الأحد، 11 سبتمبر 2022

مشارح السودان ودفن مجهولين فيها

مشارح السودان ودفن مجهولي فيها


■ الصور التي ترد من مشارح العاصمة، تثبت أن آخر شيء في أولوياتنا هو آدمية الإنسان، إذ يأتي تكريمه في قاع اهتمامنا، ويتبين أن البنية التحتية لحفظ كرامة الأموات مهترئة ومتعفنة، ومن يقومون على أمرها لا يقلون تعفنا عن تلك المرافق، فهم لا يبالون أو يأبهون لحرمة أولئك الأموات الذين قدر الله أن يكونوا مجهولي الهوية.


■ إن قضية حفظ جثمان ومن ثم دفن "الشخص المجهول" الذي عثر عليه ميتاً في الشارع أو أي مكان مجهول دون معرفة هويته، أو قضى نحبه في حادث أمر طبيعي بعد استيفاء الشروط القانونية لحفظ حق المتوفي.


■ ولكن في السودان تمثل هذه القضية شأنا استثنائيا لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بقضية ضحايا مجزرة القيادة العامة ومففودي فض الاعتصام، وكل الأفكار تذهب إلى أن هذه محاولة من الانقلابيين لطمس فظاعة جريمة القيادة العامة.

■ وهو أمر متجاوز للأعراف والدين والأخلاق والقانون، إذا أراد النائب العام ومؤسسات الدولة دحض ظنون الناس بأنها محاولة لطمس أدلة جريمة النظام، عليهم أن يعلو درجة الشفافية ويشركوا قضاة وأطباء سابقين وتكون لجنة من الشفافية بمكان يشارك فيها لجنة الأطباء المركزية ومحامو الطواريء ولجان المفقودين بالمركز والولايات، ونقابة المحامين وأن يباشروا استيفاء كافة الشروط القانونية المعمول بها في السودان ودوليا، وجمع كل المستندات من أجهزة الشرطة والأدلة الجنائية وأن يكون هناك محاضر استلام تحتوي أسماء وحيثيات من أتوا بهذه الجثامين للمشارح.


■ وأشدد على أنه ألا ينبغي يدفن أي جثمان ليس له صورة واضحة الملامح تسهل التعرف عليه، لأن كثير من هذه الجثامين تغييرت كثيرا ويصعب التعرف عليها وبعضها تحلل لدرجة التعفن، لذلك لا مجال لدفنها دون أخذ بينات الحمض النووي، وينبغي أن يشارك في هذه الإجراءات مؤسسات دولية كالصليب الأحمر وأطباء بلا حدود وأن تمثل الأمم المتحدة عبر بعثتها في هذه الإجراءات.

■ ختاما: ستظل أي محاولة لإهدار كرامة هؤلاء الراحلين وتضييع حقوقهم تسفيه وتجاوز لما ظل ينادي به السودانيين بضرورة إكرام الضحايا والتعرف على ذويهم من الشهداء والمفقودين وحتى أولئك الذين توفوا جراء حوادث طبيعية ووجدوا في العراء، كما أن الاستمرار في محاولات طمس أي بينات سيعقد الأمور وسيزيد حدة الاحتقان في الشارع ويؤكد الظنون والشكوك التي تقول بأنها محاولة لإخفاء حقيقة أمر ما.

الشيوعي VS الأمة القومي

الشيوعي VS الأمة القومي


● إن النضج السياسي يحتم على القوى السياسية التسامي فوق الصغائر، والتحلي بالحكمة والحنكة السياسيتين، وتجاوز نوازع الذوات، وأجندة الشخوص، وتوسيع المدارك لاستيعاب مطلوبات الممارسة السياسية الرشيدة التي تنتهج طريقا ديمقراطيا يجنب البلاد تعنت العقليات الديماجوجية.

● وقد مثل الخلاف السياسي بين السودانيين لازمة سياسية مستمرة، يتصاعد ويهبط، يتبدل ويتحول بين القوى السياسية والقيادات، تارة بين التحالف الواحد، ومرة في الحزب الواحد وأخرى بين الأحزاب والتكوينات السياسية.


● وظلت هناك منظومة إعلامية ومواقع اسفيرية تنشط في تأزيم أي خلاف بين الفرقاء السودانيين، بغية إحداث شرخ اجتماعي وسياسي يقود لإضعاف الحركة السياسية، وحقيقة ليس العسكر وحدهم من يعملون على إذكاء تلك النيران، بل تساعدهم جماعات النظام البائد وحلفائه وربائبه وغباء بعض الساسة.


● كما لا يرجى زول الخلافات السياسية بين الأحزاب لأنها ليست متوحدة أيدولوجيا أو برامجيا أو تنظيميا وما بينها فقط هو مشتركات قومية تخص الوطن ولا تتعداه إلى مآرب ذاتية.

● ليس هناك بغض أو محبة أو صراع أو خصومه بين الأمة والشيوعي بقدر ما هناك سوء فهم للمواقف والتقديرات، فحزب الأمة القومي يرى بضرورة كسر الجمود بين كافة قوى الثورة والقوى الرافضة للإنقلاب وتجسير الهوة بين كافة الفصائل السياسية السودانية الحرة، وفي ذلك يسعى الأمة جاهدا ويسعد بالتواصل والاتصال لإبداء وجهة نظره وسماع وجهة نظر الآخرين، وكل ذلك يأتي في سبيل التدافع السياسي المطلوب للخروج بالبلاد من وهدتها.

● الأمر الذي استجاب له بعض الشيوعيين كالسيد الباشمهندس صديق يوسف، فيما قابله آخرين في الحزب الشيوعي بنوع من الأنفة والتأفف والإستعلاء المقيت من بعض كوادره من المتفرغين منذ الأربعينيات، والذين يتعاملون وفق بيروقراطية الماركسية اللينينية التقليدية القابضة، ويعتقدون أن الراديكالية في التعامل هي السبيل الأوفق لتحقيق الاختراق السياسي، وما يؤسف له البيان الأخير للحزب الشيوعي الذي يطالب فيه من حزب الأمة تقديم طلب مكتوب للقائه مع تحديد الأجندة، وهو أمر سيجعل التواصل بين الحزبين عسيرا إن لم يستحل التواصل بينهما.

● وإذا استمرت القيادة المتفرغة في الحزب الشيوعي بالتعامل مع قيادة القوى السياسية والأحزاب بهذه العنجهية فسيعزل الشيوعي نفسه من العمل السياسي، وبالأخص مع حزب الأمة القومي الذي تجاوز أنصاره آلام ومآسي ومذابح تاريخية ودماء كان للشيوعي وقيادته السبب وراء ارتكابها في حق الأنصار.

● وألفت الإنتباه لأن يكون التعامل بين القوى السياسية بما يعلي المصلحة الوطنية ويحقق المخرج الآمن لنجنب بلادنا ويلات الحرب والعوز والجوع والمرض، وأن نسمو فوق الأجندة الحزبية الضيقة، ونترك الفيصل بيننا صناديق الاقتراع التي يعمد بها الشعب في المستقبل من يحكمه شيوعيا كان أو أمة أو غيرهما.


● ختاما: لن يصبح الأمة شيوعيا ولن يتخلى الشيوعي عن ماركسيته، ولكن سيظل الوطن هو الثابت الأوحد، وينبغي أن يكون التداعي لأجله فريضة سياسية، وألا يكون السعي لتفتيت قواه الحية وتمزيق تحالفاته شغلا شاغلا، وسيظل مفهوما رغبة الشيوعي في التموضع السياسي ولو بالدعاية الشيوعية المعهودة، وهو ما سيحفز العداوات ضده، وسيظل حزب الأمة يواصل دأبه في سبيل الحل السياسي الشامل، إذا استجابت قيادة الشيوعي لذلك فأهلا ومرحبا، وإذا تمنعت فنقول لهم تعلموا من ماضيكم.

الخميس، 8 سبتمبر 2022

السودان وقمة الدول المتشاطئة على البحر الأحمر

السودان وقمة الدول المتشاطئة على البحر الأحمر 


(١) مقدمة

● في 6 يناير من 2020م وقّع وزراء خارجية الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن ميثاقَ تأسيس منظمة جديدة في الرياض هدفها تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين تلك الدول، وقد أتت هذه الخطوة لأنه لم يعد البحر الأحمر مجرد مجرى مائي يصل بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، وإنما أصبح منطقة اقتصادية واعدة يمكنها أن تجعل عملياً خطوط المنتصف البحري بين الدول المتشاطئة جسور عبور بينها.


● ومنذ ذلك التاريخ تم إقرار عقد هذه القمة التي تضم ثماني دول عربية وإفريقية هي: السودان والسعودية والأردن واليمن وإريتريا والصومال ومصر وجيبوتي، ويأتي هذا المؤتمر لرفض أي محاولات تستهدف تدويل منطقة البحر الأحمر، وتعزيز التعاون العربي الأفريقي لتحقيق الأمن في البحر الأحمر وخليج عدن، أخذا في الاعتبار لمسؤولية الدول المتشاطئة على البحر الأحمر في تأمين سواحلها، وسبل مواجهة التهديدات التي تواجه الدول الثمان في ظل توجه قوى دولية وإقليمية إلى ترسيخ نفوذها في منطقة القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر.


كما أن هناك شواغل تؤرق دول المنطقة أهمها الحرب في اليمن ورغبة المملكة استئناف أنشطتها التنموية في ساحل البحر الأحمر كمدينة نيوم، الأمر الذي يتطلب إحكام التعاون الأمني بين الدول، وهناك التدخل الروسي في السودان الذي مثل كابوسا مؤرقا للغرب وحلفائه في المنطقة، تسعى جميع هذه الدول لتحجيمه، فضلا عن الرغبة الشديدة في الاستحواز على المواني خصوصا شرقي السودان وجيبوتي وموانئ اليمن.




(٢) موقع السودان

● موقع السودان وحدود الممتدة مع سبع دول وهي: مصر وليبيا من ناحية الشمال ودولة جنوب السودان من ناحية الجنوب وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى من ناحية الغرب وإثيوبيا وإريتريا من ناحية الشرق يجعله أهم دول البحر الأحمر المشاطئة للجارة السابعة المملكة العربية السعودية، وينظر الجميع للسودان بأنه مكان استراتيجي أفريقي وعربي في آن واحد، فهو العمق الاستراتيجي لمصر مائيا وغذائيا وأمنيا، والجناح الغربي للمملكة العربية السعودية، وهو بوابة أفريقيا للعرب وبوابة الأفارقة للشمال والشرق، وأهميته لأمن البحر الأحمر لا ينازع فيها بحكم موقعه الجيوسياسي.


● هذا الموقع المميز على البحر للأحمر ظل محفزا لأطماع كثير من الدول للدخول في شراكات استراتيجية على سواحل البحر الأحمر، وقد وقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس المخلوع عمر البشير، أثناء زيارته إلى السودان 13 اتّفاقاً شمل عدد من المشروعات أهمها منطقة تجارة حرّة في بورتسودان، وميناء وحوضاً للسفن العسكريّة والمدنيّة في البحر الأحمر، ومخازن للحبوب في مواقع مختلفة، وجامعة ومستشفى ومحطّات للطاقة الكهربائيّة، فضلا عن ترميم بعض المواقع الأثرية وإعادة إعمار جزيرة سواكن التاريخية على الساحل.




