من القيادة الجديدة للمجلس الوطني السوري المختارة فب قطر أن تستمع له قبل النظام الذي يريد لشعبه الهلاك والدمار.
12.  نداء لأمير قطر الشيخ حمد الذي قدم للعالم درسا جديدا جعل منه قدوة حسنة يرجى الاقتداء بها، ورجاء للأمير الجديد، بحراسة مجد أبيه بحادث من المجد وهذا هو المخطط له فقطر التي ترسم لنفسها استراتيجية شابة اختار لها أميرها شابا لإكمال ما تبقى من بناء.
وما أجمل ختام النداءات بالدعاء للزعيم نيلسون مانديلا بالشفاء الذي رشحت الأخبار بأن كل وظائفة الحيوية قد تعطلت ونصح أطباء أسرته بانتزاع أجهزة التنفس الصناعي، حتى وإن انتقل مانديلا فستبقى مسيرته ملهمة لكل الشعوب والأمم بما حققه هو ورفيق دربه ديكلارك وهنا تتبين صلابة التماسك الفكري بين قادة العمل الديمقراطي وتتجلى بصورة واضحة في خطاب الإمام الصادق المهدي لأن الطريق الذي اختطه ما نديلا هو ذاته ما يقول به سماحة الإمام.
تجلت قوة الخطاب  حينما عدد الإمام الصادق ما يؤهله للخوض في ما قام به النظام ومطالبته بالرحيل معددا مثالبه وفوضاه التي عبث بها بمقدرات ومكتسبات الشعب والوطن وسيادته ووحدة أراضيه، الأنواط التي أهلته للقول بذلك لم تكن أوسمة ونياشين ممنوحة وإنما هي مستحقة منذ أمد بعيد وهي:
-      الشرعية التاريخية.
-      الشرعية الشعبية .
-      الشرعية الفكرية.
-     الشرعية الدولية.
وأضيف خامسة وهي الشرعية النضالية التي لا ينكرها إلا خفاش يأبى ظهور شمس الضحى.
وفي ثنايا الخطاب تفكيك لكل ملتبسات الأمور في الشأن الوطني والديني والحزبي أشدها وقعا في أذن السامعين والمتابعين وما افتتحت به صحف الخرطوم عناوينها في اليوم التالي عبارة "الباب يفوت جمل" ما أثار حفيظة كثير من الذين كانوا يقاطعون الإمام في حديثه بهتافات، المهم في الأمر أن الرجل ظل متمسكا بمبادئه التي ظل المتابعون لمسيرته يشهدون له بأن لم يحد عنها بل بذل كل ما في وسعه ووعد ببذل المزيد في قوله: "هذا اللقاء لن يكون الأخير، سنعمل لقاءات إن شاء الله عبر حزب الأمة في كل أقاليم السودان لكي نعزز الأجندة الوطنية، ولكي نعزز التوقيع على تذكرة التحرير، وسنفعل هذا إن شاء الله."
ختام لهذا المقال نص تذكرة التحرير التي أعتبرها ملبية لتطلعي وكثير من أبناء جيلي وسأعمل جاهدا على جمع التأييد لها والتوقيعات بكل ما أوتيت من قوة وجهد ووقت ومال وأدعو القارئ السوداني لقراءتها بحياد دون النظر لمصدرها أو من كتبها والتمعن في عباراتها التي تقول: ((النظام الذي استولى على السلطة بالانقلاب المخادع، واستمر فيها بالتمكين الاقصائي أفقر الناس، وأهدر حقوق الإنسان، ومزق البلاد وأخضعها للتدويل فاستحق أن يطالب بالرحيل، ارحل.
نحن نعمل لإقامة نظام جديد يحرر البلاد من الاستبداد والفساد ويحقق التحول الديمقراطي الكامل، والسلام العادل الشامل، وسيلتنا لتحقيق ذلك التعبئة والاعتصامات وكافة الأساليب المتاحة إلا العنف، وإلا الاستنصار بالأجنبي.
 نعاهد شعبنا على ما في تذكرة التحرير. ومن يومنا هذا نوقع على هذه التذكرة تذكرة التحرير بالملايين لتكون التعبير عن موقفنا)).

الأربعاء، 29 ديسمبر 2021

الفضل لا يموت

 *في ذكرى رحيل الأمير عبد الحميد الفضل عبد الحميد*


الفضل ﻻ يموت


ليس إنكارا لقدر الله وقضائه، فبرغم اﻻستماع يوميا لنبأ رحيل حبيب إلى النفس تظل جوانحها تنكر الموت وﻻ تذعن لحقيقته إﻻ بعد اضطراب دقات القلب وارتعاد اﻷوصال ويظل المعزي لها هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وﻻ نقول إﻻ ما يرضى الله" فأردد إنا لله وإنا إليه راجعون.

نبأ وفاة اﻷمير الأب الحبيب اﻷحب عبد الحميد الفضل بقاهرة المعز لدين الله من أشد اﻷنباء وطأة على النفس، غبت عن اﻹسفير لمدة قصيرة فوجدت ما ﻻ يقل عن 500 رسالة من أحباب الفقيد في اﻷسافير يعزون بعضهم ويضمدون جرحهم ويستلهمون الصبر، ما مررت به شخصيا من اضطراب أسأل الله أﻻ يرني إياه أو لحبيب فقد شعرت بمخارز اﻷلم تفل جسدي تترا دون رحمة أو إشفاق مع أني قد استشعرت من غياب مقالته الراتبة فحر كل يوم ونهاية كل ليلة أنه ﻻ محالة ليس على ما يرام ولكن الصالحون كلهم كذلك يرحلون بهدوء ولكن الدنيا تضج من بعدهم بجليل أفكارهم وتنتفح بعبق أخبارهم وتقتفي عظيم آثارهم.

فكان رحيل عبد الحميد الفضل رحيل الصالحين الذين نظن بالله خيرا أنهم ﻻ خوف عليهم وﻻ هم يحزنون، فقد حمل لواء عقيدة التوحيد محبا لها ولرسولها ولإمامها مفنيا جل عمره خدمة لها وتأسيا بآثارها ومقتفيا درب اﻵباء.

الفقيد بواكيه كثر وأنا منهم فقد جلل رأسي بمقولة ابني وخصني بمحبة ظننت أنها لي وحدي ولكني وجدتها تحيط بي إحاطة السوار بالمعصم في أحبابي وأصدقائي وأقراني ومن ساروا مع الفقيد في مسيرته التي غلبت عليها خدمة كيان اﻷنصار وحزب اﻷمة القومي، فسالت مآقي الرجال والنساء في حزبه وكيانه وانفطرت قلوب من ينتظرونه عقب كل صﻻة فجر ليقرأوا ما نظمه من درر الكﻻم عن شهداء الوطن ومهدي اﻷنام وخليفته عليهما السﻻم.

وبفقده تبكي جموع اﻷنصار في كل بقاع السودان إذ خبر الفقيد أسماء شيوخهم وقبائلهم وأدوارهم ومواطيء أقدامهم ومراقد رؤوسهم تتبعهم.

ويفقده الشمال من أقصاه إلى أقصاه فسيبكيه النيل وأهله في لبب التي خصها بالمحبة ورومي البكري التي خصته بالاحتضان والأمومة وسيبكيه أهل الخناقي وبدين ودبلا وأرتقاشا والغدار وأمنتقو وسالي والسليم والغابة والدبة وجبرونا والقولد والبرقيق ودنقﻻ وكرمة البلد والنزل وغيرها وغيرها من مناطق علقت بوجدان الفقيد وطافها بالعمل واﻷمل.

