الأربعاء، 29 ديسمبر 2021

الفضل لا يموت

 *في ذكرى رحيل الأمير عبد الحميد الفضل عبد الحميد*


الفضل ﻻ يموت


ليس إنكارا لقدر الله وقضائه، فبرغم اﻻستماع يوميا لنبأ رحيل حبيب إلى النفس تظل جوانحها تنكر الموت وﻻ تذعن لحقيقته إﻻ بعد اضطراب دقات القلب وارتعاد اﻷوصال ويظل المعزي لها هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وﻻ نقول إﻻ ما يرضى الله" فأردد إنا لله وإنا إليه راجعون.

نبأ وفاة اﻷمير الأب الحبيب اﻷحب عبد الحميد الفضل بقاهرة المعز لدين الله من أشد اﻷنباء وطأة على النفس، غبت عن اﻹسفير لمدة قصيرة فوجدت ما ﻻ يقل عن 500 رسالة من أحباب الفقيد في اﻷسافير يعزون بعضهم ويضمدون جرحهم ويستلهمون الصبر، ما مررت به شخصيا من اضطراب أسأل الله أﻻ يرني إياه أو لحبيب فقد شعرت بمخارز اﻷلم تفل جسدي تترا دون رحمة أو إشفاق مع أني قد استشعرت من غياب مقالته الراتبة فحر كل يوم ونهاية كل ليلة أنه ﻻ محالة ليس على ما يرام ولكن الصالحون كلهم كذلك يرحلون بهدوء ولكن الدنيا تضج من بعدهم بجليل أفكارهم وتنتفح بعبق أخبارهم وتقتفي عظيم آثارهم.

فكان رحيل عبد الحميد الفضل رحيل الصالحين الذين نظن بالله خيرا أنهم ﻻ خوف عليهم وﻻ هم يحزنون، فقد حمل لواء عقيدة التوحيد محبا لها ولرسولها ولإمامها مفنيا جل عمره خدمة لها وتأسيا بآثارها ومقتفيا درب اﻵباء.

الفقيد بواكيه كثر وأنا منهم فقد جلل رأسي بمقولة ابني وخصني بمحبة ظننت أنها لي وحدي ولكني وجدتها تحيط بي إحاطة السوار بالمعصم في أحبابي وأصدقائي وأقراني ومن ساروا مع الفقيد في مسيرته التي غلبت عليها خدمة كيان اﻷنصار وحزب اﻷمة القومي، فسالت مآقي الرجال والنساء في حزبه وكيانه وانفطرت قلوب من ينتظرونه عقب كل صﻻة فجر ليقرأوا ما نظمه من درر الكﻻم عن شهداء الوطن ومهدي اﻷنام وخليفته عليهما السﻻم.

وبفقده تبكي جموع اﻷنصار في كل بقاع السودان إذ خبر الفقيد أسماء شيوخهم وقبائلهم وأدوارهم ومواطيء أقدامهم ومراقد رؤوسهم تتبعهم.

ويفقده الشمال من أقصاه إلى أقصاه فسيبكيه النيل وأهله في لبب التي خصها بالمحبة ورومي البكري التي خصته بالاحتضان والأمومة وسيبكيه أهل الخناقي وبدين ودبلا وأرتقاشا والغدار وأمنتقو وسالي والسليم والغابة والدبة وجبرونا والقولد والبرقيق ودنقﻻ وكرمة البلد والنزل وغيرها وغيرها من مناطق علقت بوجدان الفقيد وطافها بالعمل واﻷمل.

سيفقده طﻻب نجباء درسهم في مراحل تعليم مختلفة فخلقهم بالخلق القويم واﻻستقﻻلية وبنا ذاتهم وعلمهم شق طرقهم فاعدهم لمجابهة الصعوبات وجعل منهم قادة وأئمة يهدون بالحق وبه يحكمون.

سيفقده قلم ومداد ظل يسطر مﻻحم درامية خالدة تسيل لها المآقي ويحن قراءها للتﻻقي بأولئك الخادين الذين سطر الفقيد سفرا عظيما عنهم، عجبا لشيخ سبعيني واكب تقنيات مستحدثة فجعل قلمه اﻻسفيري واصﻻ لكل الدنيا بعد أن جعل المستبدون بقوانينهم وحجرهم له بالصحف فاصﻻ، فنعاه أحبته بالأمريكتين والجزيرة العربية وإفريقيا وأوروبا وأستراليا والهند فقد ولج قلوبهم في مهاجرهم وشدهم إلى الوطن فجعل أدمع الحبيب محمد دودي تجري في أمريكا وهو يطالع مقالة الفقيد الراتبة وتخيم الحيرة على زوجه الأمريكية دهشة وحيرة من عظيم تأثر بمآثر اﻵباء الأولين، وظلت بناته في لندن وقطر وأمريكا يخاطبنه بمحبة كل صباح شكرا له لما قدمه لهن من جليل خدمة لتعريف أبنائهن المهجريين بتلك المﻻحم العظيمة فعزز اﻻنتماء للوطن والكيان والعقيدة.

سيفتقده زمﻻء كبروا أو صغروا سار معهم في مؤسسات حزبية ولجان قومية وجمعيات طوعية وشركاء في العمل فﻻ أحد منهم سيذكره بعداء أو سوء ﻷنه ما زرع إﻻ خيرا وبثمارها تعرفونها فهو لم يغرس من صلبه إﻻ الخير والعلم والهمة والتواضع في بنيه الذين زانهم الحلم والوقار، كما غرس في أبناء الروح مثلها وزاد تعلقهم به لما في منحه لهم من مشبعات روحية وتاريخية تتوق إليها النفوس وتتزود بها كخير زاد إذ أنها كلها تقوى وخير الزاد التقوى ونشهد الله أنه قابل ربه بتلك التقوى. 

ولكن كل هؤﻻء لن يفتقدوه كما سيفعل من خصهم بالصحبة وآثروه على أنفسهم بالمحبة أخوه اﻷمير  على العمدة عبد الماجد واﻷمير صديق شقدي واﻷمير طه أحمد سعد وابنه الصديق الصادق وحبيبه المﻻزم واليد اليمنى الصادق عثمان وذو النورين ياسر جﻻل وابنته رباح الصادق ومحبه محمد زكي ولبنى يوسف وكتيبة القلم وحلقة ذهبية من جمهرة لطيفة كان يختصهم بالسﻻم في ختام مقاﻻته.

لم اكتب عنك سطرا بعد يا ابن الفضل ﻷن العين مﻷى بالدمع واليد لم يفارقها ارتعاد الفجيعة، عسى الله أن يجمعنا بك تحت ظل ظليل يوم ﻻ ظل إﻻ ظله، في صحبة أبنائك من الدم الذين علمتهم الصبر على البﻻء والمشاق رغبة في دوام القرب من الله والتلذذ بجمال التﻻق وإياه في مقعد الصدق عند المليك المقتدر، وأبناء الروح يخاطبونك بالمحبة ويقولون ان الفضل الذي زرعه الفضل الكبير لن يموت بموتك يا أمير ﻷن الفضل ﻻ يموت.


عروة الصادق

شحات - البيضاء، شرقي ليبيا

28 ديسمبر 2014م