الاثنين، 26 يناير 2026

تحرير الخرطوم 1885م

تحرير الخرطوم 1885م

قراءة في القيادة والسيادة والشرعية التاريخية

عروة الصادق


orwaalsadig@gmail.com

إن تحرير الخرطوم في السادس والعشرين من يناير 1885م يمثّل لحظة تأسيسية في التاريخ السياسي السوداني، تجاوزت كونها واقعة عسكرية إلى كونها تحولًا بنيويًا في ميزان السلطة والشرعية والسيادة، وهذا الحدث أعاد تشكيل المجال السياسي السوداني، وأسقط نموذج الحكم الأجنبي المفروض، وفتح أفقًا جديدًا لفكرة الدولة الوطنية المنبثقة من الداخل الاجتماعي والثقافي.

القراءة العلمية لهذا الحدث تقتضي الابتعاد عن الانفعال الخطابي، والاقتراب من الوثائق، والسياق، ومنطق القرن التاسع عشر، ومعايير حرب المدن السائدة آنذاك، ضمن هذا الإطار، تتكشف تجربة بوصفها تجربة قيادة مركّبة، جمعت بين التعبئة الشعبية، والتنظيم السياسي، والانضباط العسكري، والإدارة المدنية بعد الحسم.

الخرطوم قبل التحرير كانت مدينة سلطة ومجال صراع، فقبل 1885م كانت مركزًا إداريًا وتجاريًا يخضع لسلطة تركية–مصرية مدعومة بالقوة البريطانية، والمدينة مثّلت عقدة حكم وجباية وتجارة، أكثر من كونها حاضرة وطنية بالمعنى الاجتماعي، والتركيبة السكانية غير المتجانسة، والنفوذ الاقتصادي للأجانب، والتفاوت الحاد في الثروة، كل ذلك خلق فجوة بنيوية بين السلطة وسكان البلاد.

هذا الواقع أنتج مناخًا سياسيًا هشًا، جعل المدينة معزولة اجتماعيًا عن محيطها السوداني الواسع، ومحاطة بحزام شعبي يرى فيها رمز السيطرة الأجنبية، لذلك جاء الحصار بوصفه أداة سياسية قبل كونه أداة عسكرية، استهدف إخضاع مركز الحكم دون تدمير المجتمع.


إن القيادة المهدية إماما وأمراء وقادة ومنطق القرار كانوا نموذجا للاتساق  والاتفاق؛ فقرار اقتحام الخرطوم صدر عن قيادة واعية بميزان الزمن الاستراتيجي، مع اقتراب حملة الإنقاذ البريطانية، واستنزاف قوات الحصار، وانهيار الأوضاع داخل المدينة، كلها عناصر فرضت الحسم، هذا القرار جاء عقب مسار طويل من الرسائل والعروض التي هدفت إلى التسليم الآمن وحقن الدماء، وهي موثقة في مراسلات الإمام المهدي مع الجنرال غردون.

هذا المسار يبرهن أن القيادة المهدية تعاملت مع القوة بوصفها خيارًا أخيرًا، مرتبطًا بمسؤولية سياسية وأخلاقية، ضمن معايير عصرها، وهذا الفهم يتعارض جذريًا مع سرديات الفوضى التي صاغتها الدعاية الإمبراطورية لاحقًا.


وفي يوم التحرير كان الحسم والانضباط الذي حاولت أقلام الدعاية الحربية تصويره كاستباحة، وفي فجر السادس والعشرين من يناير شهد انهيار الدفاعات نتيجة الإنهاك الطويل لحوالي 317 يوما، ودخول جحافل الأنصار عبر محاور متعددة، وهذه اللحظة، بطبيعتها، حملت توترًا عاليًا، كما هو شأن اقتحام المدن عبر التاريخ، غير أن الفارق الجوهري يكمن في انتقال القيادة السريع من الحسم إلى الضبط.