سيفقده طﻻب نجباء درسهم في مراحل تعليم مختلفة فخلقهم بالخلق القويم واﻻستقﻻلية وبنا ذاتهم وعلمهم شق طرقهم فاعدهم لمجابهة الصعوبات وجعل منهم قادة وأئمة يهدون بالحق وبه يحكمون.

سيفقده قلم ومداد ظل يسطر مﻻحم درامية خالدة تسيل لها المآقي ويحن قراءها للتﻻقي بأولئك الخادين الذين سطر الفقيد سفرا عظيما عنهم، عجبا لشيخ سبعيني واكب تقنيات مستحدثة فجعل قلمه اﻻسفيري واصﻻ لكل الدنيا بعد أن جعل المستبدون بقوانينهم وحجرهم له بالصحف فاصﻻ، فنعاه أحبته بالأمريكتين والجزيرة العربية وإفريقيا وأوروبا وأستراليا والهند فقد ولج قلوبهم في مهاجرهم وشدهم إلى الوطن فجعل أدمع الحبيب محمد دودي تجري في أمريكا وهو يطالع مقالة الفقيد الراتبة وتخيم الحيرة على زوجه الأمريكية دهشة وحيرة من عظيم تأثر بمآثر اﻵباء الأولين، وظلت بناته في لندن وقطر وأمريكا يخاطبنه بمحبة كل صباح شكرا له لما قدمه لهن من جليل خدمة لتعريف أبنائهن المهجريين بتلك المﻻحم العظيمة فعزز اﻻنتماء للوطن والكيان والعقيدة.

سيفتقده زمﻻء كبروا أو صغروا سار معهم في مؤسسات حزبية ولجان قومية وجمعيات طوعية وشركاء في العمل فﻻ أحد منهم سيذكره بعداء أو سوء ﻷنه ما زرع إﻻ خيرا وبثمارها تعرفونها فهو لم يغرس من صلبه إﻻ الخير والعلم والهمة والتواضع في بنيه الذين زانهم الحلم والوقار، كما غرس في أبناء الروح مثلها وزاد تعلقهم به لما في منحه لهم من مشبعات روحية وتاريخية تتوق إليها النفوس وتتزود بها كخير زاد إذ أنها كلها تقوى وخير الزاد التقوى ونشهد الله أنه قابل ربه بتلك التقوى. 

ولكن كل هؤﻻء لن يفتقدوه كما سيفعل من خصهم بالصحبة وآثروه على أنفسهم بالمحبة أخوه اﻷمير  على العمدة عبد الماجد واﻷمير صديق شقدي واﻷمير طه أحمد سعد وابنه الصديق الصادق وحبيبه المﻻزم واليد اليمنى الصادق عثمان وذو النورين ياسر جﻻل وابنته رباح الصادق ومحبه محمد زكي ولبنى يوسف وكتيبة القلم وحلقة ذهبية من جمهرة لطيفة كان يختصهم بالسﻻم في ختام مقاﻻته.

لم اكتب عنك سطرا بعد يا ابن الفضل ﻷن العين مﻷى بالدمع واليد لم يفارقها ارتعاد الفجيعة، عسى الله أن يجمعنا بك تحت ظل ظليل يوم ﻻ ظل إﻻ ظله، في صحبة أبنائك من الدم الذين علمتهم الصبر على البﻻء والمشاق رغبة في دوام القرب من الله والتلذذ بجمال التﻻق وإياه في مقعد الصدق عند المليك المقتدر، وأبناء الروح يخاطبونك بالمحبة ويقولون ان الفضل الذي زرعه الفضل الكبير لن يموت بموتك يا أمير ﻷن الفضل ﻻ يموت.


عروة الصادق

شحات - البيضاء، شرقي ليبيا

28 ديسمبر 2014م

الجمعة، 24 ديسمبر 2021

الإمام الصادق المهدي - عبقرية القيادة

 الإمام الصادق المهدي – عبقرية القيادة


عروة الصادق


علمتنا السنن الكونية أن الحياة تستوجب انتخاب قيادة زمانية ومكانية لكافة الأجناس الحية والمشاهدة، وكذلك تلك التي لا نراها من عوالم المايكرو والميتافيزيقيا، وما أكدته التجربة أن أفضل تلك المجتمعات فلاحا هي التي جعلت لنفسها من ذاتها قيادة، وأكثر الأمم نجاحا تلك التي تجاوبت مع معطيات الزمان والمكان بتقديم القيادة الرشيدة، ففي بلقيس ملكة سبأ يتجلى مشهد الفلاح والصلاح ومن ثم النجاة والنجاح، كما جاء في سورة النمل: (قَالَتْ يَٰأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُاْ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ) ، حتى قادت أهلها للإيمان مع نبي الله سليمان عليه السلام لله رب العالمين، كما قادت النملة في نفس السورة أمتها للنجاة من التحطيم.


التمهيد للقيادة:

ومما علمناه عن الإمام الصادق المهدي (نور الله وجهه وأرضاه) أنه منذ ميلاده في 25 ديسمبر 1935م، الموافق الأول من شوال 1354هـ كان قد حاز التهيئة الزمانية والمكانية للقيادة، فمكانيا؛ قد ولد في وقت كانت بلاده موطوءة من المستعمر، وأسرته الخاصة وكيانه العام ووطنه قد خرجوا من قاع أفظع الحروب ضد الإنسانية التي شهدتها القارة الإفريقية، وزمانيا؛ فقد كانت تشرئب أعناق الأمة للخلاص من ربقة الاستعمار والاستبداد.


استقبال القائد:

فأول ما نزل من رحم أمه (رحمة) وحملوا بشراه إلى جده الإمام عبد الرحمن المهدي (طيب الله ثراه) طلبه إليه، وقيل أن الجد كان يقرأ سورة إبراهيم، وعزم على تسميته إبراهيم عندما جاءه الخبر، ولكن أشار إليه الأنصار بأن يمنحه اسما من أسمائه وكان الجد ينادى بعبد الرحمن الصادق، وبذلك صار اسمه الصادق، ولعل هذه التسمية كانت سببا لاحقاً إحدى أهم سمات القيادة لدى الإمام الصادق.


نشأة القائد:

نشأ (الحقاني) فتى كسواد جيله الأعظم درس في الخلاوى ولعب (شليل- كركعت- شدت.. الخ)، وليس كما يصوره كثيرون أنه ولد ونشأ في كنف الدعة والنعيم، وهذه النشأة أهلته لأن يكون مدركاً للسودان كوطن مترامي اطراف ومتعدد الأعراق، لأن الجزيرة أبا وأم درمان مثلتا جماع أهل السودان ففي كلا البلدتين اجتمعت ثقافات السودان من الشرق والغرب والشمال والجنوب، هذه النشأة جعلته شخصا ملما بفلكور البلاد وطبغرافيتها وجغرافيتها.


رأي القائد:

كانت حياته عبره، فقد تمرد منذ نشأته على مؤسسات المستعمر التعليمية ورفض ترديد ما يمجد المملكة المتحدة وملكها، وهذا المسلك جعله يختار طريقه التعليمي الخاص، ومثلت استجابة الأسرة لرغبته حافزا للمضي قدما في انتهاج طريقه الذي يريد، وذلك لأنه كان رغم صغر سنه شخصًا يُستشار ويُستمع إليه ويُوثق به،ويعتد برأيه، وهذه أهم سمات القائد الناشيء.


