الخميس، 23 ديسمبر 2021

افتقار القيادة يؤخرنا عن النصر ولكنه لن يثنينا

 افتقار القيادة يؤخرنا عن النصر ولكنه لن يثنينا


عروة الصادق 


مدخل: 

"قيل لي: إن هناك حاجة ماسة لقيادة ملهمة وحكيمة لهذا البلد الأمين، تتمتع بالقدرة والحكمة والإرادة".


مدخل ثاني:

"تأكد للجميع أن البلاد لم تدخل في أزمة قيادية لمكوناتها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية بل حتى الدينية كالتي دخلت فيها في هذه الأيام، وتجربتنا السودانية وتاريخنا (منذ عام 1956م) إلى يومنا هذا لم تعش ردة وركودا كالذي نشهده اليوم، فقادة الأمس رغم الاختلاف والتباين تمسكوا بموقفهم ضد الاستعمار والاستبداد وانحازوا إلى شعبهم في كل المراحل فاسقطوا الدكتاتوريات مجتمعين وصوتوا لطرد المستعمر من البلاد في الطور الاستقلالي (عام 1955م)".


أقول:

"يستثنى من هذا التعميم بالافتقار للقيادة كياني الشباب والطلاب في فترات مختلفة، سيما أيام العمل الطلابي، وكذلك الحركة النسوية التي اصطفت في مختلف الأزمنة لانتزاع حقوقها غلابا، كضمان التمثيل دستوريا وكفالة الحق بالنسب النسوية في القوائم الانتخابية ورفع درجة التمثيل في الأحزاب وإلغاء قوانين كانت تحط من قدر النساء، وتصميم حملات المناصرة للمرأة النازحة في دارفور والنيل الأزرق وجنوبكردفان، وآخرها الانتظام في طليعة مواكب الثورة السودانية وقدن كافة معاركها بجد واقتدار، ولم ينقطع دأبهن حتى ظهر ذلك التصدي جليا اليوم بعدد من أحياء العاصمة وهن يتصدين في موكب مهيب لمحاولات التخويف والارهاب لهن، عبر ممارسة التحرش والاغتصاب والتشوية الذي انتهجته الأنظمة الاستبدادية في مراحل مختلفة لكسر شوكتهن، وظهرت جليا وحدة القيادة النسوية في البلاد أكثر انسجاما واتساقا من كافة قيادات العمل العام، وهو أمر يوجب أن ينظر إليه بعين فاحصة للدراسة والاعتبار خصوصا في بلاد كالسودان لا يمكن أن تجد امرأتين يلبسن ثوبا سودانيا بلون أو تصميم واحد في عرس يضم الآلاف منهم، نعم فهن مميزات ومتفقات حتى في اختلافهن!!!".


وبينما الشوارع غارقة في زخم الثورة والرفض الدكتاتوري، وافق بعض السدنة الجدد، ولفيف من فلول النظام البائد على إنقلاب (25 ديسمبر 2021م)، وتزلفوا لقيادة الانقلاب مستغلين كافة السبل بما فيها "الخداع السياسي"، ومثلوا المرجعية السياسية السودانية للانقلاب والحاضنة الخفية لسلطته، وفي اعتقادي أن فكرة الاستبعاد للقوى السياسية وقوى المجتمع المدني لم تكن من بنات أفكار العسكر وإنما من وحي هؤلاء السدنة الجدد غروراً.


مثل هذا انعكاس للنقص والضيق البين في أفق هذه القوى والتي استخدمت لذلك لغة الردة الاجتماعية حيث الرجوع للقبيلة والطائقة والجهة هادمين سنوات عديدة من الاجتهاد لترسيخ الاعتراف بالتنوع الديني والاثني والتعددية الثقافية وهو الأمر الذي سيستدعي حتماً الآحادية الثقافية التي قسمت البلاد في 2011م.