(٣) التهديدات المحلية والإقليمية والدولية

● يعد العنف والإرهاب والتطرف أكبر المهددات على ساحل البحر الأحمر وفي دوله، وظلت الضرورة ملحة لتعيين منسقين مختصين من تلك الدول لمتابعة أعمال وأنشطة جماعات مسلحة تنشط في البحر الأحمر وتهدد ضمان حرية وسلامة الملاحة فيه، كما أن الخطر البيئي ظل من شواغل تلك الدول ما جعلها تراقب التهديدات البيئية المحدقة بمياهه وحياته المائية، الأمر الذي يعد مسألة على درجة كبيرة من الأهمية لكافة دول المنطقة والعالم والإقليم، التزاما بالبروتوكول المتعلق بحماية البيئة البحرية من أنشطة برية في البحر الأحمر وخليج عدن، الموقع في بجده 1982م، والمعتمد في سبتمبر 2005م.


● وقد مثل كابوس الهجرة غير المنتظمة خطرا أمميا ومهددا أمنيا للدول من حدود جنوب إفريقيا والمكسيك، إلى شواطئ ماليزيا وإندونيسيا وأوروبا، ومن ليبيا إلى ناورو وصولا لشواطئ البحر الأحمر، وما تشهد به تقارير طواقم أطباء بلا حدود الطبية على القسوة التي تنطوي عليها سياسات الهجرة الحالية في هذه الدول، وهو أمر يجعل هذه الدول أمام أكبر تحدياتها، فبعضها دول تصدر الهجرة وأخرى معابر وأخيرا مستقبلة للمهاجرين.




(٤) الجزر والنزاعات

● في البحر الأحمر عشرات الجزر المهمة والاستراتيجية والتي مثلت واحدة من نقاط النزاع بين الدول، غالبيتها تقعل على سواحل المملكة، كما أن جزء كبير من هذه الجزر تشكل ما يشبه الأرخبيل بمحاذاة الشاطئ اليمني، وأبرز تلك الجزر في أرخبيل الزبير، في سلسلة صغيرة من الجزر البركانية، التي تملكها اليمن، والتي ارتفعت من البحر الأحمر بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية.


● وتنتشر مجموعة الجزر اليمنية في المياه الإقليمية لليمن في البحر الأحمر وخليج عدن ولها مناخها وطقسها وبيئتها الخاصة، ولها تضاريسها وتكويناتها الطبيعية وتتركز أكثرها في البحر الأحمر موزعة على محاذاة الشاطئ اليمني أهمها وأكبرها جزيرة كمران المأهولة بالسكان وبعض الحيوانات البرية النادرة بالإضافة إلى أرخبيل حنيش، والذي يعرف أيضا بحنيش - زكار الإريتري الأمر الذي قاد لخلاف يين إريتريا واليمن في 1996م نُزع فتيل الصراع بينهما بالتوصل إلى تفاهم متبادل، حول حل النزاع على الأرخبيل بالوسائل السلمية عن طريق التحكيم في ديسمبر 1999م.


● وفي السودان أهم الجزر التي يدور الحديث حول استثمارها جزيرة سنقنيب وجزيرة الريح وجزر تلا تلا وجزر بار موسي وأرخبيل جزر سواكن وأخيرا جزيرة مقريسم التي يسميها البعض قلب العالم، فيما مثلت جزيرتا صنافير وتيران نموذجا للخلاف البيني بين الدول على الجزر البحرية واتسم حله بالهدوء بين مصر والمملكة العربية السعودي، وتحتفظ مصر الآن بجزر الزبرجد نواحي ساحل برنيس و الجفتونين الكبير والصغير بالغردقة وأبو منقار وشدوان والفنادير.



(٥) الصيد والقرصنة والإرهاب

● يمثل الصيد البحري النشاط الرئيسي في جميع البحار الإقليمية الثلاثة والبحر الأحمر يمثل أهم تلك البحار، إذ تشكل سواحله أخطر وأهم حواضن وأماكن تواجد الممارسين للصيد، ويمارس هؤلاء العمال مهنا في ظاهرها بسيطة كالصيد البحري والتجارة ولكنها تمثل في بهض الأحيان غطاء لأنشطة خارجة عن القانون ومهددة للأمن القومي للدول والإقليمي للمنطقة والدولي للعالم كالاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والممنوعات.


● ولقد مثلت قضايا القرصنة والإرهاب أهم مؤرقات دول البحر الأحمر، فإلى جانب الإرهاب البري، هناك إرهاب من نوع آخر يهدد الملاحة والتجارة العالمية، يرتكبه قراصنة البحر في المحيط الهندي والبحر الأحمر - ذلك الخطر الذي يمارسه القراصنة وتسانــده الحركات المتطرفــة في العالم، وقد شكل أكبر مخاطر تلك الدول، ما دعا الأمم المتحدة إلى القيام باستجابة شاملة وفعالة لمشكلة القرصنة في البحر الأحمر خصوصا قبالة سواحل الصومال إلى وقت قريب.




(٦) دول غير متشاطئة ولكنها تتأثر بالبحر الأحمر

● وهناك دول غير مشاطئة للبحر الأحمر الا أنه يمثل بالنسبة لها شريان حياة فقد اعتمدت إثيوبيا على جيبوتي للوصول إلى البحر الأحمر منذ استقلال إريتريا، ويمثل السودان المنفذ البحري لدولة تشاد والذي يتحكم في وارداتها المحلية بصورة كبيرة.

● وقد تدخلت في شأن البحر الأحمر دوله كدولة الإمارات العربية المتحدة التي تقع في المنطقة المدارية الجافة التي تمتد عبر آسيا وشمال أفريقيا وتخضع في الوقت نفسه لتأثيرات المحيط لوقوعها على ساحلي الخليج العربي وخليج عمان الذي يتصل بالبحر الأحمر عن طريق باب المندب، وتعتبره عمقا استراتيجيا بالنسبة لها ولحركة السفن من موانيها.

● وقبل انفصال السودان وحتى الآن تمثل موانئ شرق السودان هي المنفذ الأهم لصادرات وواردات دولة جنوب السودان، خصوصا الصادرات النفطية التي تنساب عبر أنبوب يمتد من حقول الانتاج وصولا لميناء بشاير في شرقي السودان، وكذلك الأمر لإفريقيا الوسطى التي تردها كثير من الصادرات عبر موانيه ليتم إدخالها بالطرق البرية، فصارت الإمارات وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى من المتأثرين بما يجري في البحر الأحمر.




(٧) الثروات

● تظل ثروات البحر الأحمر أكبر دوافع التسابق الدولي والتنافس الإقليمي وواحدة من أسباب نشوب النزاعات بين الدول، وظلت الأمم المتحدة على الدوام تؤكد أن لكل دولة سيادة دائمة كاملة تمارسها بحرية على كل ثرواتها ومواردها الطبيعية وأنشطتها الاقتصادية، في الوقت الذي يتأثر الناتج القومي العام في تلك الدول بالانتاج الصناعي والزراعي والثروة البحرية وتتأرجح المعاملات المالية والمصرفية تبعا للاستفادة من تلك الثروات في باطن البحر الأحمر وعلى سواحله، ويعلم الجميع مدى التردي الاقتصادي في السودان نتيجة حدوث خسائر فادحة نجمت عن تعطل العمليات التجارية في موانيه بالبحر الأحمر بسبب الاضطرابات التي شهدتها البلاد.


● ولأن البحر الأحمر ليس بحراً محاطاً باليابسة على امتداده طويل جدا وبه مرابط طبيعية وعميقة تستغلها السفن، بل يمثل واحدا من أهم مستودعات التنوع البيولوجي في العالم، وهو محط ثراء اقتصادي وثقافـــي ومهد تلاقي دينـــي، وذاخر فـــي تنوعه الاجتماعي، وبه عدد مقدر من الثروات والمعادن والغاز، ويعد من أكثر البحار ثراء بالأحياء والحيوانات البحرية والشعاب المرجانية، ومحاط بتيارات تحتوي وتغلف هذه الثروة من الطحالب التي تنمو وتتكتل فيه، وهو البحر الذي يؤمن في كل الفصول ثروة من العوالق النباتية والأسماك الصدفية التي تشكل داعما أساسيا ولو لفترات قصيرة ونظاماً اقتصادياً مهما للمجتمعات المحلية في تلك الشواطئ القريبة.


● وهناك ثروات البحر الأحمر المعروفة بـ«أتلانتس2»، أو (كنز البحر الأحمر) والمقدرة عائداته، بعد انطلاقة المشروع التي كانت مقررة في عام 2020م، بنحو 20 مليار دولار. وتُقدر الثروات المعدنية داخل المشروع الواقع في أعمال البحر الأحمر في المنطقة المشتركة بين السودان والسعودية، بنحو 47 طنا من الذهب٬ ومليوني طن من الزنك٬ و500 ألف طن من النحاس٬ و3 آلاف طن من المنغنيز٬ و3 آلاف طن من الفضة٬ إلى جانب معادن أخرى، وهو الملف الذي ظل أحد ألغاز العلاقة بين البلدين إلى أن تتبعته لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو قبيل الإنقلاب في ٢٥ أكتوبر بشهرين وقطع الطريق أمام استكماله.




(٨) الموانئ

● تعد الموانيء أهم المرافق الخاصة بنقل وشحن البضائع والسلع والنفط والحيوانات وبخاصة موانينا التي تقع على سواحل الدول الثمانية، إذ يمنع للحيوان الدخول لكثير من دول العالم إلا من خلال بعض المطارات أو الموانئ البحرية، الأمر الذي يتسق تماما مع الإنتاج الحيواني الكبير في بلد كالسودان، ويؤكد على ضرورة الإهتمام بموانيه، فيما تأتي أهمية قصوى بالموانئ والمرابط وورش للصيانة كالتي في قناة السويس.


● ولقد شهدت موانئ كميناء العقبة الأردني خلال الخمسة عقود الماضية تطورا مضطردا ليصبح أحد الموانئ الرئيسية في منطقة البحر الأحمر، كذلك مواني ساحل البحر الأحمر خصوصا تلك المتعلقة بتصدير النفط ومشتقاته والتي تمثل شركة أرامكو واحدة من أهم الشركات العاملة في تطوير المواني بجانب عملها النفطي، كما أن ميناء القنفذة كان من الموانئ المهمة على ساحل البحر الأحمر حيث ساهم باستمرار في استقبال السفن الكبيرة المحملة بحاصلات اليمن والشام قبل أن تندلع الحرب في كليهما.


● وما يؤسف له الدمار الذي لحق بموانئ استراتيجية في المنطقة كالتي حدثت باليمن وصار بعضها عبارة عن موانئ عسكرية، وتأثرت بالتدخلات الإقليمية والدولية وصارت واحدة من مهددات الملاحة والتجارة الإقليمية و العالمية، وذلك لأن جميع عمليات الشحن والنقل البدائية حول العالم تتأثر بمواني البحر الأحمر إذ تمثل شريكا استراتيجيا للشحن من الصين شرقا إلى هامبورغ غربا وصولا لأي نقطة في أنحاء العالم، كما تشكل موانئ البحر الأحمر نقطة مهمة لتقديم الخدمات البحرية والصيانة للسفن.