  قيادة مكتسبة:

مع تقدم الأيام حتى ذهابه للدراسة بأكسفورد لم يتبناه أحد أو يقدمه شخص كقائد سياسي أو وطني أو فكري أو ديني رغم أن البيوتات الدينية في السودان تعمد أبناءها بالوراثة، ولكنه اختط نهجة في كلية القديس يوحنا بأكسفورد بصورة فريدة وفرض بامكانياته الزمكانية تموضعا قياديا، وسط مختلف المجتمعات المغتربة والغربية فجعل منه ذلك قياديا في عدد من الاتحادات الطلابية والعربية والإسلامية والافريقية طوال فترة الدراسة (الأعوام 1954-1957م) وهو أمر لا يمكن اكتسابه إلا بالجد والاجتهاد فلا يمكن أن يكون القائد في تلك الظروف معينًا وإنما لابد أن يكون منتخباً فكان الحقاني (زعيماً منتخباً)، وكانت هذه إحدى الروافع التي درجته ودربته وأهلته للقيادة.


قائد واعد:

فور عودته للبلاد كان عمله موظفا بوزارة المالية أمراً مستغربا ومستنكراً، كيف لا؟ وهو حفيد إمام أكبر طائفة دينية وأبوه يرأس أكبر صرح اقتصادي وقتها (دائرة المهدي)، ولكن تلك الأيام كانت كفيلة بتعريفه بدولاب الحكومة إذ مثلت وزارة المالية في السودان ولا زالت تمثل قلب كل حكومة منذ الاستقلال حتى تاريخنا هذا.


بزوغ النجم:

 فجيعته بوفاة والده الإمام الصديق المهدي (رحمه الله) جراء ذبحة صدرية سببها له الانقلاب على أولى الديمقراطيات السودانية في انقلاب نوفمبر 1957م، كانت أكبر دوافعه للاهتمام بالسياسة السودانية وبدأ حملات التصدي والمقاومة للدكتاتورية  في الظهور لأول مرة كأحد قيادات حزب الأمة.

 وقد انتبه لبزوغ نجمه كقائد العديد من الساسة السودانيين قدحاً ومدحاً، وفي ذلك كتب كثيرون كمحمد أحمد المحجوب وأمين التوم ساتي ومؤخراً منصور خالد وغيرهم. هكذا لاحت بوارقه كأحد "العظماء" القادمين، ولسوء الحظ، لم تكن أولى تجاربه القيادية حاكما ناجحة، وعلل خصومه أن ذلك مرده لحداثة سنه وقلة تجربته. إلا أنه اتضح أخيرا أن طموح ذلك الجيل استصغر (الحقاني) الذي لم يتجاوز عمره العقد الثالث فكان من الصعب القبول به بكقائد لهم ومثلت هذه السمة المشتركة لمناوئيه الذين اجتهدوا لإفشاله ووضع النصوص الدستورية لعرقلة تقدمه، وكانت هذه التجربة كفيلة بتثبط همة أي قائد إلا أنه وثب متقدما ومقدماً نفسه لرصفائه من أبناء ذلك الجيل مؤسسا لنهج جديد في ذلك الحزب.


القائد المقبول:

ما جعل منه القائد المقبول في ذلك الزمان أنه تحلى بالعديد من أوجه التشابه الجيلية وسمات كالذكاء الحاد والفهم العالي، والمعين المعرفي الوفير، والمظهر المبهر، وثقة عالية بالنفس، وشجاعة منقطعة النظير وما إلى ذلك. لكن لم تكن تلك الصفات وحدها كافية للاستحواذ على موافقة الجميع فسطوة الإمام الدينية وقتئذ وآراء الأسرة كانت هي المهيمنة فكان الإمام الهادي المهدي (طيب الله ثراه) المنافس الأول لـ(الحقاني) يليه في ذلك كوكبة السياسيين والمثقفين الحزبيين ورواد الحركة الاستقلالية في الأحزاب الأخرى، واستمر الأمر حتى قاد الحزب والمعارضة مفاوضا الجنرال إبراهيم عبود عقب ثورة أكتوبر 1964م، والذي صاغ ميثاقه بيده.


القائد الظرفي:

كانت الخطوة الفارقة في قيادة (الحقاني) عقب فوزه بالانتخابات في (1966م) وإقصائه في (1967م) ومن ثم الانقلاب الثاني في (1969م)، فوجد نفسه معتقلا تحيط به المهالك إحاطة السوار بالمعصم حتى استشهاد عمه الإمام الهادي في (1970م)، وقد أدركته القيادة إدراكا ظرفيا وكانت تلك هي "القيادة الظرفية" التي أملتها ظروف الانقلاب والتضييق المايوي. ووفقا لها، تم إنشاء خوارزمية القيادة الجديدة التي تصدت للإنقلاب وتدرجت من الحوار باللين إلى قيادة العمل المسلح الذي بلغ ذروته في حراك (2 يوليو 1976م). وفي تلك الفترة أستطيع أن أقول أن (الحقاني) لم يحتكر القيادة في يده وإنما وزعها لعدة مراكز مدنية، سياسية، مهنية، عسكرية، دبلوماسية، تحالفية، جعلت منه القيادة الملهمة التي يستمع إليها الجميع، وكان ذلك النموذج القيادي فعالا في وقته رغم توزيع مركز القيادة لأن العمل المقاوم لم ينقطع بغياب (الحقاني) في المنفى أو السجن. ورغم تخلف وسائل الاتصال والتواصل وقتئذ إلا أن المهام والأولويات كانت توضع وتوضح بدقة متناهية. اتضح لي ذلك جليا وأنا أقرأ سيرة أبطال يوليو 1976م الذين نفذوا مخططا خطيراً ومحكماً إلا أن الظرف لم يكن مواتٍ للنصر. هنا اختتم (الحقاني) القيادة الظرفية بتحمل المسؤولية لوحدة حاملاً روحه في كفيه ليقابل قائد الإنقلاب (النميري) في البحر الأحمر (7/7/1977م) ومثلت تلك الحادثة في نظري أعلى درجات الفدائية والتضحية والاعتدال والأفضلية، لأن الطاغية لم تكن تؤمن بوائقه، ونظر (الحقاني) بنظرة القائد التي استنكرها كثيرون في حينه إلا أنه كان يركز على إنشاء الوضع الملائم لاستعادة النظام الديمقراطي والإطاحة بالطاغية وقاد العمل المعارض ممنشئا بذلك أكبر جبهة سياسية مدنية معارضة للنظام تسندها قوى طلابية ومهنية هيأت الوضع لانتفاضة إبريل (1985م).


القائد الموسوعي:

تشهد له مؤلفات وخطبها ومحاضراته وكلماته بذلك فقد مثل (الحقاني)، أغزر السودانيين عطاء فكريا، وإسهاما أدبيا، واجتهادا دينيا، فقد تناول بالبحث والدراسة والنقاش احتياجات الإنسانية العشرة: (الروحية، الخلقية، المعرفية، المادية، الاجتماعية، الفنية، العاطفية، البيئية، الرياضية، الترفيهية)، أهله لذلك اطلاعه المستمر دون انقطاع على المجلدات والمراجع والبحوث والمقالات والصحف اليومية والمدونات بمختلف اللغات، فقد كان يحرص على الاطلاع والكتابة حتى وهو في أحلك الظروف فكانت فترات السجن والاعتقال والمنفى أخصب سنوات عطائه لما خطه من مؤلفات مثلت مرجعيات سياسية كتحديات التسعينيات، ودينية كالعقوبات الشرعية والمرجعية الاسلامية، وتوثيقية كميزان المصير الوطني، وملهمة كأيها الحيل، ورؤيوية كالديمقراطية عائدة وراجحة، وترفيهية كالفكاهة ليست عبثا، ودولية كأصم أم يسمع العم سام ومحاضرات التجربة النجيرية وغيرها.


