الخميس، 12 فبراير 2026

إعادة إعمار الخرطوم- هل يستقيل الفريق جابر كما استقالت سلمى؟!

إعادة إعمار الخرطوم- هل يستقيل الفريق جابر كما استقالت سلمى؟!


عروة الصادق 

orwaalsadig@gmail.com


● المدينة التي خرجت من تحت الركام يخضبها الدم والدموع ويكسوها الفقر والجوع، تتقدم مشاريع الصيانة وإعادة التأهيل تحت إشراف سلطة أمر واقع يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان وأركان "قسمته" الضيزى، وفي قلب هذا المشهد يبرز اسم إبراهيم جابر كأحد أكثر الشخصيات حضوراً في ملف إعادة إعمار العاصمة.

أضحت الخرطوم اليوم ورشة مفتوحة، جسور، طرق، محطات مياه، شبكات كهرباء، مرافق حكومية، عقود تتداول بالملايين من الدولارات في بيئة تعاني شح النقد الأجنبي وانهيار العملة المحلية، هذا التناقض وحده يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الأرقام إلى بنية القرار ومنظومة التنفيذ.

بعد تناسل جماعات "اقتصاد الحرب" برزت جماعات اقتصاد الإعمار في ظل سلطة انتقالية لانقلاب أكتوبر ٢٠٢١م وحرب إبريل ٢٠٢٣م، سلطة بلا مؤسسات رقابية فاعلة، ولا مسؤولية محددة، انخرطت تلك الجماعات في اقتصاد إعادة الإعمار وهي عملية عادة تمر عبر ثلاث طبقات، قرار سياسي، عطاءات تنافسية، رقابة مالية مستقلة، في حالتنا السودانية يبدو المشهد مختلفاً، اللجنة العليا لإعادة تأهيل العاصمة أصبحت مركز ثقل مالي وتنفيذي في آن واحد، تركيز الصلاحيات داخل دائرة ضيقة يخلق بيئة مثالية لتغول شبكات المصالح، في ظل غياب برلمان معين أو منتخب أو جهاز رقابي مستقل بقدرة حقيقية على المراجعة تتحول ملفات الإعمار إلى ملفات مغلقة أمام الرأي العام، حجم التمويل المعلن محدود مقارنة بحجم الحركة المالية الفعلية في السوق الموازي.


و استشرت وانتشرت بالمقابل شبكة الوسطاء و"الجوكية" والمتنافسين في: "من يحرس بوابة المشروع؟"، وذلك في ظل اقتصاد يعاني تعدد أسعار الصرف ويتحول الدولار إلى سلعة بحد ذاته، كل عقد صيانة مسعّر بالدولار مثل صيدا ثمينا لهؤلاء عبر سلسلة تحويلات، تسويات، مقايضات، إعادة تقييم بالعملة المحلية، وقد ظهرت هنا فئة من الوسطاء يطلق عليهم بالسوداني "جوكية" وفي الأدبيات الاقتصادية "Gatekeepers"، أشخاص يتحكمون في الوصول إلى القرار، في منح التراخيص، في اعتماد المستخلصات المالية، في تسريع الدفعات، وجودهم مرتبط بالبرهان وشقيقه وأصدقائه وهو داء دائما ما يصيب الأنظمة ذات المركزية العالية، هذه الشبكات تنشط عبر شركات مسجلة حديثاً طُبخت أوامرها التأسيسية وسجلت في أضابير المسجل التجاري العام للجمهورية ، ونشطت في تأسيسها مكاتب استشارات هندسية مرتبطة بالنخبة السياسية التي تدير الحرب ظاهرا وباطنا، ويخدمهم سماسرة عملة في السوق الموازي، قنوات تحويل عبر تطبيقات مصرفية مثل "بنكك" التابع لـ بنك الخرطوم، تسييل المخصصات الدولارية  وبيع الذهب داخل اقتصاد محلي منهك ولّدوا برمشة عين أرباحاً استثنائية لكل من يتحكم في التوقيت والسعر وقنوات التحويل، وبأمره شخصيات.


نحن نستصغر حجم الأموال التي يتحدثزن عنها "١١- ١٢" مليون دولار مقارنة بحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في العاصمة الخرطوم تجاوز 60–80٪ من القدرة التشغيلية في قطاعات المياه والكهرباء والخدمات الحضرية، والتقدير الأولي لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية في المدينة يضع الرقم في حدود 300–350 مليون دولار كمرحلة إسعافية، بينما ارتفعت الكلفة الكلية لإعادة إعمار الخرطوم إلى نطاق يتراوح بين 100 و300 مليار دولار وفق تقديرات متباينة تشمل الطرق والجسور والمباني الحكومية وشبكات الصرف الصحي والاتصالات والمطار، وفي قطاع المياه وحده، تعرّضت محطات استراتيجية مثل محطة سوبا إلى أضرار واسعة، وتطلبت عمليات إعادة الضخ إدخال مضخات صناعية جديدة، تأهيل خطوط ناقلة بطول مئات الكيلومترات، استيراد محولات كهربائية، وأنظمة طاقة شمسية لتشغيل الآبار، ضمن تقديرات جزئية تشير إلى عشرات الملايين من الدولارات جميعها نفذها شخص واحد وليس شركة واحدة يشرف عليه إبراهيم جابر مباشرة.