● ولأن المواني تمثل واحدة من أخطر نوافذ انتقال عدوى الأمراض والأوبئة حول العالم للإنسان والحيوان على حد سواء نجد أنه في عام 2010م صدر إعلان جيبوتي بشأن الحركة والهجرة والسكان على امتداد موانئ البحر الأحمر وخليج عدن إزاء فيروس نقص المناعة البشرية، وهو الإعلان الذي حظي بدعم واسع من دول المنطقة المنطقة، واليوم نشهد أوبئة ككوفيد، وجدري القرود، والحمى النزفية بالنسبة للحيوانات، وهو ما يوجب تعزيز أوجه الرعاية الصحية والبيطرية في تلك الموانئ.




(٩) أمن البحر الأحمر 


● كل ما في هذه الدول الثمانية من ثروات وثورات وإضطرابات وحروب يجعل أولويتنا الأولى تأمين سواحلنا وإحكام السيطرة عليها وحماية الموانئ البحرية، وتعزيز الحصون والدفاعات البحرية، كما أنتا ملزمين بحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية ومنع انتشار المواد الكيميائية الخطرة، فقد أفادت التقارير عن تلوث البحر الأحمر من الأنشطة الزراعية عند خليج السويس في مصر، والسودان واليمن والصومال.


● وبالتأكيد أن أي دولة عظيمة ذات عزيمة تستحق قوة بحرية استراتيجبة قوية مهنية منضبطة ومدربة، لأن هذه الثروات في البحر الأحمر يراها البعض غير معقولة ومحفزة للأطماع والتدخلات والقرصنة الدولية وزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي.


● مع أن البحر الأحمر شهد اضطرابات شديدة متأثرا بالنزاعات في الصومال واليمن إلا أنه ظل بلا استشارات أمنية أو شراكات استراتيجية على طول سواحل دوله، الأمر الذي تسبب في تسرب كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والألغام البحرية والمخدرات وتهريب الآثار والثروات.
 

● هذا التعاون إن قدر له النجاح سيعزز قدرات الدول في تنفيذ خططها الإنمائية، وبناء قدراتها الأمنية لمكافحة الإرهاب، وحماية موانيها والممرات البحرية في خليج عدن ومجرى وسواحل البحر الأحمر من القرصنة البحرية، بالإضافة إلى حماية الحدود البحرية والبرية.


● وينبغي لهذه البلدان أن تستحدث استراتيجيات متخصّصة قائمة على مكافحة الإرهاب ومنع التهريب البحري، وتنفيذ العمليات البحرية، بما في ذلك استحداث قوة استخبارات بحرية، لأجل رصد حركة السفن، وكذلك تبادل تلك المعلومات مع الحكومات الأخرى، فنحن نرى في تاريخنا الطويل أن كافة الدول التي استعمرت العالم تحركت عبر أساطيلها وقواتها البحرية.


● ونرى اليوم أن المكتب الوطني للاستخبارات البحرية ومجلس الأمن البحري في الولايات المتحدة الأمريكية من أهم المكاتب الدفاعية المتقدمة، وأن أبرز ضابط فيها هو رئيس العمليات البحرية (CNO)، وهو أميرال من فئة الأربع نجوم، يتبع لوزير البحرية مُباشرةً ويُسأل أمامه، ألا يوجب هذا الإهتمام بالقوات البحرية ومنحها وضعا خاصا في أسلحة الدول؟؟؟.


● إن ضباط الاستخبارات الذين عملوا في أسلحة البحرية سابقا، كنز ثمين ينبغي المحافظة عليهم والاسترشاد بهم، فمنهم من يمتلك ثروة من المعلومات السرية لا تقدر بثمن ومنهم من كان يرأس واحدة من أهم الأجهزة الأمنية في سواحل المنطقة، لا ينبغي أن يتسربوا إلى مناطق أخرى.




(١٠) الأوضاع الداخلية في المدن الشرقية السودانية

● في شرق السودان رغم ما ذكرنا من ذخائر وكنوز وثروات، إلا أن السكان في ولايات البحر الأحمر وجارتيها كسلا والقضارف يئنون تحت وطأة الأزمات والكوارث الطبيعية وانعدام الأمن الغذائي المزمن والفقر، فضلا عن التوترات بين عناصر المجتمعات المحلية، ما يسبب حالة من الزعزعة على البحر الأحمر ويسبب انعدام الأمن بشكل مستمر.


● وقد عانى الإقليم الشرقي للسودان من التهميش الاقتصادي والسياسي لسنوات طويلة، وهو ما أدى إلى انتشار الفقر على نحو واسع، الأمر الذي خلف كوارث وأزمات إنسانية، ورغم محاولات الحكومة الانتقالية بتوفير دعم مباشر لكل ولايات الشرق ودعم عيني وغذائي للأطفال والنساء الحوامل في الشرق، إلا أن الفجوة كانت أكبر بكثير من قدرات السودان، الأمر الذي استدعى تدخل إقليمي ودولي، وقد تابعت تدخلات إنسانية من أوكسفام بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، في تلال البحر الأحمر في السودان، وبعض المحاولات القطرية والكويتية برعاية سفراء تلك الدول.


● وقد كانت اليونيدو بالتعاون مع معهد البحوث البحرية النرويجي تسعى لتقديم المساعدة التقنية والفنية بغرض تقييم حالة الموارد البحرية المتجدِّدة في ولاية البحر الأحمر في السودان، للاستفادة منها في تنفيذ مشاريع لتحسين سبل كسب العيش والأمن الغذائي للسكان في مجتمعات تمتد من السواحل الجنوبية حتى تلال حلايب وما حولها من مناطق شمالا.


● ورأينا أيضا التدخلات بغية رفع القدرات وتوفير الإمكانات الاقتصادية للمجتمعات المحلية التي تعتمد على صيد الأسماك، لتُنفذ اليونيدو مشروعاً مهما يقوم على التدريب وتحديث مصائد الأسماك الحرفية وإيجاد فرص تسويق جديدة في ولاية البحر الأحمر، الأمر الذي يدفع قادة هذه الدول لإلقاء نظرة على الجوانب الاجتماعية - الاقتصادية المتصلة بإدارة الأزمات والكوارث الإنسانية للمجتمعات المحلية وما يمكنها عمله.




(١١) اليهود وإسرائيل في البحر الأحمر


● لا يمثل البحر الأحمر بالنسبة ليهود العالم مجرد مجرى نُحت في تضاريس الكون، بل يرون فيه القرية التي كانت حاضرة البحر، ويذكرون عنده أهل المدينة التي كانت قريبة من البحر بين مدين وجبل الطور، تلك الأماكن التي تعدوا فيها على حدود الله، وتجاوزوها يوم السبت الذي يعظمونه، ولا يعملون فيه ويخصوصونه للعبادة.


● كما أن شق هذا البحر على يد نبي الله موسى عليه السلام، ظل الآية العظمى التي تعتمل دواخلهم بها وتمجدها عقائدهم، ونشاركهم نحن المسلمون الإيمان بحقيقتها، ولكن إسرائيل ككيان ودولة وتنظيمات سياسية وأجهزة أمنية تستغل هذه الموروثات العقائدية لتبرر بها التدخل في البحر الأحمر وشؤون الدول المشاطئة فيه بدءا من الصراع التاريخي مع مصر حول سيناء.


● لذلك نجد أن لإسرائيل تحركات عسكرية وأمنية كثيفة في البحر الأحمر بعضها دون علم هذه الدول الثمانية، وظلت تعتدي على الحدود السودانية وتنفيذ ضرباتها الجوية في مدن ساحلية على البحر الأحمر دون رقيب أو مساءلة إقليمية أو دولية.


● وهو ما يجعل بالضرورة أن تكون المسؤولية الرئيسية عن أمن البحر الأحمر تقع على عاتق الدول العربية والإفريقية المطلة عليه، وأن أي تهاون فيه سيحفز إسرائيل وغيرها لمد يدها في العمق الإقليمي لتلك الدول والعبث داخل مياهها وسمائها وأراضيها.




(١٢) توصيات


● ختاما: إن هذه القمة الجداوية لا يقع على عاتقها تحقيق الأمن والاستقرار السياسي لدول المنطقة فقط، أو العمل على حماية أجندة بعض الدول التنموية والاقتصادية، ولكنها معنية بعدد من الملفات التي تهم الشعوب قبل الحكام أهمها:

١. استلهام تاريخ الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي على دول ساحل البحر الأحمر، وجعله منصة انطلاق يشبه جمال رواشين جدة ونقاء مياه ثغر السودان الباسم في بورتسودان، ويحمل في طياته عبق وعراقة باب المندب.

٢. التأكيد للعالم أن هذه المدن الساحلية على البحر الأحمر تمثل الفرصة الاقتصادية الذهبية لدول الإقليم والمنطقة والعالم، لأنها لا تقع في موقع توافر المواد الخام والمعادن والمواشي والغاز وإنتاج المحاصيل ومصدر العمالة الزائدة فحسب، ولكنها أيضًا تقع بمحاذاة أهم طريق شحن ونقل دولي على البحر الأحمر.

٣. ضرورة رسم مشروع استراتيجي متكامل لهذه الدول، سياسيا واقتصاديا واكاديميا وامنيا، ويشمل تطوير مناطق اقتصادية خاصة على طول ساحل البحر الأحمر، ومراكز أمنية تحد من خطورة النزعات الإجرامية والإرهابية وتعنى بحفظ واستغلال الثروات البحرية في البحر الأحمر على أكمل وجه.

٤. العمل بصورة عاجلة على إصلاح وتحديث الموانئ البحرية مما ييسر نقل الأشخاص والسلع والنفط والغاز والمواشي وتسهيل الاستخدام للأنشطة المدنية، وتعزيز قدراتها العملياتية والأمنية لتقليل أطماع الدول الزاحفة نحو الهيمنة والإطباق على سواحل البحر الأحمر.

٥. العمل على إقامة آليات مشتركة بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر لتعزيز أمن وسلامة الملاحة فيه، ومواجهة أي احتمالات لانتقال ظاهرة القرصنة إليه، وتشكيل لجان متخصصة لوضع آليات فعالة في هذا الشأن وفي أسرع وقت لأن القراصنة ما زالوا قادرين على العمل والانتقال من وإلى باب المندب والطرف الجنوبي من البحر الأحمر خلال فترة الرياح الموسمية والمغامرة بالوصول إلى جزر المالديف عندما يكون الطقس مواتيا.

٦. ينبغي أن تؤكد جميع تلك الدول التزامها بحماية مياهها الإقليمية واستعدادها للتعاون مع الدول المعنية لتثبيت الأمن والاستقرار في منطقة خليج عدن والبحر الأحمر ومنع أي تحركات معادية لأي من الدول الثمانية عبر أراضيها.