القائد الديناميكي:

الطور اللافت للنظر هو الطور القيادي (1985-1989م) فقد طور (الحقاني) أنظمة القيادة في كل من مرحلتي الحكم والمعارضة فالرجل قاد المعارضة وصاغ ميثاق الانتفاضة حتى حاز فوزا بالأكثرية في انتخابات (عام 1986). هنا أجد أن سرعة الانتقال من ذروة المعارضة مرورا بمرحلة انتقالية قصيرة صعودا لذروة الحكم استوجبت ديناميات عمل سياسي مختلفة كثييرة ومهمة وكبيرة. في تلك اللحظة بذل (الحقاني) جهدا فكريا وسياسيا واجتماعيا لتشبيك شتات (حزب الأمة) ويجعل منه أقوى كتلة انتخابية في السودان، بالمقابل مثل عنفوانه كسياسي وجها استقطابيا أخاذاً فقد هوت إلى عضوية الحزب في تلك الفترة مئات العقول والقلوب الطلابية والشبابية والنخب الفكرية وتمدد الكيان التقليدي في أوساط يرى أنها حديثة، ومنذ ذلك الوقت صار يُنظر إلى حزب الأمة على أنه تنظيم محكم بنظام، وتمارس القيادة تنظيم العلاقات بين تلك المكونات بصورة مؤسسية، في فترة وجيزة جدا أثمرت قيادة (الحقاني) لحزب الأمة حضورا سياسيا، وقيادته للحكومة رئيسا للوزراء جعلت من السودان بؤرة ضوء ديمقراطي مبهرة في إفريقيا والعالم العربي، يتحرك رئيس وزراؤه بديناميكية بلغت الشرق الأقصى فاستقطبت اليابانيين ونالت اعجاب السوفيت، وأثارت حفيظة الغرب وأمريكا، فسارعت دوائر التآمر لإخمادها، وجندوا أياديهم الغادرة وتدبير محاولات تعطيل تلك الديناميكية بالإنقلاب في 1989م.


القائد المضياف:

تشبع (الحقاني) بالسمت السوداني وأخلاق المروءة والنجدة والشهامة وإكرام الضيف، ومثل داره محط رحال كل راحل وملاذ كل محتاج وبيت كل لاجي، ومنتهى كل باحث، ودوحة كل متلظٍ بنيران البطش ومأوى كل طريد، ومثل وجه السودان المشرق في استقبال ووداع البعثات الدولية والدبلوماسية، فقد كانت دعوات الاستقبال التي تنظم للسفراء أعظم عرابين المحبة الشعبية التي وثقت عرانا مع الأمم والشعوب.


القائد الشبكي:

مثل (الحقاني) حلقة الوصل العظمى لوجدان أنصاره في السودان وخارجه فأحبوه بصورة فاقت الوله الافلاطوني، ومثل أهم حلقات الربط بين سودان نخبة المثقفين والجماهير، فجعل من امكانياته سبيلا للتشبيك بين الصحافة والسياسة، والسياسية والرياضة، والسياسة والفن، فارتبط بالاعلاميين السودانيين، وشارك الحقوقيين في صياغة مشاريع مهمة، وقاد الراي العام السوداني بضرورة الوعي البيئي، وارتبط بالفن والمجموعات الفنية، واستضافته مؤسسات ومعاهد ومنصات مختصة ليدلي بدلوه فكان حاضرا في كل المناسبات والمحافل، كما مثل شبكة تعاون في العالم العربي والافريقي والإسلامي برئاسته للمنتدى الوسطية الإسلامية الذي يضم صُحاة الأمة، وعضويته في عدد من المنتديات الخاصة بالحياة والديمقراطية ونادي مدريد الذي جمعه بجميع رؤساء الدول والحكومات المنتخبين ديمقراطيا، ويكاد يكون السياسي الأول الذي ربط بين سودان الداخل وسودان المهجر وقد زار أغلب الجاليات والفرعيات في دول العالم المختلفة.

والسودان اليوم أحوج ما يكون لأحد يتمتع بمثل هذه العلاقات خاصة مع إثيوبيا وارتريا شرقا وتشاد والنيجر ومالي وغانا ونيجيريا غربا وساعٍ للتوأمة بين السودان وجنوب السودان وجيرانه جنوبا.


المبدئية القاتلة:

كانت مبدئيته مذهلة تجاه قضية التجديد ومحاربة الإنكفاء والغلو والتطرف والتبعية والاستلاب، وكذلك وقف بصرامة لترسيخ مباديء الحكم الراشد: (المساواة، والمساءلة، والشفافية وسيادة حكم القانون)، وتصدى بحزم لفض الاشتباكات الثيوقراطية العلمانية لوضع حد لها في السودان وفي الفكر الإنساني، وكادت مبدئية (الحقاني) أن تودي به عدة مرات، وذلك لإصراره على قول كلمة الحق مهما كلفت أثمانها، وقد أشرنا لموقفه في 1977م، ومن بعدها ما جرى له من محاولات تصفية مع جماعة الانقاذ، وموقفه الثابت حتى وافته المنية من القضية الفلسطينية، ورفضه للتطبيع والتقطيع والتركيع.


القيادي الأب:

اتخذ (الحقاني) كأب نهجا تربويا فريدا، فكان القدوة لعشرة من أبناء الدم والرحم، وغيرهم عشرات من أبناء الروح، فهو لم يطلب من أبنائه الانخراط في سلكه إرغاماً وإنما اختياراً، فاختاروا المضي معه للاصطلاء بجحيم الشموليات وتحلقوا حوله في المنفى والسجون وصفوف المعارضة ونالت بناته قبل بنيه ما نلن من التعريض والتعذيب والتجريح، وشكلت تلك الطريقة حافزا لأن يختار بعضهم غير خياراته فقابلهم بالنصح والإحسان.


القائد المستقل:

مثلت استقلالية (الحقاني) أعظم ملامح شخصيته المستقلة وعند نضوجها عنده، سعى بجد لعكس تلك الاستقلالية على مؤسساته الحزبية والدينية، ومؤسسات حكومة بلاده في الخدمة المدنية والمؤسسة القضائية، والبرلمان الديمقراطي، والقوات المسلحة التي كانت تختار قيادتها دون تدخل من أحد، وكان يريد أن يكون السودان بلدا مستقلا عن التبعية والتمحور وكان ذلك سببا للسخط عليه قد لإسقاط حكومته لرفضه جعل مياه السودان في البحر الأحمر موطئاً لقوات الحرب الباردة، وكان ذلك الاستقلال السياسي مزعجا للجارة مصر وحلفائها والتي لم تتعود على من يتحدث معها بندية.


قائد ديمقراطي في نظام استبدادي:

عندما أطلت الدكتاتورية الثالثة برأسها في يونيو 1989م، مارست قيادتها نهجا تسلطيا استبداديا آحاديا، قابلها (الحقاني) بمعاني ديمقراطية وقدم مذكرة لقادة الانقلاب بأن (معكم القوة ومعنا الشرعية)، وناداهم لكلمة سواء إلا أنهم استكبروا واختاروا أن يسدروا في غيهم حتى أوردوا أنفسهم موارد الهلاك، وهنا تجلت ملامح القائد الديمقراطي في الآتي:

1. التصميم القيادي، ففي اللحظة التي اعتقل فيها الانقلابيون (الحقاني) حاولوا إرغامه على تسجيل اعتراف بأن النظام الديمقراطي فاشل ولا يصلح لحكم السودان فرفض بعناد وصرامة وردد أن: "الديمقراطية عائدة وراجحة".