فجميع المنشورات الصادرة قبل الدخول وأثناءه وبعده تضمّنت تعليمات صريحة تتعلق بحماية المستسلمين، وصون البيوت المغلقة، وتحريم التعدي على النساء، وتحديد أسماء شخصيات محمية، وهذه النصوص المنشورة تشكّل سياسة عامة مكتوبة، وهي عنصر حاسم في التقييم العلمي لا التضليل المزاجي.


كما أن إدارة ما بعد التحرير تجلت بوضوح أن الدولة في لحظة التكوين؛ لأن ما تلا التحرير يكشف عن وعي مؤسسي مبكر، فقد تم تعيين أمناء لبيت المال، تنظيم الغنائم، رد الممتلكات، إنشاء آليات عقاب للتفلت، وإيواء الضعفاء، كلها إجراءات موثقة في مراسلات رسمية، وهذا السلوك يضع القيادة المهدية ضمن نمط الدول الناشئة التي تدرك خطورة الفوضى على شرعيتها.

ولئلا يفهم حديثنا تبريرا وإنكار حدوث بعض المخالفات، أقول: "أن العنف الذي وقع في الساعات الأولى لفتح الخرطوم جرى التعامل معه بوصفه انحرافًا يستوجب الردع، وليس ممارسة مقبولة، وهذا الفارق يميّز بين التحرير بوصفه فعلًا سياسيًا، والاستباحة بوصفها نمطًا مستدامًا.


إن تفكيك خطاب التشويه الإمبراطوري مهمة كل سوداني يرى في المهدية إرث يخصه؛ لأن تحرير الخرطوم ومصرع غردون شكّلا صدمة داخل بريطانيا، وهذه الصدمة تحوّلت إلى حملة خطابية هدفت إلى إعادة تشكيل الحدث في الوعي العام، تمهيدًا لإعادة الاحتلال لاحقًا، وهو ما تجلى في كتب الدعاية، والصحافة، والنصوص المحررة التي استخدمت لغة إثارية، وعمّمت حوادث محدودة، وأغفلت السياق والزمن بإيعاز من ونجت باشا وأذرع السلطة، ولكن عددا من المؤرخين البريطانيين اللاحقين أشاروا إلى هذا التلوين المتعمد، وأعادوا الاعتبار للوثائق الحقيقية المجردة، وهو ما يؤكد الرواية التحليلية التي ترى في تحرير الخرطوم فعل سيادة، لا انفلاتًا همجيًا.


وبوضه الإمام المهدي عليه السلام وقيادة الدولة وقتئذٍ في ميزان التاريخ، نجد أن الإنصاف التاريخي للإمام المهدي ومن معه يستند إلى أفعالهم، لا إلى الأسطرة، فالرجل قاد حركة امتلكت عمقًا اجتماعيًا واسعًا، وأدار انتقال السلطة، وفرض الانضباط، وسعى إلى تقليص كلفة العنف، وهذه المعايير تضعه ضمن قادة التحرر في القرن التاسع عشر، الذين واجهوا إمبراطوريات بموارد محدودة، واعتمدوا على الشرعية الشعبية والتنظيم، والهجوم عليه يستند غالبًا إلى إسقاطات زمنية، أو إلى مصادر دعائية، أو إلى قراءة مجتزأة للحدث، وغبائن أسرى وضباط مخابرات؛ لذلك التحليل المتكامل يعيد الميزان إلى موضعه الطبيعي.


وأقول: الدرس المستفاد أن تحرير الخرطوم يقدّم عبرًا تتجاوز الماضي:

  • السيادة تتحقق عبر القرار والتنفيذ والانضباط.

  • الشرعية الشعبية تمثّل ركيزة ردع داخلية.

  • العنف السياسي يفقد معناه فور غياب الهدف.

  • الذاكرة التاريخية غير المنضبطة تتحول إلى أداة صراع داخلي.

هذه الدروس مجتمعة تشكّل قاعدة معرفية لفهم مسار الدولة السودانية، وتمنح الحدث قيمته المستمرة.