٧. لقد كشفت وثائق بنما عن أشاء كثيرة وخطيرة حول الثروات البحرية، لكن أحدث مجموعة من التسريبات تلك التي تشير إلى حالات التهريب والإستغلال غير العادل لتلك الثروات الأمر الذي يوجب إعمال الشفافية، وتمكين الشعوب قبل الحكومات من معلومات تلك الثروات المستغلة.

٨. عدم السماح لأي من الدول ارتكاب انتهاكات لحظر توريد الأسلحة عبر وسائط نقل وطرق وموانئ بحرية لتستغل في العدوان وممارسة أنشطة إرهابية ومدمرة للمنطقة.

٩. ضررورة النظر في إمكانية إقامة مناطق اقتصادية حرة معفاة من الضرائب في الموانئ البحرية وإنشاء هذه المناطق في أماكن مستحدثة وجديدة لم يتم القيام فيها بذلك من قبل للإسهام في تنمية الدول.

١٠. على جميع هذه الدول الحرص على عدم تلوث الحوض ومراعاة التخلص من بقايا المواد الكيميائية، وألا يتم التخلص منها إلا عن طريق التعاون مع هيئات إقليمية لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية، بالتعاون مع المؤسسات الدولية المختصة، وذلك للمحافظة على البيئة الصحية وبمعدات مجهزة لهذا الشأن.

١١. الشكوى مستمرة من رواد المناخ والجمعيات البيئية من ارتفاع درجات الحرارة في مياه البحر الأحمر بفعل التلوث وانبعاث الغازات الدفيئة الأمر الذي يهدد الحياة المائية الذاخرة فيه، وهو ما يتطلب إهتمام هذه الدول بالشأن المناخي وترفع توصياتها للقمة الدولية القادمة للمناخ المنعقدة في مصر.

١٢. معظم هذه الدول لم تعلن عن مناطق صيد الأسماك ولا مناطق اقتصادية خالصة، الأمر الذي لا يعطي إحصاءات حقيقية حول الصيد، وكذلك السماح للسفن البحرية بصيد الأسماك النادرة، ما أدى إلى أضرار بالغة باقتصاد دول الإقليم وبخطتها لحفظ الثروة البحرية.

١٣. على هذه الدول التأكيد على الأحكام الدولية اللاحقة أو السابقة في حال نشوب خلاف حدودي بينها، كالذي أعلنت عنه محكمة التحكيم المشكلة للفصل في مسألة السيادة اقليمية للجزر الواقعة في البحر الأحمر وترسيم خط الحدود البحرية الدولية بين اليمن وإريتريا في ديسمبر ١٩٩٩م بلندن.


١٤. ينبغي التأكيد على أن حكومة السودان ممثلة في هذه القمة بحكم الأمر الواقع، وأن من يمثلها هم قيادة سلطة انقلبت على الحكم في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، ومجمدة العضوية في الاتحاد الإفريقي ولا تحظى بقبول الشعب السوداني، الأمر الذي يتطلب دعم تلك الدول لاستقرار السودان واستعادة الاستقرار فيه وفي اليمن السعيد.


٨ سبتمبر ٢٠٢٢م 


الأربعاء، 7 سبتمبر 2022

كلنا لإغاثة السودان

كلنا لإغاثة السودان


● تنبه إدارة الإرصاد لارتفاع معدل خطر الفيضان في عدد من المحابس، ولن يزول هذا التهديد طوال موسم الفيضان، وكذلك نذر عدد من التقارير المحلية والاقليمية والدولية بخطر يلوح في الأفق وهو خطر المجاعة، واجبنا أن نعلي درجة اهتمامنا ببني جنسنا لكوننا من ذرية آدم عليه السلام، ونستعد لحماية أهلنا في كل ربوع السودان ولو استطعنا لكل منكوب قال : (يا أبو مرووه)

● إن أهم عمل يمكن أن يقوم به المرء والمجتمعات والكيانات السودانية هو تقديم العون و الإغاثة في حالات الطوارئ، وعند الإصلاح والتعمير والوقاية في أعقاب الكارثة الناجمة عن أمطار وفيضانات وسيول هذا العام والتي عصفت بعدد من الولايات والمناطق.


● إن ما يبذله شعب هذه البلاد وشبابها وخيريها وأطباءها ومحسنيها وقادتها الأهليين والأحزاب وتنسيقيات لجان المقاومة من جهود واسعة النطاق في مجالي الإغاثة وتقديم المساعدات الإنسانية للتخفيف من معاناة ضحايا الكارثة وتلبية احتياجاتهم الملحة، أمر يجعل الأنسان يزهو بأنه من شعب كالبنيان المرصوص ومن أمة كالجسد الواحد.

● نعم؛ هناك أيادي كثيرة امتدت بالخير يشكر أصحابها، فقد جاء في الأثر: « لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ». ولكني أردد: " ما حك جلدك مثل ظفرك"، و "ما علم بما في الدار إلا أصحابها"، و "أهل مكة أدرى بشعابها"، ولا زالت الحاجة الماسة إلى تقديم المساعدة الإنسانية وخدمات الصحية والبيئية والمزيد من الإغاثة والشروع في الخطيط لجبر الأضرار والمواساة والتعمير لما دمرته هذه الكارثة.

● وستظل (إغاثة الملهوف) و(فزع البقول يا أبو مروه) هي أرسخ عادتنا وتقاليدنا التي يجب أن نعض عليها بالنواجز وأن تنخرط المؤسسات التربوية والتعليمية في حث التلاميذ والأطفال والطلاب على تقاسم اللقمة والكراس واللباس والقلم مع إخوتهم، فسمتنا الموروث أننا: ((سريعين عن الفزع قليلين عن الطمع))، والإغاثة هي الأمر الوحيد الذي لا يُحتقر فمن يعلم غدا أين نكون وعلى أي حال وبأي كيف؟؟!!.

● نحن جزء من منظومة كونية تحتاج النجدة، ومخاطر البشرية لن تنته بعد فهذا الإنسان يصر على تدمير الكوكب ويستكبر استكبارا، وكذلك الرغبات في الحياة لن تتوقف فقد خلق هلوعا طماعا جزوعا، لذلك ستستمر نداءات الإغاثة بشتى الطرق، ففي نهاية المطاف الكل يرجو النجاة، والمصاب يمني نفسه بخلاص الروح، وصاحب اليد العليا يريد صفاء الضمير بأنه لم يقصر.

● لذلك نحن في حالة طواريء دائمة تستوجب استمرار الإغاثة والإنعاش المستمر للمنكوبين عند الصدمات، وتجنب تسييس أعمالنا الإنسانية، صونا لكرامة أهلنا وحفظا لعزة أنفس نعلم أنها تبيت (القوا) ولا تشتكي الجوع، وتؤثر اللقمة على نفسها وتطعمها لغيرها وتحرم نفسها، وإكراما لكرماء متعففون رغم فقرهم لا يأكلون الصدقات والزكاة.

● كما يُرجى أن نضع في الحسبان احتياجات أطفالنا حديثي الولادة والرضع وأصحاب زمانة المرض وأن نوفر لهم كل ما من شأنه أن يسد جوعتهم ويداوي مصابهم ويواري عراهم، كما أن لأمهاتهم وأخواتنا إحتياجات خاصة يجب أن تكون في سقف أولوياتنا.

● كما على الشباب في كل الأماكن والمهن والتخصصات التطوع لصون تلك الإغاثات وحماية طواقم العملية الإنسانية الإغاثية وتيسير سبل وصولها للمستحقين، وردع كل من تسول له نفسه المساس بها أو تبديدها أو التلاعب فيها.

● وكذلك علينا مساعدة تلك الفرق للتخطيط السليم والمسح الحقيقي الذي ستسترشد به منظمات ودول ومانحون يريدون أن يمدوا أيادي العون أثناء الكارثة وبعدها، وألا ينحصر تقييمنا للأوضاع الآنية ف، فلا بد من وضع تصورات الغد الذي يحمل في طياته أمراض وأوبئة لا قدر الله، وهناك شبح مجاعة يلوح في أفق البلاد والقارة الإفريقية وعام دراسي جل مدارسه خارج الخدمة وتلاميذه ومعلماته وأساتذته منكوبون، منهم من فقد رفيقه ومنهم من فقد قلم التصحيح ومنهن من فقدت ثوبها الأبيض والطبشور.


● كما أن التقييم الفعلي والصادق والحقيقي والتقدير المالي بما يوازي العملات الأجنبية هو الأجدى لأن البلاد تشهد حالة تضخم وأي تقديرات بالعملات المحلية ستفقد قيمتها مع مرور الأيام، وهذا أمر يقتضي مواصلة جمع التبرعات واستقطاب التمويل لجهود الإغاثة، ومراحلها اللاحقة وأن تتجه المجموعات الكثيفة التي نشطت للدعم لتوحيد مسامماتها في صندوق موحد كصندوق درء الكوارث وتنقل بالعملات الصعبة حتى لا تفقد تلك الأموال قيمتها.

● وقع على عاتق أصحاب المحلات التجارية والمرافق العامة تبني صناديق دعم في مقارهم أو حتى إلصاق بعض المنشورات التي تنبه لضرورة التضامن مع ضحايا الكوارث.


● إن الأسافير تضج بالمواقع السياسية و الإعلانية والإخبارية والفنية والرياضية.. الخ، أرجو أن يضعوا جميعا السودان المنكوب نصب أعينهم ويذكروا بعضهم بالشأن الإنساني وبخاصة وسائل الاعلام والصحفيين الذين يقع على عاتقهم رفع درجة التنيه لما تمر به البلاد، كلنا لإغاثة بلدنا.

● ختاما: يراقب العالم وينتظر التقارير اليومية التي تأتي من مناطق منكوبة سواء كانت تلك التقارير حكومية أو شعبية أو عبر طواقم إعلامية دولية ومحلية وناشطي تواصل اجتماعي، فبالضرورة أن تنشط مجموعات صغيرة بصورة راتبة، وتعكف على كتابة تقارير عن الأوضاع والاحتياجات والأضرار وأنواعها ونشرها، خصوصا أن الرصد في وقت الفاجعة لا يكون دقيقا وقد تسقط الكثير من الأشياء وتضيع الكثير من المقتنيات والممتلكات والمواشي والأشجار والزروع والفسائل والتقاوي، وكل له قيمته.


حفظ الله سوداننا أرض أجدادنا ومنبت رزقنا



الثلاثاء، 6 سبتمبر 2022

البرهان: أبعد بالجيش عن السياسية

 

البرهان: أبعد بالجيش عن السياسة


 



·       مقولة الجنرال البرهان في احتفاله في عين المكان لواقعة كرري التاريخية بعد 124 عام تذكرني بحادثة تاريخية مماثلة عام 1823م حينما أعلن "جميس مونرو" أن أي تدخل من قوى خارجية في سياسة الأمريكيتين يُعد عملاً عدائياً، ولو أنه عاش اليوم لوجد أن الأمريكتين صارت دولا وولايات بعضها له سلطات فدرالية وعلاقات دولية منفصلة عن سياسات الدولة الأم، لعل البرهان حينما حذر الساسة وطالبهم بالبعد عن القوات المسلحة والدعم السريع كان ينظر تحت قدميه، ولو أنه فعل لوجد من بين الشهداء الأحياء من قال له أن الجيش الذي تحتفي بذكراه اليوم كان على قيادته مدنيون لم يتخرجوا من الكليات الحربية ولا الأكاديميات العسكرية والمعاهد الأمنية.