2. القيادي الموهوب، فقد مثل المعين السياسي والفكري بيت الخبرة والموهبة القيادية فعكف (الحقاني) يتولى كافة الأمور بنفسه، باذلا ماله دون ادخار، ومقدما أبناءه للمغارم دون المغانم، ومضحيا بنفسه وصحته، وصار يصدر المكاتبات والتوجيهات ويصوغ المشاريع ويكتب الأفكار ويبحث مع الباحثين ويحرر الأوامر، وهيأ لذلك مكاتبا خاصة بالداخل والخارج أعانه في ذلك كثير من الرجال والنساء. 


3. القيادي المشارك، في كل الأعمال والأنشطة الحزبية والوطنية حتى استغرب البعض في كيفية توفير (الحقاني) لكل هذا الوقت. فتجده يشارك قيادات  حزبه الاجتماعات ويتقاسم معهم وقته في مناقشة الأجندة واتخاذ القرار، وتجده محاضرا في واحدة من الجامعات والمراكز البحثية، وتجده محلقا يجوب الكرة الأرضية مشاركا فرقا إفريقية عربية أو إسلامية أو أقليمية أو دولية تناقش أمورا وأجندات تؤرق المضاجع كـ( الغلو والتطرف، والإرهاب، والحكم الراشد، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وقضايا المرأة، والمياه، والمناخ، وغيره)  وهو بهذا النمط التشاركي أسس لمنهج جديد في حزب الأمة القومي وكيان الأنصار سهل التعاطي مع الأزمات ويسر حل المشكلات والإنتاج والإسلام الوطني كمصفوفة الخلاص، وجعلت هذه المشاركة (الحقاني) يحافظ على علاقات أكثر دفئًا وتواصلا للدرجة التي يظن أي شخص ممن شاركوه أمراً أنهم أقرب الناس إليه وأكثرهم محبة له. إلا أن هذا السلوك التشاركي والذي صار نهجا حزبيا مثل معوقا في اتخاذ القرارات التي حرص (الحقاني) أن تكون بالتوافق وهو ما يسميه الديمقراطية التوافقية.


4. وقد كانت له القدرة على قيادة جماهير الأنصار وحزب الأمة القومي برغبة ومحبة لا برهبة وإكراه، وقد تطوع للخدمة في سلك مؤسساته الآلاف في الداخل والخارج بعضهم لم يلتقيه ولم يعرفه إلا من وراء صفحات الكتب. فقد امتلك بقلبه قلوب كثيرين وكانت الكاريزما والقوة الطبيعية هي المؤثر الأكبر في قيادته لتكوينات اجتماعية لا يمكن أن يجمع بينها جامع واحد، لاختلافات ثقافية ودينية واثنية وطبقية.


5. حاز (الحقاني) بثقته التي أولاها لجماهير حزبه وكيانه حيزا كبيرا من الثقة بالمقابل جعلته في موضع سلطة قوية حتى وهو في صفوف المعارضة السودانية، فلم تمر على السودان فترة أو محنة أو منحة إلا وكان رأيه حاضرا فيها.


6. التجرد سمة غالبة: حتى وافته المنية ظل باذلا حياته وأسرته وماله وجهده ووقته للاهتمام بالشأن العام ومصالح الناس متجردا ومضحيا، وليس لتحقيق مكاسب شخصية ولم يدخل في نوازع ذتية أو نزعات شخصية.


7. الوقوف مع الذات،مما عكف عليه نور الله وجهه وأرضاه في مثل هذه الأيام من كل عام هو الاعتكاف لكتابة (وقفة مع الذات)، فقد كان يراجع مواقفه وله القدرة على الاعتراف بالأخطاء ودوما ما كان يبدي الرغبة في تحمل المسؤولية ولا يتهرب منها أو يحملها لغيره وتشغله أخطاؤه الشخصية عن أخطاء الناس فلا يتتبعها أو يترصدها لذلك كان من أقسى الناس على نفسه وأرأفهم بغيره.


8. أغرب ملامح ديمقراطية (الحقاني) أنه يستشير الناس حتى في كتاباته وآرائه الشخصية، وكان يستأنس برأي عدد كبير من المفكرين والإعلاميين والساسة والكوادر والتراجم، فإن اقتنع برأيهم صحح فكرته وإلا فمضى فيها بجرأة وشجاعة يبتغي أجر المجتهد متحملاً المسؤولية كاملة أمام الناس والله رب العالمين.


9. العفة كانت سلاحه الأمضى فقد كان (الحقاني) عفيف اليد واللسان، فجميع الأنظمة الاستبدادية كانت عقب كل انقلاب تقلب صحائفه لتجد عليه شبهة فساد تدينه بها، بل ظل زاهداً حتى في مرتبه ومخصصاته الدستورية وفي كل مرة يخيب سعيهم لأن يجدوا عليه مأخذاً، ولم يستخدم يوما سلطته للبطش والتنكيل بشعبه وإهدار الحريات العامة.


10. شراسته معارضا جعلته عدو الانقلابيين الأول وسخرت له أنظتهم أموال وأجهزة وصحف النيل منه، وقد جرد الأنظمة الأيديولوجية من ادعاءاتها الإسلاموية والتعددية، وقدم أرصن المرافعات التي سيخلدها التاريخ كحجج دامغة على بطلان التجربة الاستبدادية الثالثة.


ختاما: أستطيع تأكيد أن (الحقاني) كان مدرسة تجلت فيها عبقرية القيادة وكانت له الحكمة والحنكة والقدرة والاجتهاد والمثابرة والجهاد والجرأة والشجاعة الفائقة على اتخاذ قرارات مسؤولة وصعبة، وكتابة مواقف وآراء واجتهادات مثيرة وحاسمة، وقد كان على الاستعداد لتحمل المسؤولية الناجمة عنها، ونال ما نال جراءها من إساءة وسباب وصل حد التكفير من بعض الغلاة، استبان السوانييون الكثير من آرائه بعد رحيله فاتخذه البعض حالة للدراسة لفردانيتها ونبوغها وبفقده فقد السودان حكيما عالما فاضلا صالحا عادلا.


اللهم ارض عنه وأرضه وهيء لسوداننا سبل الرشاد

الخميس، 23 ديسمبر 2021

افتقار القيادة يؤخرنا عن النصر ولكنه لن يثنينا

 افتقار القيادة يؤخرنا عن النصر ولكنه لن يثنينا


عروة الصادق 


مدخل: 

"قيل لي: إن هناك حاجة ماسة لقيادة ملهمة وحكيمة لهذا البلد الأمين، تتمتع بالقدرة والحكمة والإرادة".


مدخل ثاني:

"تأكد للجميع أن البلاد لم تدخل في أزمة قيادية لمكوناتها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية بل حتى الدينية كالتي دخلت فيها في هذه الأيام، وتجربتنا السودانية وتاريخنا (منذ عام 1956م) إلى يومنا هذا لم تعش ردة وركودا كالذي نشهده اليوم، فقادة الأمس رغم الاختلاف والتباين تمسكوا بموقفهم ضد الاستعمار والاستبداد وانحازوا إلى شعبهم في كل المراحل فاسقطوا الدكتاتوريات مجتمعين وصوتوا لطرد المستعمر من البلاد في الطور الاستقلالي (عام 1955م)".