ختاما: إن تحرير الخرطوم عام 1885م يقف في سجل التاريخ السوداني بوصفه لحظة سيادة مكتملة العناصر، فالحدث جمع بين القرار السياسي، والحسم العسكري، والإدارة المدنية، والشرعية الاجتماعية، ضمن هذا الميزان، يتأكد أن ما جرى كان تحريرًا مؤسسًا لدولة، وفق شروط عصره ومعاييره.

هذه القراءة لا تدافع، ولا تبرر، ولا تهاجم، إنها تزن الوقائع بميزان العلم، وتضع الرجل والحدث في موضعهما الصحيح داخل التاريخ الإنساني لتجارب التحرر.

الجمعة، 16 يناير 2026

`في ذكرى الإسراء والمعراج ٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ الموافق ١٦ يناير ٢٠٢٦م`

بسم الله الرحمن الرحيم
لـ "منصة تعليم وتزكية"

`في ذكرى الإسراء والمعراج ٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ الموافق ١٦ يناير ٢٠٢٦م`

✍.  عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
> الحمد لله الوالي الكريم الذي مجد ذاته قائلا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء : 1] والصلاة والسلام على المُسرى به حبيبنا محمد ﷺ وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، بعد؛؛

طُلب مني أن أعد كلمة إحياء لهذه الذكرى المعظمة فارتأيت أن أقدم هذه الكلمة المنظمة، وعددت محاورها لتخاطب الآتي:

● أولا: مشروعنا الفكري الذي ينبني على سهم الحبيب الإمام الصادق المهدي عليه الرضوان الاجتهادي الذي جعله بهذا الشكل النهضوي مرتكزا على رؤية ديناميكية متّصلة، لا تعتمد النص التقليدي الجامد فحسب، وإنما تضعه في حوار دائم مع الوحي والعقل والتجربة. فالإمام يرى أن الإسلام دينٌ “دين اجتهاد مستمر” يتفاعل فيه النصُّ المقدس مع روح العقل والخبرة الإنسانية، فالمعرفة الدينية عنده رباعية المصادر (الوحي والإلهام والعقل والتجربة)، والاعتراف بتعددها يخلق جسرًا بين ثوابت النص وروح العصر، وحين “ندرك هذه الحقيقة يزول النزاع الديني-العلماني” المتنازع على مصدر الحقيقة.
> من هذا المنطلق تُرفع الحرية الفكرية والاجتهادية، وتتجنب المواقف التقليدية الميؤوس منها، فالإمام يستلهم نموذج مدرسة أئمة الاجتهاد، فالتحرر من التقليد يعيد الحياة للعقل كما قال الجوزي: “في التقليد إبطال لمنفعة العقل”، وهذه الرؤية جدلية تجعل الدين حيوية فكرية مستمرة، تتيح الاجتهاد الشرعي وتربط النص بمقاصد الشريعة.

● ثانيًا: الدين جدلية تفاعل بين النص والعقل والتجربة
لا يرى الحبيب الامام عليه الرضوان أن الدين مجرّد مرجعية جامدة تنتهي مع التشريعات القديمة، وإنما منهج حواري حيّ، فهو يُشدّد على أن المعرفة الإسلامية لا تقتصر على النقل فقط، ولكنها تدمج نقل الوحي مع «ما يجده الإنسان بعقله وتجربته»، وبكلامه: “وسائل المعرفة الإنسانية أربعة هي: الوحي، والإلهام، والعقل، والتجربة”، وهذا التصور يكرّس التكامل بين حقيقتين: النصّ المقدس وَقوانينه، وما يرسمه الواقع والعلم.
إن إدراك هذه “الحقيقة التكامليّة” يعني زوال الصراع المتجذّر بين العلم والدين، فالإمام يرى أن النزاع بين المضمون القرآني والعلوم الطبيعية هو نزاع تعسّف فكري لا يصح، ونظراً لذلك فإن الإسلام «أوضح حقائق الغيب وأعطى شرعية للبرهان والتدبّر» كما أشار، قائلاً: “إذا أدركنا هذه الحقيقة يزول النزاع الديني العلماني”.
> هكذا، فإن أركان رؤيته الفكرية تقوم على الحوار الجدلي: يأخذ الدين بنصوصه الثابتة في العقائد (ما لا يقبل التأويلات المتناقضة)، ويسمح للعقل بالتنقيب في تلك النصوص بحسب مقتضيات الزمان والمكان، وفي هذا الإطار تتقدم قيم الاجتهاد والمناقشة العلميّة على الجمود والاتباع الأعمى، ما يفتح الباب أمام تشريعات تجديدية تحافظ على الثوابت وشروط العصر معاً.