 

·       الجنرال البرهان كان يتحدث مع السياسيين بتلك النبرة المستفزة، في ذات اللحظة التي كانت تقف فيها السيدة ليز تروس أمام ملكة المملكة المتحدة لتعميدها كرئيسة وزراء لتقود أعرق جيوش العالم وهي رئيسة منتخبة لأقدم الأحزاب السياسية في العالم.

 

 

·       على الجنرال أن يتذكر أن هنالك جيشا ظل متواجدا منذ العام 1922م وخاض حربين عالميتين وهو الآن تحت إمرة مدنية ديمقراطية وهو الجيش الوطني المجري الملكي يتولى قيادته ويتحكمون في قراره 11 مدنيا من حزب فيدس-  الاتحاد المجري المدني ليجعلوا من دولتهم الوليدة عقب إنهيار الاتحاد السوفيتي دولة اقتصادية قوية مؤلة لتكون عضوا في حلف شمال الأطليسي "النيتو".

 

·        بل حتى الطاغية موسيليني الذي انقلب على السلطة في سبتمبر 1923م وأسس الحركة الفاشية الإيطالية وكان الناهي والآمر رئيسا للدولة ورئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية والدفاع والخارجية انتهى به المطاف معلقا من رجليه على أيدي المقاومين، لتستحيل إيطاليا من بعده إلى دولة ديمقراطية يرأسها اليوم مدنيون من الساسة يقفون على رأس قواتها النظامية.

 

 

·       حينما اندلعت الحرب في عام 1946م وعندما اختفى أنصار جيش التحرير الشعبي السابق وكانوا تحت سيطرة الحزب الشيوعي اليوناني وقاموا بتنظيم الجيش الديمقراطي. ونظموا كفاحه المسلح لمدة ثلاث سنوات (1946-1949)، وتأرجح الحكم في اليونان إلى أن تولى الجيش السلطة في 1967م، ها نحن نشهد اليوم الجيش اليوناني يخضع للسلطة المدنية.

 

·       وقد ظل تطلع العسكر للسلطة في نيجيريا مستمرا إلى أن استقر الأمر في أبريل 2007، حينما نظمت نيجيريا انتخاباتها الوطنية الثالثة، فعززت بذلك التحول من حكم الجيش إلى حكم ديمقراطي انطلق في عام 1999م.

 

 

·       ولو قرأ الجنرال التاريخ جيدا، لوجد أن أزمات أقل حدة من التي تشهدها الخرطوم اليوم  كانت لتدفع بالمؤسسة العسكرية إلى المسرح السياسي، كما حدث في أعوام1957م في السودان و1958م في باكستان، وكذلك عام 1969م الذي سلم فيه العسكري محمد أيوب خان بلاده للجيش أسوة بما فعله الأميرلاي عبد الله بك في السودان، الأمر الذي قاد لإنفصال بنجلاديش في 1971م، وصولا للعام 1977م، ثم العام 1999م، فلو أنه أمعن النظر ولوجد أن الجيش حكم بسياسة الأمر الواقع دولة مثل باكستان لسنوات بلغ مجموعها 33 عاماً منذ استقلال باكستان في عام 1947م، تجاوزناها نحن في السودان لتصل 52 عام من عمر استقلال السودان شارك الجنرال البرهان في 30 عام عسكرية متدرجا من وحدة إلى قطاع ألى إدارة وصولا لرئيس حزب بإحدى المحليات الولائية صعودا لرئيس مجلس عسكري ثم سيادي ثم قائدا لانقلاب آخر في 25 أكتوبر 2021م، ثم نجد أن باكستان قد رسخت الديمقراطية في أراضيها ونحن نبحث عن مجلس أعلى عسكري ليهمن على قرار البلاد والعباد.

 

·       وفي منطقة كالبوسنة والهيرسك بعد واقع عسكري دام ومستبد، نجد أنه أقرت دستوريا الجمعية الوطنية لجمهورية صربسكا مشروع قانون للإصلاح الدفاعي ينـص علـى إخضاع الجيش للسلطة المدنية للبوسنة والهرسك، بل حتى الدول التي تشظت من الاتحاد السوفيتي في 1989م وذاقت الأمرين جراء المحارق الستالينية والحروب النازية آلت إلى ديمقراطيات إما رئاسية أو برلمانية وأنظمة جمهورية تأتمر جيوشها بأمر السلطة المدنية من أكبرها كأوكرانيا إلى أصغرها كملدوفيا.

 

 

·       إلا أن الجنرال في حالة طموح جموح وجنون ويريد أن يتقمص وضعية تٍشبه ما كان عليه سلفه في المرحلة الثانية من ديكتاتوريته الجنرال ميغيل بريمو دي ريفيرا في إسبانيا، والمعروفة باسم الإدارة المدنية (1925م-1930م)، إلى أن أظهر العديد من الجنرالات وضباط الجيش خلافهم مع سياسة الحكم الدكتاتوري الأمر الذي اضطره للاستقالة والهروب إلى باريس ليتوفى بعدها بأيام قلائل، وها قد آلت اسبانيا لديمقراطية من أرسخ الأنظمة التي تأتمر فيها القوات المسلحة بأمر السلطة المدنية، وبالمناسبة أشبه الجنرالات بالبرهان شكلا وخلقا ومنطقا وقرارا فهو دي ريفيرا.

 

·       ويشبه هذا التشبث بالسلطة نموذج دويلة فيجي التي شهدت إنقلابين في العام 1987م ويشبه تصرف الجنرال برهان ما قام به القائد العسكري الأعلى الضابط البحري الكومودور فرانك باينيمارما الذي سطا على السلطة في العام 2000م، وخلف انقلابه عدد من الضحايا والدموية، الأمر الذي حدا بالمحكمة الدستورية في البلاد إصدار حكم في العام 2005م قضى بتعويض الضحايا ومساءلة الجناة، وهو ما قاد الكومودور للإنقلاب في 2006م على نفسه وحل المحكمة وتعزيز سطوته وبسط سلطته حتى يومنا هذا.

 

 

·       بل حتى إن دولة لاتينية كسورينام حينما أعيتها الدكتاتوريات والإنقلابات الشيوعية اتجهت نحو الممارسة الديمقراطية الأمر الذي أرغم رئيسها الحالي تشان سانتوخي للإنضمام إلى حزب الإصلاح القومي وهو الذي كان رئيسا للشرطة بالبلاد في العام 2005م، هذا يؤكد مقولة الراحل الإمام الصادق المهدي أنه من أراد ممارسة السياسة من العسكر فعليه التوجه نحو الأحزاب السياسية أو إنشاء حزبه.

 

·       أما جوارنا القريب فرغم ما قام به لوران كابيلا في 1997م وعزمه اقامة جيش من 600000 رجل، أي أكبر ست مرات من جيش سلفه، وعوضا عن تحسين أوضاع أمته من أمن ومعاش كرس فكره للقمع والعمليات الأمنية ليُغتال في 2001م، فقد أضعف الأمن بساساته الخاطئة وأربك حياة السكان كما كان الوضع أيام موبوتو سيسي سيكو الذي غير اسمه من جوزيف ديزيري موبوتو واسم دولته من الكنغو إلى زائير وهرب إلى المغرب، لتنهض من بعده الكونغو الديمقراطية وتصبح كنشاسا واحدة من الدول الديمقراطية في القارة السمراء ويحتكم جيشها للسلطة المدينة المنتخبة في 2018م، وفي الوقت نفسه انتظم المستشارون العسكريون في حلقة دراسية عن الجيش والديمقراطية مدتها خمسة أيام بحضور 200 مشارك من القوات المسلحة لأفريقيا الوسطى، ونظمت الرابطة النيجيرية للدفاع عن حقوق الإنسان، ولجنة الجيش والديمقراطية، والمعهد الدانمركي لحقوق الإنسان فعالية لتدريب الجيش النيجيري.

 

 

·       .حينما ذكرت الجنرال البرهان بأن مصير من يتصدى لإرادة الشعب سيكون مصيره الجلوس مع المخلوع في سجن كوبر، فغضب وأرغى وأزبد وهدد وتوعد ولكني هذه المرة سأذكره بمصير الطغاة في المنطقة ممن يريدون الهيمنة على مقاليد الأمور والتلاعب على مصائر الشعوب، وكثيرة هي الأمثال نضربها للناس، كعيدي أمين والقذافي وبن علي وشارس تايلو، ونماذج مؤلمة كمصير كابيلا، فبعد إرغام العسكر الراحل كومبا يالا إمبالو (محمد يالا) على تسليم السلطة بعد انتخابه رحمه الله بثلاث سنوات عام 2003م، تواصلت حلقة الإنقلابات في غينيا- بيساو حتى استقرت على آخر محاولة فاشلة في 2022م، ضد الجنرال المتقاعد عمر سيسيكو إمبالو الذي نجا من محاولة تصفية وإنقلاب عليه من زملائه العسكريين، في نهاية الأمر استعان هذا الجنرال بمحلس وزرائه المدني والبعثة الأممية المدنية  وانخرط في اجتماع مطول مع رئيس أركان القوات المسلحة في غينيا - بيساو، قدم من خلاله رئيس الأركان تأكيدات بعدم التدخل في العملية السياسية ما حظي بترحيب وإشادة  البعثة،  أي أن العسكر لا يأمنون أنفسهم ولا بوائقهم، وحينما يتم التضييق عليهم يلجؤون للمدنيين لاستنقاذهم كما فعل البرهان بجماعة القصر،  وهذا ما يفسر تغيير الجنرالات في خواتيم أيامهم لهيئة ورئاسة الأركان في القوات المسلحة وتبديل حلفائهم المدنيين.

 

·       وقد شاهدنا وقرأنا في صفحات التاريخ أنه عند سقوط هذه الأنظمة الدكتاتورية، قررت بعض البلدان مقاضاة مسؤولين حكوميين سابقين وجنرالات وضباط في الشرطة والجيش، استنادا على مضابط ومحاضر وإرشيف تلك المؤسسات النظامية،  وهو ما لن يمكن أيا ممن أذنب في حق الشعوب الفرار من العدالة ولو بعد حين.

 

 

·       كما أن استهانة جنرالات الأنظمة الدكتاتورية بالسلطة المدنية يسهم في تدخلات غاية في الخطورة من مجلس الأمن، وسينظر المجلس على وجه الاستعجال في الخيارات المتعلقة بالتدخل الدولي، بما في ذلك إيفاد قوة دولية دعما للتسوية السياسية، وفقا لميثاق الأمم المتحدة الذي سيتدخل بموجب الفصل السابع ويرسل بعثته ويطلب منها أن تواصل تنفيذ ولايتها بالكامل وبجميع صلاحياتها وجوانبها الإدارية والفنية والأمنية والعسكرية، وبخاصة ما تتخذه من إجراءات قوية لحماية المدنيين المعرضين للخطر وردع أي محاولة من جانب أي جماعة مسلحة تسعى إلى النيل من العملية السياسية، ولك أن تتخيل ما يقوم به البرهان ويقود إليه البلاد. كما سيجبر المجلس السلطة أن توقف فورا جميع الأعمال العدائية، وإيقاف الانتهاكات، وأن تنبذ استخدام القوة، وأن تدخل دون إبطاء في حوار سياسي يرمي للتوصل إلى مصالحة وطنية شاملة وإقامة حكومة تستند إلى تأييد واسع من شعب السودان بذات النموذج المعمول به في ليبيا الآن وأفغانستان من قبل.