وأكد الانقلابيون ومن زين لهم الاستيلاء على السلطة من استشاريين وخبراء استراتيجيين أن الخطة التي لا يعلمها الجميع – حتى السدنة الجدد- أن الإنفراد والآحادية، واحتكار السلطة والموارد، وتدجين الحياة السياسة والاجتماعية والثقافية، هذا هو رأي قيادة الانقلاب حتى الآن، وأنهم ليسوا على استعداد لفتح الباب لمن سواهم، أما من أدى لهم فروض الولاء والإذعان فهم منفتحون تمامًا نحوه، ومن خلال الرسائل التي نتلاقاها يوميا من رئيس الإنقلاب فهو يؤكد تماما الرسالة المستبطنة وأنهم يتمسكون علنًا بالمواقف القديمة التي أعلنوها عقب فض اعتصام القيادة العامة في 2019م، ويبذلون جهدهم لتحقيقها لصالحهم وحدهم لا شريك لهم.


في أواخر الشهر الماضي (نوفمبر 2021م) تم إبرام اتفاق سياسي ثنائي اصطلح عليه بالـ (برهامدوكي)، في الوقت الذي كان فيه الانقلاب يترنح على وشك السقوط والهزيمة، وقد تم الاطباق على قادته بموقف شعبي رافض داخليا، وتضييق إقليمي ودولي وصل حد الإدانات خارجيا، ولكن لتشويش في الرؤي أو لقصر نظر السيد رئيس الوزراء تم إرباك المشهد بذلك الاتفاق، للدرجة التي أصبحت فيها بعض تلك القوى الداخلية والخارجية لا تستطيع استبيان الموقف بصورة جلية،  تجلى ذلك التردد والارتباك في موقف بعض القوى السياسية والمدنية وممثل البعثة الدولية في الخرطوم.


تعين على القوى الثورية بمختلف مسمياتها المدنية والسياسية والمهنية والمقاومة اتخاذ مواقف متسقة ضد الانقلاب ولكنها مختلفة المنابر والمنصات، فقط تلتقي في الشارع والمواكب وهو ما استلزم توفير قيادة موحدة وبرؤى إيجابية في منبر واحد تسلك طريقا أوحدا، والتجربة الجديدة لـلحراك عقب 25 أكتوبر بينت أن الفرص الماثلة أكثر منها حتى قبل سقوط النظام الإنقلابي في 11 إبريل 2019م، ورأينا التعامل الجاد وبمسؤولية لمناهضة الإنقلاب في مدن العاصمة الثلاثة وكافة ولايات السودان اضطلعت به باقتدار لجان المقاومة، وكذلك في عدد من عواصم المهجر المختلفة ومثل موقف الجاليات واللاجئين السودانيين والسلك الدبلوماسي السوداني أقوى المواقف الخارجية وهو ما وحد مواقفنا للخارج وبانت لهم بذلك الاتساق التام.


الآن تزداد الحيرة وكثيرون يسألون: "ما السبيل للانتصار وهزيمة الانقلاب ونحن نواجه نظاما انقلابيا، وصلفا عسكريا، وتضييقا أمنيا قويًا في البلاد؟؟، وما العمل وهناك من  ينشط من الموالين له لتبخيس الحراك الثوري ولإعانتهم على هزيمة الثوار؟، وأجيب بالآتي:


1.  تظل الحقيقة التي لا مراء حولها أن هذا النظام الإنقلابي أضعف بمرات عديدة من نظام البشير الإخواني الذي سقط بشق الأنفس، وذلك لما يلي:

أ‌.  فلا وحدة تنظيمية لهذا الانقلاب، لأن الكيانات السياسية والاجتماعية التي تمالئه "لحم رأس"، وبعضها حديث تجربة تنظيمية وبعضها يفتقر لمفهوم التنظيم فلا مؤسسات ولا أسس ولا قيادة.

ب‌. ولا وحدة أيدولوجية له، لأنه جمع نقائض التوجه الإسلاموي مع بعض اللبراليين وجوغة من العلمانيين، وهي من أضر عوامل الفناء التي يمكن أن تحملها الأحشاء.

ت‌. ولا وحدة مواقف تجمعه بالسدنة، فمنذ الأيام الأولى للإنقلاب اتضح ذلك برفض البعض لعودة رئيس الوزراء (حمدوك) ومناصبته العداء، وحاولوا تقديم أسماء (هنود، مضوي، جبريل)، في الوقت الذي اضطربت فيه رؤية رئيس الانقلاب لدرجة عدم تحديد موقفه.