● ثالثًا: تأصيل فكرة الإسراء والمعراج ومعانيها الإنسانية
في خطابه حول الإسراء والمعراج، أكّد دومًا الإمام الصادق المهدي أن الإيمان بالمناسبة واجبٌ ديني، لكن كيفية وقوعها مفتوحة للتأويل الاجتهادي، فالاحتفال يجمع ذكرى الإسراء والمعراج مع المولد والمناسبات الدينية، وقد قال: «بعض الناس يحسبون الديانة اتباع المنقول وحده، ولكن ديننا دين اجتهاد مستمر»، ثم بيّن أن الاعتقاد بالإسراء والمعراج “واجب، ولكن الكيفية هي التي يدخل فيها اجتهاد”.
فهمه للإسراء والمعراج يستقيم مع الوسطية الإسلامية؛ فهو «فهم روحاني منضبط» يحترم قيم الدين العقلية والطبيعية، واعتبر أن تجسيد الحدث لم يكن هدفاً في حد ذاته، ولكن المهم الفهم المقاصدي؛ إذ قال: “الفهم الروحاني المنضبط للإسراء والمعراج هو المناسب لوسطية الإسلام ويدعم نظرة تدرك أهمية قوانين الطبيعة وعطاء العقل”.
> بناءً على ذلك فإن مكانة الإسراء والمعراج في مشروعه النهضوي تمتد أبعد من كونه معجزة خارقة؛ فهو “وسيلة اتصال خاص بين عالم الغيب وعالم الشهادة” تضع الإيمان في عالم اليقين دون التخلي عن العقل، والشعور الإنساني المستخلص من ذلك الحدث هو الدعوة إلى اعتبار معجزات الرسالة مستمرة بأثرها الأخلاقي والثقافي (الإيمان الخالص، والوحدة الإنسانية، وفضائل العقل والتدبر) لا الوقوف عند الجانب العجائبي فقط.

● رابعا: المهدية وظيفة إحيائية لا حدث انتظاري
توافق هذه الذكرى ميلاد الامام المهدي عليه السلام وهنانجظ المهدية عند الإمام الصادق المهدي ليست حدثاً مسلَّماً بحد ذاته يختتم الزمان، وإنما وظيفة إحياء ديني للنص والروح الإسلامي. فرغم موقفه التاريخي تجاه المولد، نصّ الإمام على أن دعوة المهدية هي «مهمة إحياء الدين بخطاب روحي غيبي خاص»، وقد بيّن أن المهدية عند جده الإمام محمد المهدي بن عبد الله(عليه السلام) كانت “وظيفية، وهي وظيفة إحياء الدين”، وحرر نظرته للمهدية من كل القيود السنية والشيعية والصوفية والفلسفية، فبدلاً من أن تكون انتظاراً خالصاً، حوَّلها إلى “دعوة وظيفية متجددة مع الأيام” تأخذ الإسلام إلى عصره بروح المبادرة والاجتهاد.
> إن دستور المهدية الذي سار عليه الإمام المهدي (عليه السلام) يوضح هذا المعنى: “لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال” تعبير له هنا بعدٌ روحي وسياسي واجتماعي؛ فكل جيل مأمور بأن يؤصّل الدين تنازُلاً عن التكاليف الشكلية الجامدة، لذا فإن الخطاب المهدوي الوظيفي يركّز على قطعيات الوحي وثوابت العقيدة، مع إعادة فهم المعاملات والمعاهدات ومظاهر الدولة بما يخدم تنمية الأمة وتوطيد العدالة، ومن هذا المنطلق، فإن رؤية الدولة الراشدة تنبني على انسجام مبدأ الإمامة الروحية مع مقاصد الشريعة في حفظ الدين والعدل والوحدة، بعيداً عن التعصّب للمظاهر والشعائر دون فكر.