أقول:

"يستثنى من هذا التعميم بالافتقار للقيادة كياني الشباب والطلاب في فترات مختلفة، سيما أيام العمل الطلابي، وكذلك الحركة النسوية التي اصطفت في مختلف الأزمنة لانتزاع حقوقها غلابا، كضمان التمثيل دستوريا وكفالة الحق بالنسب النسوية في القوائم الانتخابية ورفع درجة التمثيل في الأحزاب وإلغاء قوانين كانت تحط من قدر النساء، وتصميم حملات المناصرة للمرأة النازحة في دارفور والنيل الأزرق وجنوبكردفان، وآخرها الانتظام في طليعة مواكب الثورة السودانية وقدن كافة معاركها بجد واقتدار، ولم ينقطع دأبهن حتى ظهر ذلك التصدي جليا اليوم بعدد من أحياء العاصمة وهن يتصدين في موكب مهيب لمحاولات التخويف والارهاب لهن، عبر ممارسة التحرش والاغتصاب والتشوية الذي انتهجته الأنظمة الاستبدادية في مراحل مختلفة لكسر شوكتهن، وظهرت جليا وحدة القيادة النسوية في البلاد أكثر انسجاما واتساقا من كافة قيادات العمل العام، وهو أمر يوجب أن ينظر إليه بعين فاحصة للدراسة والاعتبار خصوصا في بلاد كالسودان لا يمكن أن تجد امرأتين يلبسن ثوبا سودانيا بلون أو تصميم واحد في عرس يضم الآلاف منهم، نعم فهن مميزات ومتفقات حتى في اختلافهن!!!".


وبينما الشوارع غارقة في زخم الثورة والرفض الدكتاتوري، وافق بعض السدنة الجدد، ولفيف من فلول النظام البائد على إنقلاب (25 ديسمبر 2021م)، وتزلفوا لقيادة الانقلاب مستغلين كافة السبل بما فيها "الخداع السياسي"، ومثلوا المرجعية السياسية السودانية للانقلاب والحاضنة الخفية لسلطته، وفي اعتقادي أن فكرة الاستبعاد للقوى السياسية وقوى المجتمع المدني لم تكن من بنات أفكار العسكر وإنما من وحي هؤلاء السدنة الجدد غروراً.


مثل هذا انعكاس للنقص والضيق البين في أفق هذه القوى والتي استخدمت لذلك لغة الردة الاجتماعية حيث الرجوع للقبيلة والطائقة والجهة هادمين سنوات عديدة من الاجتهاد لترسيخ الاعتراف بالتنوع الديني والاثني والتعددية الثقافية وهو الأمر الذي سيستدعي حتماً الآحادية الثقافية التي قسمت البلاد في 2011م.


وأكد الانقلابيون ومن زين لهم الاستيلاء على السلطة من استشاريين وخبراء استراتيجيين أن الخطة التي لا يعلمها الجميع – حتى السدنة الجدد- أن الإنفراد والآحادية، واحتكار السلطة والموارد، وتدجين الحياة السياسة والاجتماعية والثقافية، هذا هو رأي قيادة الانقلاب حتى الآن، وأنهم ليسوا على استعداد لفتح الباب لمن سواهم، أما من أدى لهم فروض الولاء والإذعان فهم منفتحون تمامًا نحوه، ومن خلال الرسائل التي نتلاقاها يوميا من رئيس الإنقلاب فهو يؤكد تماما الرسالة المستبطنة وأنهم يتمسكون علنًا بالمواقف القديمة التي أعلنوها عقب فض اعتصام القيادة العامة في 2019م، ويبذلون جهدهم لتحقيقها لصالحهم وحدهم لا شريك لهم.


في أواخر الشهر الماضي (نوفمبر 2021م) تم إبرام اتفاق سياسي ثنائي اصطلح عليه بالـ (برهامدوكي)، في الوقت الذي كان فيه الانقلاب يترنح على وشك السقوط والهزيمة، وقد تم الاطباق على قادته بموقف شعبي رافض داخليا، وتضييق إقليمي ودولي وصل حد الإدانات خارجيا، ولكن لتشويش في الرؤي أو لقصر نظر السيد رئيس الوزراء تم إرباك المشهد بذلك الاتفاق، للدرجة التي أصبحت فيها بعض تلك القوى الداخلية والخارجية لا تستطيع استبيان الموقف بصورة جلية،  تجلى ذلك التردد والارتباك في موقف بعض القوى السياسية والمدنية وممثل البعثة الدولية في الخرطوم.


تعين على القوى الثورية بمختلف مسمياتها المدنية والسياسية والمهنية والمقاومة اتخاذ مواقف متسقة ضد الانقلاب ولكنها مختلفة المنابر والمنصات، فقط تلتقي في الشارع والمواكب وهو ما استلزم توفير قيادة موحدة وبرؤى إيجابية في منبر واحد تسلك طريقا أوحدا، والتجربة الجديدة لـلحراك عقب 25 أكتوبر بينت أن الفرص الماثلة أكثر منها حتى قبل سقوط النظام الإنقلابي في 11 إبريل 2019م، ورأينا التعامل الجاد وبمسؤولية لمناهضة الإنقلاب في مدن العاصمة الثلاثة وكافة ولايات السودان اضطلعت به باقتدار لجان المقاومة، وكذلك في عدد من عواصم المهجر المختلفة ومثل موقف الجاليات واللاجئين السودانيين والسلك الدبلوماسي السوداني أقوى المواقف الخارجية وهو ما وحد مواقفنا للخارج وبانت لهم بذلك الاتساق التام.


الآن تزداد الحيرة وكثيرون يسألون: "ما السبيل للانتصار وهزيمة الانقلاب ونحن نواجه نظاما انقلابيا، وصلفا عسكريا، وتضييقا أمنيا قويًا في البلاد؟؟، وما العمل وهناك من  ينشط من الموالين له لتبخيس الحراك الثوري ولإعانتهم على هزيمة الثوار؟، وأجيب بالآتي:


1.  تظل الحقيقة التي لا مراء حولها أن هذا النظام الإنقلابي أضعف بمرات عديدة من نظام البشير الإخواني الذي سقط بشق الأنفس، وذلك لما يلي:

أ‌.  فلا وحدة تنظيمية لهذا الانقلاب، لأن الكيانات السياسية والاجتماعية التي تمالئه "لحم رأس"، وبعضها حديث تجربة تنظيمية وبعضها يفتقر لمفهوم التنظيم فلا مؤسسات ولا أسس ولا قيادة.

ب‌. ولا وحدة أيدولوجية له، لأنه جمع نقائض التوجه الإسلاموي مع بعض اللبراليين وجوغة من العلمانيين، وهي من أضر عوامل الفناء التي يمكن أن تحملها الأحشاء.

ت‌. ولا وحدة مواقف تجمعه بالسدنة، فمنذ الأيام الأولى للإنقلاب اتضح ذلك برفض البعض لعودة رئيس الوزراء (حمدوك) ومناصبته العداء، وحاولوا تقديم أسماء (هنود، مضوي، جبريل)، في الوقت الذي اضطربت فيه رؤية رئيس الانقلاب لدرجة عدم تحديد موقفه.