 

·       وما نراه من الممارسة التي تلجأ إليها بعض البلدان الكبرى في استخدام الضغوط السياسية والجزاءات الاقتصادية وحتى الغزو المسلح للتدخل في شؤون دولة أخرى أقل حجماً برغم أنه يعد انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة وللحق في تقرير المصير إلا أن سفور العدوان الداخلي من الجيوش والأنظمة القمعية على شعوبها يبرر ذلك التدخل الذي سيمزق البلاد ويشرد مواطنيها ليصبحوا طرداء في المهاجر، أو كما قال أحمد مطر: لم يتسلل اليهود إلينا من حدودنا وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا. وهكذا أدى استمرار انعدام السيطرة والرقابة المدنيتين على القوات المسلحة إلى تدخل الجيش بصورة سافرة ومنهجية في العملية السياسية وفي إدارة مؤسسات الدولة، وعززوا بذلك العمل السياسي والدعاية داخل القوات المسلحة حتى صارت صحيفة القوات المسلحة نسخة من صحائف الحزب الحاكم للرئيس المخلوع.

 

 

·       نعم، يحق لأفراد القوات المسلحة المشاركة في النشاطات السياسية والانتماء إلى الأحزاب السياسية، ولكن ليس في سني الخدمة، فالأحزاب هي التي يقع على عاتقها إقرار سياسة المحافظة على أمن وسلامة وتأهيل وتدريب القوات المسلحة، على أن تلتزم بالحياد فيما يتعلق بالمسائل السياسية وتخضع للسيطرة المدنية والديمقراطية وضرورة تعزيز الرقابة الديمقراطية على قطاعات الدفاع والأمن.

 

·       ونعلم جيدا الحالة الجديدة التي تتلبس سدنة الإنقلاب للحيلولة دون أيلولة الجيش للسطة الديمقراطية، تلك الحالة التي استشاط فيها صغار الدكتاتوريين غضبا جراء تصريحات الجنرالات بضرورة خروج العسكر من السياسة، وهي تعتبر أهم الخطوات التي ينبغي اتخاذها فعليا اليوم قبل الغد لإيجاد حل وتتطلب اتخاذ إجراءات محدد تجبر الطغاة والجيش على التنحي عن السلطة وتبطل إجراءات وقرارات الإنقلاب، وهو الأمر الذي يزعج وكلاء الإنقلاب ويجعلهم يمعنون في تحريض العسر على التشبث بالمقاعد لحمايتهم وصون مصالحهم ومنع مساءلتهم.

 

·       كما أن محاولات الجنرال اليائسة لتغطية الخلاف بين العسكر (الجيش والدعم السريع)، خلال كلمته تكذبها حقائق ملموسة ومنظورة، وقد رأى الجميع تململ التحركات الثنائية المتوازية المطردة المضطربة بين القادة، وتاب الجميع تشويش قوات المدرعات للدرجة التي جعلت الجنرال برهان يهرع لزيارة السلاح وتفقد وحداته، كما نرى ونسمع الصراع مع سلاح المدفعية وسلاح الأسلحة وضباط الطيران وغيره من الأسلحة بسبب الخلاف الشديد على الإحالات والترقيات التي تمت بالصورة الأخير والتي فيها ما فيها من الأقاويل (وتجاوز أسس المهنية والجدارة والإنضباط).

 

 

·       وتظل محاولاته تصوير أن هناك عداء بين الساسة والجيش فهو تدليس وتضليل، لأن الشعب الساسة فتحوا الآفاق ليتعامل الجيش السوداني مع رصفائه، في الوقت الذي كان يتعامل فيه الجنرال البرهان مع جيش يسمي نفسه جيش الدفاع، لا يعترف بجيوش المنطقة ويسعى لتفكيكها لتتحول لسلطة عسكرية أو مليشيات قبلية أو طائفية، فقد عزز سياسيو الحكومة الانتقالية فرص التعاون الشامل مع دول أصدقاء السودان في شتى المجالات التقنية والتكنولوجية ورفعوا الحظر لتدفق للجيش قطع الغيار التي غابت عن البلاد لثلاثين عام.

 

·       ما يطمح له الساسة والمواطنون السودانيون هو أن يشهد الجيش السوداني زيادة في عدته وعتادة وعدد أفراده وقدراته وأن يتم دمج جميع الحركات المسلحة في جيش قومي مهني موحد، ويقينهم التام بأن أرسخ الديمقراطيات تحميها أعتى الجيوش، وأنه لاستدامة الديمقراطية تتزايد أهمية الجيش وضرورة تحديث أسلحته بسبب التطور السريع للتكنولوجيا الحديثة وحروب الجيل الخامس.

 

 

·       يريد  الساسة جيشا بعيدا عن الملاحقات الجنائية الدولية غير موصوم بانتهاكات في مواجهة شعبه يحترم السلام والحرية والعدالة ويحمي الديمقراطية والحكم الراشد وأن تشهد بلادنا أنشطة الندوة الدولية التي أقيمت في كوتونو عن "التحولات الديمقراطية والعنف المنظم في أفريقيا الغربية الناطقة بالفرنسية"، مع استعراض التجربة المالية في مجال: الجيش وحقوق الإنسان منذ عام 1990 إلى يومنا هذا، وهذا لن يضطلع به العسكر وإنما الساسة.

 

ختاما: إن هذه الثورة واحدة من أكبر وأعظم ثورات القرن، إذ استمر النضال فيها زهاء الأربع سنوات ولا زال التدافع فيها مستمر لخلاص الوطن وطرد طائر الشؤم الإنقلابي، وقد وكانت مثخنة بالدم والدموع والعرق، وشهدت نزاعات متقطعة مؤلمة ودموية، كما شهدت اضطرابات سياسية وتدخلات إقليمية ودولية، وظلت مشاهد إنحياز شرفاء القوات المسلحة لصفوفها ماثلة للعيان وظلت مثار فخر واعتزاز وقد إتضح لنا ذلك اليوم أن الجيش وجد في هذا الوطن وولد أبناؤه هنا لكبح الدكتاتورية لا لترسيخها وسدانتها.

وحري بالجيش أن يسلم السلطة للشعب عندما ينتهك النظام الدكتاتوري العسكري حقوق الأنسان بصورة وحشية وبشكل خطير، وحينما يتلاعب الطاغوت بمصالح الأمة ويهدر كرامة مواطنيها، ومن الأهمية بمكان أن تلتزم القوات المسلحة والشرطة السودانية المهنية وتتحلى بالحياد وتبتعد عن الانحيازات السياسية في السياق الحالي حيث لأنها هي وحدها المؤسسات المطالبة في معظم الأوقات بالتدخل لحفظ الأمن وحماية المواطن لا البطش والتنكيل به وتعذيبه.

وسيظل واجب القوات المسلحة وقادتها تنفيذ السياسات والاستراتيجيات والبرامج المتصلة بالإعداد لصون سيادة البلاد وحماية مواطنيها ودستورها، ولمكافحة الأفراد المهددين للأمن القومي، وصد الاستخبارات التي صارت تدخل أنفها في الشأن السوداني نهارا جهار، وأن تقوم قيادة الجيش بالإشراف على العمليات الحربية والتنظيم والتدريب والخدمات اللوجستية وكل ما يندرج ضمن مسؤوليات هيئة الأركان.

وينبغي أن ينحصر دور الساسة في وضع السياسات العامة وتشريع القوانين واللوائح وإجازتها عبر مؤسسات الدولة، وأيضا إسداء النصح وتقديم الإرشادات إلى كل القوات المسلحة، النظامية وغير النظامية، بعدم التدخل في أنشطة الأحزاب السياسية لحين التقاعد وممارسة النشاط السياسي من خلالها أو تكوين أحزاب أخرى.

إلى ذلك الحين يجب أن يعلم القائد العام للقوات المسلحة للقوات المسلحة، أنه في منصب بوضع اليد وسياسة الأمر الواقع ومتى ما استقر النظام مدنيا في البلاد سيكون هذا المنصب ورئيس الأركان ووزا ة الدفاع ستخضع للتعيين من رئيس وزراء مدني بموافقة بموافقة السلطة التشريعية ويخضعوا جميعا للسلطة القضائية متجردين من أي انحياز أو انتماء لقبيلة أو جنس أو دين خالي الوفاض من أي ارتباط أجنبي ووصم بالعمالة والارتزاق والتجسس لدولة من الدول..

وسيتواصل دعمنا اللامحدود والمستمـــر للجيش ووحدته ورفضنا لكل الأسلحة خارج القانون والميليشيات والجماعات الإجرامية الأخرى، لئلا نوصم مستقبلا بأننا أبدنا شعبنا ببنادق جيشنا أو تسببنا في تهجير ونزوح ولجوء الملايين من أبناء جلدتنا من دافعي الضرائب لهذا الجيش.

وأهمس أخيرا في أذن الجنرالات بما قاله وزير الخارجية البريطاني: "فنزويلا تحتاج للديمقراطية وليس للجيش الروسي"، ونحن نحتاج الحكم المدني لا عصابات فاجنر. وحذاري أيها الجنرال أن تصدق مقولة الرئيس الأمريكي جون كيري: "الجيش المصري يستعيد الديمقراطية" فنرد ما وردوه.

 

انتهى

عروة الصادق

التاريخ: 7 سبتمبر 2022م.

المحطة: البقعة.

جرس .. انهيار التعليم في السودان

جرس .. إنهيار التعليم في السودان

• خلال الحملة الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2008م، ناقش الرئيس باراك أوباما القضايا التعليمية والعرقية مستخدما الأمومة كإطار لخطة عمله، بالإضافة لتناول قضايا كثيرة كمكافحة الإرهاب وخفض البطالة، ولكنه ظل يركز طوال حملته الانتخابية على ملف التعليم وبصورة أساسية،  مع العلم أن أوضاع التعليم في الولايات المتحدة تفوق تميز التعليم في أفضل الدول في منطقتنا ومحيطنا العربي والإفريقي، وهو الأمر الذي حدا بكثير من الجامعات والمؤسسات التعليمية الأمريكية الانخراط كمتطوعين في حملته ميدانيا وداعمين على الأسافير ، وهو الأمر الذي قاده إلى سدة حكم أعظم دولة.

• في الغرب وبصورة خاصة إذا ما نظرنا إلى جدول أعمال القمم الأوروبية التي انتظمت السنوات الخمس الماضية ظل يركز على أمن الطاقة، ومكافحة المرض، وتعزيز التعليم، ومكافحة الإرهاب، والمناخ، ومنع انتشار الأسلحة، والهجرة، وللمرة الأولى كان التعليم هو المسيطر على النقاشات العامة في ألمانيا، لا ضرائب أو القضايا أخرى، وقد كان التعليم هو مركز النقاش العام إلى أن جاءت أزمة الحرب الروسية الأوكرانية وحازت الإهتمام الأكبر.