ث‌. ولا وحدة في السلاح، وهو أمر من أعقد الأمور في البلاد، فالسلاح الذي تحتفظ به القوات المسلحة وتحت سيطرتها هنالك عدد من الأسلحة تتحفز تجاهه وإن أظهرت خلافا لذلك، فقوات الدعم السريع لها ترسانة عسكرية موازية وكذلك القوات التي وقعت على اتفاق سلام جوبا وتلك التي لم توقع، فضلا عن مليشات النظام البائد التي تم حلها ولم يجمع كثيرون منهم قطع السلاح التي بطرفهم.


2. يمثل الموقف الموحد للقوى الثورية السودانية وعلى رأسها لجان المقاومة حجر الأساس للعودة بالسودان لمنصة التأسيس للقومية والوحدة الوطنية، وفي رأيي لن يستغرق اتحاد المواقف السياسية للقوى الثورية السودانية وقتا طويلا، لأن ما يجمع تلك القوى أكثر مما يفرقها.


3. ما ينبغي علينا جميعا العمل عليه هو تهيئة الأوضاع لتلك الوحدة التي تمثل أقوى عوامل البناء للمستقبل الوطني، والتي يمكن أن نتجاوز بها هشاشة البنية الاجتماعية والسياسية والأمنية في البلاد وإزالة آثار الانقلاب.


4. وعلى القوى السياسية السودانية أن تظهر بعض الحرض وأن تتحلى بأعلى درجات المسؤولية وتتجاوز في الوقت الراهن التنافس الحزبي والتناحر الإعلامي والتشاكس السياسي، وأن يظهر كل حزب بموقفه الذي يتسق مع رؤى الشعب وألا يتوارى خلف الواجهات كما تفعل كثير من تلك القوى، وهذا التخفي واحدة من أسباب زعزعة الثقة في الأحزاب السياسية السودانية.


5. وأهم ما أثبتته الأيام بأنه لا تقديس لقيادة أو لرئيس، فمهما عظمت الرتب والأحساب والأنساب والدرجات، فهي دون درجات الحرص والعزيمة لإرادة الشعب السوداني، وفي ذلك دفع الكثيرون أثمانا باهظة.


6. كما علينا الاستعداد وتهيئة غيرنا فور تحقيق الوضع الانتقالي المنشود، أنه لا بد من اتخاذ قرارات جراحية مسؤولة وأهمها قومية ووحدة قواتنا المسلحة السودانية، على أسس ومعايير وعقيدة مجمع عليها،  وأي مماطلة في تدارك هذا الأمر ستعجل من انقلاب آخر يتلوه انقلاب.


ختاما: وعلينا الاعتراف جليا بأن القيادة الحالية في كثير من الأحزاب والحركات والجماعات صارت موضع شك ولا يمكن أن يكون لها حظ في المستقبل القريب وهو ما يستلزم أن تنخرط تلك المؤسسات في تصميم برامج بناء ثقة لقياداتها إن كانت تطمح لتقديمها مستقبلا وأن تسند المرحلة الحالية لقيادة انتقالية جديدة. 

هذا الأمر "القيادة الجديدة" سيمكن السواد الأعظم للجماهير من استشعار جدية تلك القوى السياسية والاجتماعية والمدنية ويساعدها في التقاط الصورة "الصحيحة" لتلك التكوينات والمجاميع. ولذلك أرى أنه على جميع أولئك القادة، النزول إلى خيار التنحي بمحض الإرادة، لا التعنت والاستمرار وهو ما سيمهد للعزل والخلع.

وأنا على يقين أنهم حصلوا على ما يكفيهم من تجربة ومكاسب وفرص كافية ليثبتو ذواتهم، وأتيح لهم ما فيه الكفاية ليقدموا، من أحسن منهم نشكرة ومن أخطأ كذلك نجزل له الشكر لأننا لن نكرر ما راتكبه من أخطاء. وسيكون من المؤسف جدا ألا يقر في قلوب هؤلاء القادة الرغبة في التنحي وأن أونها قد آن لأنهم بالتالي سيستدعون الأعداء ويغلقون كافة طرق التنافس المشروعة حول القيادة وهذا سيفقر القوى الحية الاجتهاد والتجديد والمثابرة.