ث‌. ولا وحدة في السلاح، وهو أمر من أعقد الأمور في البلاد، فالسلاح الذي تحتفظ به القوات المسلحة وتحت سيطرتها هنالك عدد من الأسلحة تتحفز تجاهه وإن أظهرت خلافا لذلك، فقوات الدعم السريع لها ترسانة عسكرية موازية وكذلك القوات التي وقعت على اتفاق سلام جوبا وتلك التي لم توقع، فضلا عن مليشات النظام البائد التي تم حلها ولم يجمع كثيرون منهم قطع السلاح التي بطرفهم.


2. يمثل الموقف الموحد للقوى الثورية السودانية وعلى رأسها لجان المقاومة حجر الأساس للعودة بالسودان لمنصة التأسيس للقومية والوحدة الوطنية، وفي رأيي لن يستغرق اتحاد المواقف السياسية للقوى الثورية السودانية وقتا طويلا، لأن ما يجمع تلك القوى أكثر مما يفرقها.


3. ما ينبغي علينا جميعا العمل عليه هو تهيئة الأوضاع لتلك الوحدة التي تمثل أقوى عوامل البناء للمستقبل الوطني، والتي يمكن أن نتجاوز بها هشاشة البنية الاجتماعية والسياسية والأمنية في البلاد وإزالة آثار الانقلاب.


4. وعلى القوى السياسية السودانية أن تظهر بعض الحرض وأن تتحلى بأعلى درجات المسؤولية وتتجاوز في الوقت الراهن التنافس الحزبي والتناحر الإعلامي والتشاكس السياسي، وأن يظهر كل حزب بموقفه الذي يتسق مع رؤى الشعب وألا يتوارى خلف الواجهات كما تفعل كثير من تلك القوى، وهذا التخفي واحدة من أسباب زعزعة الثقة في الأحزاب السياسية السودانية.


5. وأهم ما أثبتته الأيام بأنه لا تقديس لقيادة أو لرئيس، فمهما عظمت الرتب والأحساب والأنساب والدرجات، فهي دون درجات الحرص والعزيمة لإرادة الشعب السوداني، وفي ذلك دفع الكثيرون أثمانا باهظة.


6. كما علينا الاستعداد وتهيئة غيرنا فور تحقيق الوضع الانتقالي المنشود، أنه لا بد من اتخاذ قرارات جراحية مسؤولة وأهمها قومية ووحدة قواتنا المسلحة السودانية، على أسس ومعايير وعقيدة مجمع عليها،  وأي مماطلة في تدارك هذا الأمر ستعجل من انقلاب آخر يتلوه انقلاب.


ختاما: وعلينا الاعتراف جليا بأن القيادة الحالية في كثير من الأحزاب والحركات والجماعات صارت موضع شك ولا يمكن أن يكون لها حظ في المستقبل القريب وهو ما يستلزم أن تنخرط تلك المؤسسات في تصميم برامج بناء ثقة لقياداتها إن كانت تطمح لتقديمها مستقبلا وأن تسند المرحلة الحالية لقيادة انتقالية جديدة. 

هذا الأمر "القيادة الجديدة" سيمكن السواد الأعظم للجماهير من استشعار جدية تلك القوى السياسية والاجتماعية والمدنية ويساعدها في التقاط الصورة "الصحيحة" لتلك التكوينات والمجاميع. ولذلك أرى أنه على جميع أولئك القادة، النزول إلى خيار التنحي بمحض الإرادة، لا التعنت والاستمرار وهو ما سيمهد للعزل والخلع.

وأنا على يقين أنهم حصلوا على ما يكفيهم من تجربة ومكاسب وفرص كافية ليثبتو ذواتهم، وأتيح لهم ما فيه الكفاية ليقدموا، من أحسن منهم نشكرة ومن أخطأ كذلك نجزل له الشكر لأننا لن نكرر ما راتكبه من أخطاء. وسيكون من المؤسف جدا ألا يقر في قلوب هؤلاء القادة الرغبة في التنحي وأن أونها قد آن لأنهم بالتالي سيستدعون الأعداء ويغلقون كافة طرق التنافس المشروعة حول القيادة وهذا سيفقر القوى الحية الاجتهاد والتجديد والمثابرة.

السبت، 18 ديسمبر 2021

الكود ٢٠٢١:١٢:١٩م

 الكود ٢٠٢١:١٢:١٩م

عروة الصادق

استذكار موعد إعلان الاستقلال ليس استدعاء للتاريخ من أضابير إرشيف الدول، وإنما هو إحياء لقيم وإرث ونضال وأصداء وروح الآباء المؤسسين، فالحديث عن هذا التاريخ لا ينفصل عن استحضار إجماع الأمة السودانية وتضحيات أبنائها وبذلهم الأرواح في كل المعارك الاستقلالية في جميع أطوارها المتوالية عل البلاد، وصمودهم ضد السياق الاستعماري، وتطويع الأحداث البشرية لصالح إعلان البلاد واحدة موحدة حرة مستقلة رغم محاولات الإرغام الاستبدادي، فقد اختار السودانيون في وقت مبكر تجاوز العصبيات الطائفية والقبلية والإثنية لوحدة الكلمة ومن ثم وحدة القرار في أول برلمان للدولة وقتذاك، مع العلم أن المعركة الاستقلالية قد انبرى لها طيف من هذا الشعب وليس جميعهم واستمرت المسيرة الاستقلالية بندية واحترام مع الآخر، حتى لأولئك الذين استدعوا المستعمر أو استبقوه في أرض الأجداد، ومع غلبة النداءات الاستقلالية ظلت جذوة النداءات الفدرالية منتشرة في الأقاليم المختلفة، وتجاهل تلك النداءات (ككوفيدرالية الجنوب) هو ما قاد لاحقا لإنفصال جزء عزيز لدولة جنوب السودان المستقلة، واليوم هنالك ذات الرغبات ونداءات مشابهة في أطراف البلاد كالشرق وجنوب كردفان.


إنطلاقا من هذه الحقائق والبديهيات عرف السودانيون أنهم لا يمكن أن يتجاوزا أسوار المستعمرات وكسر قيود المستعمر نحو الحرية إلا بإقرارهم أنهم لجنس بشري واحد وأنهم لآدم عليه السلام و"آدم من تراب" وقدسوا وقدرا لأجل ذلك هذا التراب،  وأن حقهم في الحرية ليس منحة بشرية وإنما هو ثابت أتت به الشرائع السماوية وأقرته الأمم بالرقي الحضاري، واندفع الجيل الاستقلالي بإرث معرفي كبير ملم بضرورة تأسيس دولة حرة تستمد سلطاتها من إرادة شعبها القوي، وخاضوا تجربتهم الفريدة التي أجهضتها الأيادي الإنقلابية.


فقد كان الشعب السوداني أقوى دافع للنوابه في البرلمان ليمضوا قدما دون توان أو وجل لإعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م، وجأر الآباء بضرورة الخروج من ذلك القمقم وتأسيس حكومة مستقلة في يناير 1956م، وإرساء ما ينظم حياة السودانيين وما ينشدونه.


لا شك أن دوافع الإحساس بالضيم وعبق الدماء الذكية التي سالت كانت أهم دوافع الوثوب نحو الاستقلال، وظلت المعاناة للوصول إلى الاستقلال ماثلة حتى الساعات الأخيرة من رفع رايته عالية خفاقة، هذه الإرادة أرغمت المستعمر لاحقا أن يقر بانتهاكاته وأن يسجل اعترافه ببسالة وقوة هذا الشعب فدونكم ما قاله ونستون شرشل.