• وتستضيف فرنسا بدورها المعهد الدولي للتخطيط التربوي في باريس والذي مهمته نشر الموارد الرئيسية لصياغة سياسات تعليمية ولاتخاذ القرارات المهمة في قضايا التعليم، والذي ظل يلاحق المؤسسات الفرنسية والأوروبية ودوائر القرار الدولي بضرورة إيلاء التعليم أقصى درجات الإهتمام وإقحامه كجند أهم ضمن أجندة تلك الدول.

• كما أن روسيا ظلت تولي التعليم الإهتمام الأقصى حتى في ظل ظروف الحرب الحالية بل لم تتأثر أوجه صرفها على التعليم وظلت تبث إعلانات ترويجية لتثبت أنها الوجهة الأفضل للتعليم وهي الشريك الأمثل والمناسب لكل من يرغب في التعليم من كل دول العالم.

• وفي المنطقة الأسيوية نجد أن دول كماليزيا نهضت بالتعليم وجودته، وقاد ذلك لمحاولات تقليدها من الفلبين واندنوسيا وغيره، ونجد في الصين التي تعد صاحبة أعلى كثافة سكانية ، أن التعليم في سقف أولوياتها وهي التي تستضيف أكبر المؤتمرات  التعليمية في العالم بصورة راتبة، كما ظلت الحكومات الهندية المتعاقبة تعمل بجد على قضايا مثل التعليم، الفقر، الرعاية الصحية و البيئة، ومثلت قضية التعليم أهم محاور مرشحي الانتخابات الهندية.

• أما في محيطينا الإفريقي والعربي فهناك نماذج تعليمية أوصلت مؤسساتها إلى قوائم التميز الإقليمي والدولي فدوننا رواندا التي خرجت من ركام الإبادة الجماعية وجنوب إفريقيا التي نهضت من قمقم الفصل العنصري، والخليج العربي الذي بدأ نهضته في منتصف سبعينيات القرن الماضي وأسهم سودانيون في تأسيس نماذجه التعليمية.

• وقد ارتفعت الأصوات الدولية المهتمة بالتعليم بصورة أقوى في الاجتماع العام رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة المخصص لمتابعة نتائج الدورة الاستثنائية المتعلقة بالأطفال، المعقودة في ديسمبر 2007م، والذي قدمت فيه عدد من المؤسسات بياناً تلقي فيه الضوء على قضايا التعليم، وإلزاميته للأطفال، واشتراك الأطفال في عملية التعليم، وصد العنف الموجَّه ضد الأطفال، إلا أن الأمر ظل يثار مرة تلو أخرى في كل دورة إنعقاد.

• وخلال السنوات الأخيرة وفي أروقة عدد من البرلمانات والمؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية والهيئات الإفريقية والعربية، سُلطت الأضواء على القضايا التي تهم الشعوب في ما يتعلق بالتمييز والعمالة والهجرة والإسكان إلى جانب قضايا التعليم والبيئة، وكثر الحديث عن ضرورة تحقيق مشاركة المجتمعات المحلية في قضايا التعليم، وتم التركيز على المجتمعات المتخلفة في أفريقيا جنوب الصحراء وفي بلدان عديدة أخرى، وسيما في المناطق النامية، وتم التأكيد على حقيقة أن قضايا التعليم والتدريب وصحة السكان الريفيين لم تنل اهتماما كافيا في تلك المناطق والدول.

• كما تم التسليم بأن قضايا السكان والتنمية، والتعليم والتدريب، والصحة، والتغذية، والبيئة، وتوفير المياه، والصرف الصحي، والإسكان والاتصالات، والعلم، والتكنولوجيا، وفرص العمل تمثِّل عناصر مهمة في القضاء بشكل فعال على الفقر في تلك المناطق وذلك ما يرفع قدرات الشباب ويمهد سبيل النهوض بالفتيات والنساء وتمكينهن.

• وانعقدت مئات المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية وناقش الكثير من ممثلي الشعوب والسكان الأصليين قضايا التعليم التي كان من بينها: "سوء البني التحتية، وانهيار مثلث العملية التعليمية (المنهج، المعلم، المتعلم)، ورداءة السياسات الحكومية التعلمية، وشح التمويل الحكومي والدولي"، الأمر الذي أدى لضعف معدلات البقاء في المدارس، وقاد لازدياد نسبة التسرب للتلاميذ، وتدني مستويات التحصيل الأكاديمي، وتراجع نسبة التخرج في المراحل التعليمية الأولية (الإلزامية)، وتبعا لذلك اعتُبرت قضايا التعليم، والماء، والتنمية الاقتصادية المحلية من بين الأولويات الرئيسية.


• وظلت الإشارة حاضرة في تلك المؤتمرات للمجتمعات المتضررة من النزوح واللجوء جراء  الحروب والنزاعات والأزمات والكوارث الإنسانية والطبيعية، وتم التشديد على ضرورة توفير التعليم لتلك القطاعات المتأثرة، والتوصية الملحة على حماية الأطفال، وظلت تلك البلدان تعمل على تعزيز سبل الربط بين قضايا التعليم والحماية، وقد استندت في توصياتها على رصيد ذاخر من المعاهدات والاتفاقيات والصكوك الدولية التي تؤكد على ضرورة ذلك والواردة نصا في كل من الآتي:

1. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( 1948م ، المادة 26).
2. اتفاقية حقوق الطفل ( 1989م).
3. الاتفاقية المتعلقة بوضع اللاجئين ( 1951م ، المادة 22).
4. العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966م).
5. البند الخاص بشأن الاعتراف بالحق في التعليم في حالات الطوارئ ( 2010 / قرار 290 ) الجمعية العامة للأمم المتحدة (64).
6. هدف التنمية المستدامة رقم (4).
7. إعلان إنتشيون: التعليم 2030م.
8. المعايير الدنيا للتعليم للشبكة المشتركة بين الوكالات للتعليم في حالات الطوارئ 2016م.
9. استراتيجية المفوضية التعليمية 2012م.
10. وغيرها من المواثيق والاتفاقيات والعهود التي تناولت مجات التعاون بين المنظمات والدول في قضايا التعليم الأولي، والبيئة، وقضايا السكان، وتنمية الموارد البشرية في المناطق الريفية، وبرامج الإصلاح المؤسسي.

● ما دفعني لتناول الموضوع: 
• رغم كل هذه الجهود الإقليمية والدولية الممتازة نظريا، إلا أن الأوضاع التعليمية في بلداننا العربية والإفريقية وخصوصا السودان تغاير تماما التوجه الدولي والإقليمي وتدابره، ويشهد السودان هذه السنة ما يمكن تسميته بعام (الرمادة التعليمية)، إذ تأثرت العملية التعليمية في السودان في كل مستوياتها الأساسية والعامة والمتوسطة والعليا قد تؤدي تلك التأثيرات لإنهيار المنظومة التعليمية في البلاد ما لم يتم تداركها.

• وبالإمكان حشد هذه المقالة بحيثيات وبيانات وأعداد وتقارير وأرقام مفزعة عن أوضاع التعليم في السودان، من التي عكفت على إعدادها حكومة الأمر الواقع بعد (انقلاب 25 أكتوبر 2021م)، وتقارير منظمات كاليونيسكو ووكالات الغوث الإقليمية والدولية، ولكنني سأمضي قدما لأسهم بما أعلمه لتدارك إنهيار التعليم في السودان.

• وقد قمت بذلك لطغيان الشأن السياسي على القضايا الأخرى ولأن القليل جداً من الناس يُبدون انتباهاً لقضايا التعليم، والتي من شأنها أن تُقوِّض حلم أرض التعليم الموعودة لكل طفل في العالم التي كان ينشدها الفلاسفة منذ ستينيات القرن الماضي، وكذلك لتزايد آراء الخبراء الاقتصاديين المختصين في مجال التنمية كدكتور إبراهيم البدوي، والذين أكدوا أن الاقتصاد وحده لا يمكنه معالجة أزمات البلاد، فالعلاج لمتلازمة التخلف التنموي والإنهيار الاقتصادي مدخله اتجاهين هما الفعالية السياسية، وتوفير التعليم.

• بالإضافة لأن القضايا الحكومية والسياسية تمثل غالبية الأخبار الرائجة في وسائل الإعلام، ونسبة تقل عن ثلث الصحفيين ووسائل الإعلام يقومون بتغطية قضايا التعليم، الصحة، الاقتصاد والبيئة. في ظل واقع هيمنت عليه قضايا ثنائيات الموضة والحشمة، والفن والدعاة، الاستلاب والانكفاء، وغاب الاهتمام بحياة الإنسان وقضاياه الحقيقية كتعليم الأطفال، ورعاية الرُضّع الذين يعانون من نقص غذائي حاد فصلته في مقال سابق.

● رأيي:
عليه أرى من الضرورة بمكان الإسراع لتصميم برنامج طوارئ تعليمية، كالطواريء الأمنية والإقتصادية والصحية التي كونت لها لجان، يسهل هذا البرنامج الحصول على التعليم ويحافظ على البنية التعليمية الموجدة لمنعها من الأنهيار، ويقوم ذلك البرنامج على الآتي:
1. تبني إحدى الصروح التعليمية والتربوية والأحزاب السياسية والقوى الإجتماعية ورجال الأعمال والقوى المدنية والقطاعات المهنية والفئوية إنعقاد مؤتمر للطواريء التعليمية ليستوعب جميع وجهات النظر المتعددة، ويشمل كافة الجهات والكيانات والثقافات ويلخص رؤاها في القضايا التعليمية ويمكن تلك المجتمعات من تبادل الخبرات الشخصية/ الجماعية المتحصل عليها من تلك البيئات المختلفة.
2. يتبنى هؤلاء المؤتمرين برنامج عمل مدته عام دراسي لثمانية أشهر ويمولوه كما تم تمويل الطوارئ الصحية، يشمل المعلمين والطلاب وخريجي كليات التربية، في هذا البرنامج يتدرب هؤلاء على استراتيجيات فعالة لإدارة العملية التعليمية.
3. العمل على حشد كل الطاقات التعليمية والخبرات الأكاديمية في هذا المجال فأساتذتنا السودانيون خبراء ويحملون شهادات من مؤسسات مرموقة وقد استفادوا من فهم أوسع للقضايا التعليمية من مختلف أركان المعمورة، ولأن الحاجة ملحة لعقد حلقات عمل دولية منتظمة حول قضايا التعليم، تهدف لمعالجة ما نحن فيه ومن جانب آخر تحقق تدريب الأخصائيين الوطنيين وتبادل أفضل الخبرات في هذا المجال.
4. التركيز على الدور الإقليمي والدولي وتأثيره ودعمه للقضايا التعليمية الوطنية والدولية، والتحدث معهم بإلحاح وبصورة مستمرة لتبني موقف جاد تجاه القضايا التعليمية والتدريب، فالحاجة ماسة إلى توثيق التعاون الإقليمي في تلك القضايا.
5. حث الجهات المعنية بتعليم الطفل، سواء كان ذلك في الوزارات الاتحادية أو الولائية، بالشروع الفوري في حملات للتوعية على أوسع نطاق بخطر إنهيار العملية التعلمية وإشراك المجتمعات المحلية والقادة التقليديين للعمل بجد على قضايا التعليم المتصلة بالأطفال وبالأخص صغار البنات، وعمل نفير عام لصيانة المرافق التعليمية المتأثرة بالكوارث الطبيعية.
6. السعي الحثيث لتسهيل وصول التقنيات التعلمية التي تتبرع بها جهات خيرية إقليمية ودولية للمجتماعات الريفية لأنها الأسرع والأكثر كفاءة، والأدوات الأكثر إبهاراً للأطفال، والتي يمكنك امتلاكها بسهولة لسد الاحتياجات الأساسية في العملية التعليمية وفي الحياة بما فيها أدوات الصحة والبيئة.
7. على القطاعات النسوية والشبابية المختلفة أن تكرس نفسها لخدمة قضايا التعليم، والرفاه الاجتماعي، وإحداث تغييرات نوعية في القوانيين والخطط الخاصة بالتعليم بهدف تحقيق المساواة النوعية في الحصول على التعليم.
8. كل هذا يتطلب ضرورة العمل السياسي بجد لإنهاء حالة السيولة السياسية الحالية في البلاد، بما يمكن من استعادة العمل الذي أنجز على مدى سنوات الانتقال بقوة في قضايا التعليم والسلام واللاعنف، والمساواة في الحقوق والرعاية الجيدة لجميع الأطفال والشباب، والحفاظ على نسب التمويل التي أُقرت وقتئذ منم وزارة المالية وزيادتها باطراد للحاق بركب الأمم من حولنا.