● خامسا: أزمة الأسرة السودانية: الزواج الميسر ومعالجة العطالة والسكن والعزوبية
ولأن هذا اليوم سن فيه الإمام عبد الرحمن طيب الله ثراه تيسير الزواج؛ رأى الإمام الصادق المهدي يتناول فيه الأمر من زاويته الاجتهادية فبين أن الأسرة هي نواة المجتمع، وأن السودان يواجه أزمات متشابكة تعيق استقرارها: العطالة (البطالة)، السكن (أزمة الإسكان)، والعزوبية، وفي عدد من المناسبات والاحتفالات دعا لـ”هجمة” شاملة على هذه المشكلات، فقد نبه إلى ضرورة تيسير الزواج واعتباره “الحلّ البديل للعلاقات غير الشرعية” في مواجهة انتشار العزوبية، واستشهد في ذلك بتراث المهدية، مشيراً إلى العادات التاريخية: «قال الراجز: (المهدي جا من دنقلا قال: الفتاة بقرش كامل، والعزبا بالفاتحة)».
من الناحية التشريعية، يطالب الخطاب الرشيد بإجراءات مدعومة قانونياً: تشريعات تشجع الزواج المُيسّر (كافتتاح مكاتب وساطة ودعم مالي للمقبلين)، وتقييد الأمر بضوابط رادعة تمنع زواج الطفلات، وتعديل القوانين المتعلقة بالسكن لتسهيل توفير مساكن الشباب، وتشريعات دعم المشاريع الاقتصادية لمكافحة البطالة،  أخلاقياً واجتماعياً، وظل يشدد على نبذ ثقافة الكسل والاعتماد على الزينة المالية المبالغ فيها، وحض على استثمار قيم التضامن والاعتماد المتبادل، وقد جسّد بذلك الخطاب الخطاب قيمة تواضع الإنفاق على المناسبات، إذ أشار إلى أن “الصرف على المناسبات يكون محدوداً وأي زيادة سفه يعاقب عليها الناس”.
> بإيجاز يسعى مشروعه عليه الرضوان إلى إعادة ترتيب أولويات المجتمع: تسهيل إنشاء الأسر  على الأسس السوية وتخفيف أعبائها المالية، وخلق حوافز عمل وإسكان، والعمل على ترسيخ العزلة الاجتماعية (العزوبية) بالرباط الشرعي؛ وكل ذلك ضمن رؤية أخلاقية توزّع الثروة، وتعزّز قيمة العمل، وتضع الإنسان في مركز اهتمام السياسات (كما في قوله: “ {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} [الإسراء : 13]” ضمن آيات الإسراء لتذكير البشرية بالقيمة المعنوية للفرد).

