الخميس، 31 مارس 2022

رحيل القدير قدور


بقلم: عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
رحل "سر" الكلمة المرتبة المترابطة الصاعدة الرصينة والعبارة المنظومة المقفاة، والجملة الجميلة الحكيمة المحكمة المنتقاة، والألحان الرقيقة الدافئة الدافقة العذبة الشجية، والنفس الرحبة المرحابة السمحة الأبية.

رحل قدور الذي ضحك وأضحك خلقا كثيرا، وها نحن ننعاه ونبكيه دمعا غزيرا، تودد إلى شعبه باللطف والغناء، وعمل بجد وتفان للارتقاء والسمو بالوجدان السوداني، كتب وألف ولحن وأنشد وقدم فتقدم على أقرانه بعطائه، وسيحزن عليه إذاعيون وإذاعات وإعلاميون وصحفيون وقنوات وسيظل مكانه يملأه الشغور المؤلم في الصحف والمجلات والقنوات والإذاعات وقاعات المحاضرات، رحل "المريخابي العجوز"، والذي سيفتقده أهل العرضة جنوب.

رحل وما بعد أن أحيا ما اندرس من أشعار وأغاني ومدائح وأناشيد، مجددا ممجدا للوطن الأبي وشعرائه، وفيا لشموخ فنانيه وشعرائه وملهما لإنسانه، واضعا أساسا متينا وإطارا مرجعيا فنيا للتواصل الثقافي والترابط الوجداني بين أبناء وبنات الوطن الذاخر بالتنوع، فسيظل برنامجه (أغاني وأغاني)، هو المرجع والمكتبة والإرشيف لذخائر الفن والفنانيين السودانيين. وستظل أعماله المسرحية مشاعل وعي متقدم في الاهتمام بالمسرح والآداب وقضايا المجتمع والزراعة والبيئة والجمال.

رحل بعد أن خلد وطنه بالشعر وصار السودان «أرض الخير» التي تغنى بها الكاشف، ومجد جمال فتاته «ست البنات» بصوت صلاح ابن البادية واشتكى الشجن وكتب «حنيني إليك» لمحمد ميرغني، وأصر أن يقر بحبه وهواه للمحبوب قائلا: «أنا بهواك» والتي صدح بها صلاح محمد عيسى وأهدى العاقب محمد الحسن أجمل لقاء حينما كتب «إتلاقينا مرة». وغنى له القلع عبد الحفيظ «لاموني فيك الناس» وأيمن دقلة «فرح الليالي». كما غنت له الفنانة وردة الجزائرية قصيدته «أسألوا الورد». وقامت المطربة السورية زينة افطيموس بتجديد أداء قصيدتة «أسمر جميل» التي غناها إبراهيم الكاشف.

ويظل الموت حقيقة الحقائق التي قال عنها الحميد المجيد: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، والذي يتقيه الجميع وفي ذات الوقت يرتجيه، حقيقة نعرفها جيدا إلا أنها تفاجئنا في كل حين، إن لم نتفهم أسراره؛ فسنرث الحزن الذي يلازمه؛ الهم، والكدر، والعجز، والجبن، والبخل، والكسل، الذي يقود لغلبة الدين وقهر الرجال والعياذ بالله. وعلينا الإيقان بالفناء لجميع الأغيار (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)، فكل ما سواه غير هالك إلا وجهه، والبقاء لعظمة الجبار وحده (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ).

اللهم ارحم عمنا السر قدور رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وألهم أهله الشاعديناب بنهر النيل وبناته بجمهورية مصر الصبر الجزيل، واجعل البركة في عقبه وأحبابه وحياته وكيانه وسودانه الذي تغنى لأجله، و أحسن آخرتنا ومن صحينا ومن أحبنا على حب نبيك صلى الله عليه وسلم.

@orwaalsadig