وقطاع الكهرباء تكبد خسائر أولية قُدّرت بأكثر من مليار دولار تشمل محطات تحويل، كابلات ضغط عالٍ، شبكات توزيع داخل الأحياء، ومولدات احتياطية للمستشفيات. الطرق والجسور تحتاج إلى إعادة سفلتة مئات الكيلومترات وصيانة هياكل خرسانية متضررة، بعقود فردية تتراوح بين عدة ملايين إلى عشرات الملايين للدولار للمشروع الواحد، ما يعكس الفجوة بين التمويل المتاح وحجم الاحتياج الفعلي. في ظل تعدد أسعار الصرف وتذبذب قيمة الجنيه السوداني، فإن أي عقد مسعّر بالدولار يخضع عملياً لفارق تقييم قد يتجاوز 20–40٪ بين السعر الرسمي والسوق الموازي يذهب هذا الفارق والهدر إلى جيوب حفنة البرهان وجابر، وهو ما يضخم الكلفة الفعلية عند تسييل المبالغ داخل السوق المحلي. هذه الأرقام تعكس فجوة ضخمة بين الحاجة التمويلية والقدرة المؤسسية، وتبرز أهمية الشفافية في إدارة عقود الإعمار، ونشر تفاصيل المدخلات من معدات، مواد بناء، خدمات استشارية، أجور تشغيل، وكلف تحويلات مالية، لضمان حماية المال العام في مرحلة إعادة البناء.


هذا الأمر ليس عرضا طارئا ولا داء آني وإنها هو الإرث الثقيل من الحركة الإسلامية وتنظيمها المحلول وواجهاتها التي مكنها البرهان وعصابته من التحول إلى شبكات النفوذ الجديدة، وذلك لأن تفكيك دولة النظام السابق لم يكتمل، المؤتمر الوطني ترك خلفه شبكة اقتصادية ممتدة داخل القطاع المصرفي، الأراضي، المقاولات، شركات الخدمات، تجربة ثلاثة عقود من حكم المخلوع عمر البشير أنتجت طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة يجيدون العمل داخل اقتصاد الامتيازات والاحتكار، اليوم توفر إعادة الإعمار بيئة مشابهة، أموال عامة، عقود طارئة، شفافية محدودة، سوق عملة مضطرب، حاجة ملحّة للخدمات، وهو المناخ الذي مهد لتجدد الأدوار بأسماء مختلفة وأدوات حديثة علنية وخفية هذه المرة.


ولأن ملف العملة هو الحلقة الأكثر ريعية في هذه المعادلة والأكثر حساسية، لأن كل مشروع مسعّر بالدولار يعني سؤالاً بسيطاً، من يوفر الدولار، بأي سعر، وأين يُصرف الفارق، تعدد أسعار الصرف يخلق هامش ربح خفي بين السعر الرسمي والسوق الموازي، أي جهة تملك القدرة على الوصول المباشر إلى النقد الأجنبي تملك ميزة استثنائية في بيئة تضخمية، ورغم تضخم الكتلة النقدية بالعملة المحلية مقابل انكماش حاد في الاحتياطي الأجنبي، كل أعمال الصيانة تم تقديرها بالدولار وليس العملة الأجنبية، هذا الاختلال يفتح الباب أمام اقتصاد ظل موازٍ يتغذى على فروق الأسعار.


هذا يجعل ملف إعادة الإعمار في محك بين الضرورة والمساءلة، لأن لخرطوم تحتاج إلى المياه والمشافي والمدارس والكهرباء والطرق، ولكن السؤال الجوهري يتعلق بكيفية إدارة المال العام في ظرف سياسي استثنائي، لأن غياب الإفصاح التفصيلي عن أسماء الشركات المتعاقدة، هيكل الملكية، قيمة العقود الكاملة، آلية الطرح، تقارير المراجعة، يجعل الرأي العام يعتمد على التسريبات والانطباعات، في الدول التي لم تخرج من الحـ.ــرب بعد، ومعلوم أنه ترتبط أخطر مراحل الفساد بفترة ما بعد الحرب، تدفق الأموال يقابل مؤسسات ضعيفة، التاريخ الحديث في عدة دول أفريقية يقدم نماذج واضحة لذلك، يستلهم منها جابر وزمرته نماذجهم في التحويلات والتلاعب الشكلي والجوهري يشرف عليه وعلى عمليات الحماية التغطية والتعمية رأس مجلس السيادة شخصيا، يخمه في ذلك والي الخرطوم وبعض موظفيه ومدراء الشركات الذين ليس لديهم حسابات بنكية حتى ولكنهم يديرون عمليات استبدال العملة المحلية والدولار عبر حسابات أشقائهم وشقيقاتهم بأرقام فلكية خدمة للفريق إبراهيم جابر الذي يحاول منافسوه من صغار سماسرة حكومة الأمر الواقع تعريته.

● ختاما: إن إعادة إعمار الخرطوم تمثل اختباراً حقيقياً للسلطة الحالية، ولأنها عملية مستعجلة سبقت وقف الحرب وبرامج هدنة حقيقية سـ تستنزف خزينة الدولة وتثقل الحياة على كاهل المواطن، ومع ذلك طالما أصرت سلطة الأمر الواقع على المضي في هذه العملية الشائهة عليها إما أن تحول عملية إعادة الإعمار إلى مشروع وطني شفاف يخضع للرقابة والمساءلة، أو أن تصبح فرصة لإعادة تدوير شبكات النفوذ التي عرفها السودانيون طوال عقود، المعركة حول الخرطوم ليست فقط معركة خرسانة وحديد، إنها معركة إدارة المال العام في ظل سلطة انتقالية تواجه امتحان الثقة.


ولي عودة...