● سادسًا: الإسلام مرجعية عالمية للعدالة الدولية البديلة
يتوخّى الإمام الصادق المهدي من الإسلام إعادة تشكيل النظام العالمي نحو عدالة شاملة؛ فيرفض هيمنة العولمة القائمة على أقطاب قوة ضيقة، ويرفض وصفها بديلاً “عادلاً”، مشيراً إلى أن «العولمة، في ظروف التوزيع الحالي للقوى الاقتصادية والعسكرية، أدت إلى هيمنة أمريكية أو غربية»، لكنه يرى أيضاً أن توحّد العالم -إذا تجنّب هيمنة طرف- يُقْبَل بوصفه تمهيداً لعولمة حقيقية حميدة، ولهذا يعتبر أن “العالمية” في الإسلام تناسب دعايته الكونية، لأنها تعترف بالإنسانية كغاية في ذاتها وتقبل التعدّدية (الدينية والثقافية) وحرية الرأي والإيمان.
إن مركزية هذا المنظور في الرؤية المستقبلية تعني السعي إلى بناء سياسات خارجية تعتمد على ميثاق إسلامي عالمي لحقوق الإنسان يكفل: مبادئ العدل والمساواة والكرامة، فالإسلام، كما أوضح، قدّم للبشرية نظاماً عالميًا يكرِّم الإنسان (﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾)، ويؤسّس لتعددية ديمقراطية بين الأمم بدون إقصاء أو تمييز مبني على الدين أو العرق.
> وفي سياق الدولة السودانية المستقبلية، يُترجم ذلك إلى سياسة خارجية نشطة: دعم التضامن الإسلامي بين الأمم "نداء المهتدين"، ورعاية مبادرات العدالة الدولية (المحاكم، ومكافحة الفساد العالمي، وإصلاح المؤسسات الدولية وفق مبادئ الشريعة الحقة)، وتُضاف إليها تقوية التبادل الحضاري والثقافي وحوار الديانات "نداء الإيمانيين"، ومع كل أرجاء العالم على أسس الحوار العقلاني والقيم الإنسانية المشتركة "حوار الحضارات"، فالإمام يرى أن “خصوصية الإسلام ليست تعصبًا وإنما خصوصية تلبية موزونة لكل مطالب الإنسان” واحتياجاته العشر، وهذا يشمل العدالة الكونية التي لا تقوم على الغلبة بل على حجج مقبولة لدى كل ضمير إنساني.

● سابعًا: نحو الدولة السودانية الراشدة
بتجميع هذه الركائز، ترسم رؤية الإمام الصادق المهدي ملامح وثيقة مانيفستو مستقبلية للدولة السودانية الراشدة.، دولةٌ تنطلق من اعتناق “الإسلام كمنهج حياة” لا كسُلطة دينية فحسب، تتفاعل فكريًا مع الواقع وتسعى لابتكار تشريعات تلائم مقاصد الشريعة، وتقوم على إحياء قيم التضامن والعدل والشورى: مجتمع حيوي يعرف دينه بالوحي، ويطبقه بالعقل، ويجربه بواقعه.
في هذه الرؤية، تتعانق القيم الأخلاقية (التواضع في التكاليف، تشجيع العلوم، رعاية الأسرة، وإقرار حرية الضمير) مع الإجراءات التشريعية (تيسير الزواج، تأمين العمل والسكن، ودعم التعليم والإبداع)، ومعها تتبوأ الدولة موقعًا فاعلاً في نظام عالمي جديد، تبحث عن السلام والعدل في إطار عالمي تعدُّدي.

● ختامًا: إن مشروع الإمام المتجذّر في التراث والذي لا يعيقه الجمود، يشكّل خارطة طريق شاملة. فهو يستمد من الإسلام «معجزاته الدائمة» – من نصوص القرآن المجددة في ثناياها – روحًا فاعلة تُسعى بإيمانه المحّيي أن تعيد بناء الأمة السودانية على أسس العقل والشريعة والعمل الصالح، وهذه الوثيقة المستقبلية – مستوحاة من خطاب الإمام – تدعو إلى نهضة شاملة تجسّد الوسطية الإسلامية كمنهج عملي يُعلّق موازين حياة الشعب بين الشرع والإنسانية، بين السماء والأرض، فتولد من تفاعلها دولة سودانية راشدة.



- المراجع: الكلمات المقتبسة وردت في خطب وأبحاث الإمام الصادق المهدي، والتي تحدّث فيها عن أصول الاجتهاد في الدين، ومفاهيم الإسراء والمعراج، والمهدية الإحيائية، وقضايا الأسرة السودانية، وعالمية الإسلام.