● ختاما: واقعنا التعليمي في المنطقة والإقليم والسودان يحتاج إلى إنشاء مراكز البحوث التي تدرس قضايا التعليم وتدسها، وخلق فرص عملٍ مجزية وإنشاء رؤوس الأموال التي تدعم العملية التعليمة ، على أن تضطلع تلك المراكز برسم ثمّ تأييد السياسات التي تحض على التعليم في مجتمعاتنا، وهذا الأمر لا يقع على عاتق البلدان فقط بل ينبغي توسيع برامج الدعم والتدريب الداخلي في الدول التي ترعاها المنظمات غير الحكومية في الأمم المتحدة لفائدة الشابات والشباب من أجل التطوع والعمل على التوعية بقضايا التعليم وتكوين مراكز فدرالية ومحلية وريفية أكثر تأثيرا وفعالية.
وأن تقوم المنظمات الإقليمية والدولية مثل اليونسكو، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والاتحاد  الإفريقي، والمهتمين بالتعليم والبيئة والصحة في مجلس الوزراء العرب، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومنظمات أخرى بمساعدة المنطقة على معالجة قضايا التعليم.

● أخيرا: كل هذا سيكون هباء منثورا ما لم تضع الحكومة السودانية رؤية شاملة تراعي هذه الأبعاد الثلاثية وتضعها في الاعتبار المتمثلة قضايا: التعليم، والصحة، والأمن والسلامة العامة، وتضمنها كجزء أساسي من استراتيجية إنمائية قومية شاملة تغطي جميع هذه المجالات وترصد لها ما يكفي من الموازنة العامة للدولة.
___________________________
@orwaalsadig

الاثنين، 5 سبتمبر 2022

قرارات العون الإنساني الاستثمارية

قرارات العون الإنساني الاستثمارية

تمهيد:
1. تعد المنظمات غير الحكومية ووكالات الغوث والمنظمات غير الحكومية وجماعات العمل الطوعي عاملا مهما في الغوث الإنساني وتلعب دورًا رئيسيًا في التنمية الدولية والمساعدات والعمل الخيري ودرء الكوارث.
2. المتعارف عليه أن تكون المنظمات غير الحكومية غير ربحية ولكنها تدير ميزانيات بملايين الدولارات أو تصل إلى مليارات الدولارات كل عام، وفي السودان تتصرف تلك المنظمات في ما قيمته تتجاوز المليارات أو الترليونات من العملة المحلية.
3. تعتمد المنظمات غير الحكومية على مجموعة متنوعة من مصادر التمويل، من التبرعات الخاصة ورسوم العضوية إلى المنح الحكومية والدعم الإقليمي والدولي.
4. تعمل المنظمات غير الحكومية المدافعة كروافع اجتماعية و|نسانية وسياسية للضغط والتأثير على السياسة العامة للحكومة لحماية المواطن وصون مصالحه وتقديم العون له.
5. في السودان نشطت الكثير من الجماعات والمنظمات الطوعية المحلية والإقليمية والدولية وبعض المؤسسات المعروفة كالصليب والهلال الأحمر من شتى الدول، وقطر الخيرية، ومنظمة العفو الدولي، وأطباء بلا حدود، وصندوق إعانة المرضى الكويتي وغيره.
6. تجاوزت عدد من المنظات المحلية قوانين العمل الطوعي وبعضها كان ينشط في تعبة وتحشيد سياسي للحزب والحركة المحلولين وبعضها له صلات بغسل الأموال وتمويل الأنشطة المشبوهة وله صلات بمؤسسي تنظيم القاعدة ممن تورطوا في أحداث تفجير برج التجارة العالمي بأمريكا.
7. وبناء على تقارير فنية ومهنية اتخذت وزارة الرعاية الاجتماعية ومفوضية العون الإنساني قرارات ألغت بموجبها سجل عدد كبير من المنظمات ولكن لم تتبع المفوضية قراراتها بالتنفيذ، الأمر الذي حدا بحاملي مستندات تلك المنظمات تغيير أسماء المنظمات التي كانوا يزاولون أعمالهم عبرها ليأتوا بأسماء جديدة وصور مستحدثة.

• إلا أنه في سبتمبر الجاري اتخذت مفوضية العون الإنساني ووزارة الرعاية الاجتماعية قرارا بتوقيع المفوض العام للعون الإنساني بالسودان نجم الدين موسى عبد الكريم قضى بفك تجميد وإعادة سجل عشرات المنظمات التي أوقفتها المفوضية من قبل وحلتها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في الفترة الانتقالية، وهو ما يؤكد أن المفوضية قد اتخذت هذا القرار لأن القائمين عليها والوزارة متماهين تماما مع الانقلاب العسكري وينفذون أجندته وقراراته.

• اتخذوا هذا القرار وهم يعلمون تماما أن هذه المنظمات هي واجهات خفية للحزب والحركة المحلولين، وكذلك يعرفون أن هناك قوة ما منظمة، خفية، يقظة، مترابطة، متكاملة، و منتشرة إلى حد بعيد في كل أطراف السودان تنشط عبر هذه الواجهات، والتي تأثرت بقيام الثورة وحلها بواسطة المفوضية ومن ثم لجنة التفكيك التي عززت قرار المفوضية التي حلت تلك المنظمات ولم تتبع تنفيذ القرار ما اضطر اللجنة لمتابعة الأمر. 

• وكثير من هذه المنظمات لهم محاضر تحقيق توجب المساءلة القانونية والجنائية، وإذا قدر لجهة إعلامية مهتمة زيارة المفوضية وقراءة تقاريهم إن لم تباد، ستقرأ دورهم الخفي ونشاطهم الصوري الذي يسبين أنهم الأكثر تكاملاً مع الحزب والحركة وأن جزء كبير منهم عبارة عن لافتات وأختام وأرصدة بنكية بدون مجلس أمناء أو مكاتب تنفيذية أو جمعيات عمومية، والأمر الأخطر والأكبر أن تلك المنظمات كانت عبارة عن واجهات تحشيد للفقراء والمساكين في محافل الحزب من الذين يقدمون عبرها لطلب العون.

• ظلت هذه الوزارة طوال سني الإنقاذ ومعها المفوضية هما ذراع التنظيم الخفية والأمنية ومنهما كانت تتم عمليات التنسيب للأمن الشعبي وجل قادتها هربوا من البلاد بعيد ١١ إبرايل ٢٠١٩م أو أودعو السجن، لما لهم من ارتباطات وثيقة بهذا الملف الأمني بامتياز، تخدمهم في ذلك منظمات كالتي تم استعادتها، وقد أشرفت أمانة المنظمات في الحزب المحلول على تكوين عدد كبير من تلك المنظمات وكانت تصدر لها التوجيهات بناء على تكاليف تنظيمية خاصة بعد طرد المنظمات الدولية العاملة في دارفور والمنطقتين بواسطة المخلوع.

• الذي أستطيع فهمه أن هناك فيض من المساعدات الإنسانية والإغاثات يتدفق للسودان عقب الكوارث الإنسانية التي لحقت بولايات عديدة جراء الأمطار والسيول والفيضانات، وقد ظل موسم الفيضان والكوارث والأزمات هو موسم استثماري بامتياز لكثير من العاملين في هذه المنظمات، فهم يتخذون من تلك المحنة "منحة" لتحسين أحوالهم وتحويل ما يتدفق من أرصدة وإعانات لصالح جيوبهم وحساباتهم الشخصية.

• إن المسح الذي قامت به منظمات محلية وبعثات إقليمية ودولية للمنكوبين في السودان اتضح أن تقديرات خسائره تتجاوز مليارات الدولارات وهو ما يعني أن هناك مساعدات كثيفة وجسور إغاثية ستنتظم السودان، وهناك من أوحى لمفوض العون الإنساني للاستعانة بهؤلاء الخبراء والشركاء الاستراتيجيين في الغوث الإنساني المجربون قولا وفعلا.

• وقد دفعت كثير من الدول بطلائع وفرق مسح للوقوف على احتياج المواطنين في عدد من الولايات المنكوبة كقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات، وأطلق السفير القطري بالخرطوم نداء إنسانيا دوليا من ولاية كسلا وهو ما وجد استجابة كريمة من دول صديقة وشقيقة لقطر والسودان، وهذه الاستجابة تحتاج لسواعد مخلصة للوقوف والإشراف على مناولة الإغاثات للمنكوبين.

ختاما: إن ما قام به مفوض العون الإنساني هو تمكين لجماعات ظلت مرصودة في مضابط مفوضيته بمخالفاتها الإدارية وفسادها وتجنيبها لأموال الفقراء والمساكين وغوث المنكوبين، وإعادتها للعمل ومنحها حق التسجيل فيه تواطوء بين، سيجعل من حقل العمل الإنساني السوداني موطن شكوك وعدم ثقة، وقد رأينا كيف أرسلت تلك الدول فرق ميديانية للإشراف بنفسها على توزيع الغوث، وإعادة هذه الجماعات ستعزز من تلك الشكوك، وسيظل غياب الهياكل المنضبطة بالمفوضية والوزارة ورمادية الرؤية والبرامج والتخطيط واحدة من أسباب صدور مثل هذه القرارات المتخبطة التي تمكن هذه المجموعات والمنظمات وتستحضر للدولة وللإنسان السوداني أعداء خفيين من المستثمرين في الأزمات ومصاصي الدماء