الأربعاء، 23 مارس 2022

الحوجة لإطار دستوري جديد لصناعة وصياغة الدستور الدائم

الحوجة لإطار دستوري جديد لصناعة وصياغة الدستور الدائم

لنجب بادئ ذي بدء عن الحوجة لإطار دستوري وما الذي زجنا في هذا الوضع اللادستوري، الإجابة القاطعة هي الإنقلاب المشؤوم في 25 أكتوبر 2021م والذي مزق الوثيقة الدستورية وهو الأمر الذي جعل من الرجوع إليها أمرا مستحيلا، لذلك بادرت العديد من الجهات والمؤسسات بتقديم رؤى انتقائية بإرجاع الوثيقة الدستورية واستكمال مسار الانقال على هدي التعديلات التي أدخلها الإنقلاب، وهناك رؤية استبدالها بدستور 2005م مع إجراء بعض التعديلات، وهناك رؤية تقول باستحداث وثيقة دستورية جديدة، وجميع الرؤى المطروحة تكاد تجمع على ثوابت وطنية لا خلاف حولها، إلا أن المعضلة الرئيسية هي محاولة المؤسسة العسكرية إقحام نفسها شريكا سياسيا "مدسترا" بنصوص دستورية، وهو الأمر الذي ترفضه رؤى غالبية القوى السياسية ولجان المقاومة المناهضين للإنقلاب والذين يرون أن أي دور مستقبلي للمؤسسة العسكرية يجب أن يقتصر على المهام المنصوص بها في قانون القوات المسلحة والمتعارف عليه في كل الدساتير بحماية الأرض والدستور ونظام الحكم، وأن تنأى المؤسسة بنفسها عن دولاب الحكومة التنفيذية.
أي دستور مقترح أو مسودة لوثيقة دستورية ينبغي تتضمن الآتي: 
١. أن تكون إطار للتطوير الدستوري المستمر لتحقيق التوافق السياسي ومجاراة الحوادث السياسية المتجددة تمهيدا لترسيخ القناعات الدستورية وصناعة وصياغة الدستور الدائم.
٢. أن تضع المسودة الدستورية ترتيب القيم السودانية في سقف أولوياتها الدستورية وتضعها ضمن أطر دستورية لا يتجاوزها أي كان مدنيا أو عسكريا.
٣. وأن يكون الدستور هو مرجعية الإطار الإداري المتطور باستمرار وأن يحكم سيطرته على التشريعات اللائحية والتنظيمية لكافة مؤسسات الدولة وعدم إغفال أي دور من الأدوار أو كيان من كيانات الدولة.
٤. لابد أن تمثل ملامح الدستور الإطار الجامع لسواد أهل السودان، وأن يسلط الضوء على الدور التشريعي والرقابي المرجو ويحدد ماهيته.
٥. لابد أن يكسب الدستور المؤسسات العدلية والحقوقية والقانونية والقضائية استقلاليتها وأن يكون له بعدا أخلاقيا يعزز دور المؤسسة القضائية كوصي أوحد على القيم الدستورية وحارس لها تلتزم بكلمته كافة مؤسسات الدولة.
على أن تكون أهم مهام الدستور القادم هي:
١. أن يهيء نصوص حاكمة لمفهوم نظام الحكم  الذي يقوم على النزاهة والكفاءة ويحدد الأدوار الأساسية والرئيسية للسلطة التنفيذية  أو الحكومة.
٢. أن يمنع تجاوز الأجندة الأحكومية أو التغول على سلطاتها من أي سلطة من السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية).
٣. أن يكفل هذا الدستور حرية الإعلام ودوره الرقابي ويحمي ويحرس حقوق الإنسان ويجرم الانقلابات والاستعلاءات الثقافية والدينية والإثنية والعرقية. 
ولا بد من الاعتراف بالأخطاء السابقة التي وقعنا فيها في تشريع وكتابة الدستور ومن الأخطاء الكارثية التي وقعنا فيها سابقا الآتي:
١. أن الوثيقة الدستورية كتب وصيغت صياغة ولم تصنع صناعة دستورية، فاكتسب سمت كاتبيها الذي لم يلبي أشواق صناع الدستور الذين كان يمكن أن تتم مشاورات دستورية معهم في حرم القيادة العامة إبان الاعتصام والتواصل معهم عبر لقاءات كانت ممكنة ومتاحة بالمركز والولايات والمهجر في ذلك الوقت قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية، وهو الأمر الذي جعل منها وثيقة قاصرة تشوبها الكثير من النواقص.
٢. وقعت في أكبر خطأ وهو إقحام العسكر في السلطة بمحاصصة أعاقت عمل الفترة الانتقالية، كما أنها لم تراع التغيرات الهيكلية في نظام الحكم التي طرأت جراء التحول من نظام جمهوري رئاسي إلى نظام لم تتحدد ملامحه إلى انقلاب 25 أكتوبر فلم يكن النظام رئاسيا ولا برلمانيا ولا مختلطا وهو أمر اصطدم كثيرا بدولاب الحكومة الموروث من النظام الرئاسي البشيري المباد.
٣. كما أن تجربتنا الدستورية السابقة تؤسس هيكلًا واضحًا للسلطة بشكل كافٍ يراع التنوع الذي تحظى به البلاد، فقد أسهم عجز التنفيذ في تشويه التجربة الدستورية من خلال عدم تحديد الاختصاصات للمؤسسات وإهمال الفتاوى المرجعية المحددة لتلك الاختصاصات وإهدار الكثير من الحقوق الدستورية.
٤.  كما أنها لم تحد من السلطات العسكرية ولم تحمي الحريات التي بطشت بها تلك المؤسسة حتى عند الفترة الانتقالية وسقط جراء ذلك ضحايا ببنادق تلك القوات.
٥. قد كانت الوثيقة غالبًا منحازة للمركز ومتجاوزة للولايات في كثير من الأشياء إذ أنها حلت وعقدت في كثير من الأمور في الخرطوم ولم يتم تضمين استشارات الولايات والأقاليم وهو ما انعكس لاحقا في تكييف أوضاع الحكم الاتحادي هل هو نظام إقلمي أم ولائي أم إتحادي بنظام المحافظين.
٦. أن كثير من القوى والمجموعات همشت عند صياغة الوثيقة وهو ما حفز كثير من تلك القوى أن تجد في الانقلاب وسيلة لسماع صوتها ونجح الانقلابيون في استقلال تلك الأصوات لصالحهم. 
ختاما: أرى أن أي مسعى لكتابة الدساتير وليس صناعتها سيعقد الأزمة ولن يحلها وسيوقعنا في ذات الأخطاء التي ارتكبتها العديد من الأنظمة السياسية المتعاقبة على البلاد، وهنالك فرصة لـ(الصناعة) ويمكننا تصميم دستور مرن قابل للتحديث والتطوير وذلك بتجميع كافة النصوص الدستورية المقترحة والتي تتجاوز الخمسين مسودة، ومشاريع الدساتير الدائمة المقترحة من بعض الكليات والأكاديميين والقانونيين والمختصين وتضمينها ضمن إطار دستوري موحد يفتح للنقاش وتجمع الآراء حولة للوصول لخلاصة موحدة تستهدي بها البلاد، وإلا فإن حالة اللادستور الحالية ستضييع مكتسبات البلاد داخليا وتربك دولاب الدولة وتهدد العلاقة بين المؤسسات وتبدد سبل التواصل الإقليمي والدولي، وحينها ستتناحر مؤسسات الحكومة فيما بينها وتضيع حقوق المواطن الدستورية كما نرى في شوارع ومدن البلاد، وأيضا سيفتح هذا الأمر كثير من دول العالم منح صفات تمثيل السودان لشخصيات ومؤسسات وأجهزة لا صلة دستورية لها بالبلاد وربما نشهد فوضى تمثيل خارجي واعتراف واعتراف مضاد في ظل الاستقطاب الدولي الحاد. 


عروة الصادق