وبذلك عطل السودانيون كل محاولات التشريع الوصائي عليهم وهدم كل ما نسجته أجهزة المخابرات ومنعوا استغلال السودان وأوقفوا نهب موارده وتسخيرها لأجندة المستعر وقهروا بمهابتهم أجندة الطغيان وجندوا لذلك جنودا دافعوا عن ترابه ولم يتهاونوا أو يفرطوا في حدوده.


اليوم بعد عقود من الإستقلال يبحث السودانيون عن الحدود المغتصبة ويلهث سوادهم الأعظم عن الحقوق الإنسان الأساسية، من كرامة وحرية وسلام وعدالة، ومساواة ويجدون في التضحية لتحقيق رفاهية المواطنين بلا تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين، وفي سبيل ذلك التوق بذل السودانييون طوال العقود الاستبدادية أعز ما ملكوا وجادوا بالروح ولا زالوا ففي الأعوام (1958-1964)، (1969-1985)، (1986-1989) كان قدرهم أن يضحوا ومن حظهم العاثر أنهم اليوم يخوضون ذات المعركة.


وبذات القدر تمارس السلطة الانقلابية اليوم إنكارا شديدا لرغبات الشعب وتبخيسا لجهوده الباذخة، تمالئها في ذلك مجاميع سياسية وكارتيلات اقتصادية وطوائف وكيانات اجتماعية وأجهزة مخابراتية ومحاور دولية، تريد جميعها إخضاع الشعب السوداني ليتخلى عن ثوابت الأمة السودانية وأن يركن بخنوع لإملاءات الداخل الإستبدادي والخارج الاستعماري بوجهه الجديد.


والموقف اليوم أن الشعب السوداني يرغب في تقرير مصيره كما فعل في كافة الحقب، وذلك وفق ما أقرته  كافة الشرائع والسنن الكونية والتطلعات الإنسانية وقوانين الأمم المتحدة رفضا لكافة أشكال الوصاية والاستعمار والاستبداد والفساد، ومثلت ثورة 19 ديسمبر 2018 الوجه الأنضر لتلك السيادة الوطنية والسيف الأمضى لمجالدة أجندة المستبد والمستعمر.


ورغم أنه قد قطع الطريق أمام كل تلك الآمال - إنقلاب 25 أكتوبر 2021م- وحال دون تحقيق إرادة الشعب السوداني وبدد مكاسب وثوابت ضحى لأجلها شبابه بدم ثخين، وقد عطل الانقلاب كافة أوجه تنمية التعاون الاقتصادي الإقليمي والدولي، وأعاق التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للبلاد، وبذر شرارة التمييز الغبائني والتفريق المناطقي والتمزيق العشائري ودق طبول الحرب.


إلا أن الشارع السوداني بسواده الأعظم يؤكد يوما بعد يوم تصديه للإنقلاب وآثاره المقيتة، ومضيه نحو إسقاطه وتعرية سدنته وكشف مؤامرات داعميه الدنيئة، والسعي لوضعهم في أمكنتهم التاريخية المحتومة.


ولإيماني التام بأن أي عملية للتغيير والتحرير إذا تم التراجع عنها تهزم نفسها وربما ستحمل بذور فنائها في أحشائها، لذلك أرجح أنه لابد من المضي قدما لتجنب الأزمات والكوارث المحتملة، والصمود والتحدي هو الذي سيضع حدا لكل مطامع المستبد وهزيمته هو وما ارتبط به من دوائر اجتماعية وكارتيلات فساد وجنود المخابرات.


كما أن الشعوب لا تساوم في مكتسبتها وتقاوم من يحاول انتزاعها وتسترخص المهج والدماء لذلك، كذلك هي على علم بأن عملية التحرير والتغيير لا تقاوم ولا يمكن هزيمتها من قبل الأنظمة الدكتاتورية مهما فعلت أو استخدمت أو حاربت الشعوب بكافة أدوات القمع الدكتاتوري، والقهر البوليسي، والظلم السلطوي، والفصل العنصري، والتمييز الثقافي، وتعمل الشعوب وتبذل كل الوسع لمحو تلك الأنظمة وأي دنس أو خطيئة ارتبطت بالاستبداد.


ختاما: إني هنا لا أطمح لرغبات ذاتية في النصر، ولا أرجو مستبدا أن يمنحني حرياتي شخصية، ولا استجدي فاسدا ليطعمني من موائده، ولكني على يقين بحكم التجارب التاريخية والقراءات الحديثة أن الاستبداد إلا زوال ولطالما رددت ذلك وأنا في وحشة الاعتقال أتلظى بسياط الجلاد، فمهما كانت أوجه الاستبداد أو سطوته أو واجهاته ومهما كلفت مواجهاته فهو آفل ليخلفه نظام ديمقراطي برضا الشعوب، وكما قال الحقاني عليه الرضوان: "الديمقراطية عائدة وراجحة"، لذلك علينا أن نعمل جميعا على الآتي:

1. إخضاع الإنقلابيين وهزيمة الإنقلاب وانتزاع كافة حقوقنا غير منقوصة بمواصلة التصدي والمقاومة بكافة الوسائل السلمية المجربة والمبتكرة.


2. إقناع المحيط الإقليمي والدولي أن أي محاولة لتجميل الانقلاب أو شرعنته يعني تمهيد السبيل إلى الردة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في البلاد واستدعاء لثالوث: الأيدلوجيات الواهمة، والسياسات الخاطئة، والحروب الأهلية.


3. إقلاع الطيف السوداني السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والثوري المقاوم عن المعارك العبثية حول المصالح والمكاسب والأجندة الحزبية والصراع حول الهوية والدين والدولة وغيره، والتي اتخذها الانقلابيين ذريعة لانقلابهم، والاستعداد للمستقبل بصياغة مشاريع وبرامج ورؤى تنافسية تكفلها آليات التداول السلمي والتعاطي الحر .


4. إرجاع كافة آليات العنف التي تم استدعاءها بعد الإنقلاب وتلك التي تم تصديرها وإقحامها في حروب بالوكالة إلى ثكناتها وإيقاف كل الأعمال المسلحة والعسكرية والأمنية والقمعية ضد المواطنين السودانيين وأن ينحسر دور الأجهزة النظامية سياسيا وينحصر نشاطها في ماهو معلوم ومنصوص عليه بحماية الوطن والمواطن والدستور واستعادة حدودنا المغتصبة.


5. إشباع رغبات كافة المواطنين السودانيين في الحرية والسلام والعدالة والعيش الكريم وكفالة تطلعاتهم وتضمينها في كل الشعارات والنداءات والأطر السياسية والمواثيق المرجوة، واستيعاب تطلعات كل من انتمى لهذا الوطن في الحواضر والأقاليم ومعسكرات اللجوء والنزوح وفي دول المهجر وتجنب الاستدراكات المتأخرة.


6.  إنتزاع كل بذور الانقضاض على سلطة الشعب ومحاربة كل ما من شأنه زعزعة الاستقرار وتضييع الاستقلال، وفضح كل ما من شأنه ضعضعة الأوضاع كالتأمر الداخلي من المكونات السياسية والعسكرية والعشائرية ومنع التدخلات الخارجية عبر دول و أحلاف و أجهزة مخابرات.


7. إرتفاع الوعي بأهمية ثوابت هذا الشعب السوداني (القيمية – التارخية – الثورية..) وضرورة التمسك بها وإلزام المؤسسات والكيانات السياسية والإجتماعية والثقافية بضرورة إحترامها وعدم تضييعها وبذل الجميع أجل التضحيات في سبيل استردادها.


#مليونيه١٩ديسمبر