• ليس هناك تباين كبير بين القوى السياسية السودانية الحقيقية، من حيث الرغبة في إنهاء الصراع القائم في البلاد بإبطال إنقلاب 25 أكتوبر 2021م، فالجميع يؤكد على ضرورة إنهاء الإنقلاب وإبطال مفاعيله وقراراته وإجراءاته للوصول لتلك التسوية الشاملة، ولكن نقطة الخلاف الجوهرية أن هناك من يرى بضرورة أن يكون أي حوار مستصحبا لأصحاب المصلحة الحقيقين والمعترف بهم والمتعارف عليهم، لا الجماعات (المحشودة) التي تناسلت من اعتصام (القصر) واستولت في (قاعة الصداقة)، وأن يكون أي حديث مع (الأصلاء) في الأزمة وليس مع (الوكلاء)، وذلك لأن "وكلاء" الإنقلاب حشدوا عدة واجهات للتحاور وكونوا عدد من الكيانات (الانشطارية) والمؤتمرات الشبابية ولجان المقاومة والتنسيقيات المصطنعة من فلول النظام السابق وسدنته، وحواضن الإنقلاب الدينية والإجتماعية والبيوتات الأهلية، وهو ما سيكون إهدارا للوقت وتضييع للجهد وتضييق لفرص الوصول للحل، بينما يرى أخرين أن الحوار يجب أن يشمل الجميع عدا المؤتمر الوطني "المحلول"، وهؤلاء وجهة نظرهم نابعة من أن السبب في انتكاسة جميع الأنظمة الديمقراطية والتجارب الانتقالية هو إقصاء بعض المكونات الاجتماعية والسياسية ويبدون رغبتهم في تجنب انتكاس الصراع من خلال التسويات السياسية الشاملة وبناء الدولة بعد الصراعات وهي مدرسة سياسية لها تبريراتها.
• من هذه المقدمة يتضح أن هذا الموقف له استحقاقات مهمة وكل ما وضع من اشتراطات ليس تعنتا وإنما هو تهيئة للمناخ لأن كافة المعنيين لا يستطيعون الإنخراط في ظل الآتي:
١. إعمال آلة القتل البطش والقمع والدهس والتنكيل.
٢. فعالية قانون الطواريء التي ترى المتظاهرين ولا ترى جماعات المتفلتين.
٣. اعتقال عدد كبير من لجان المقاومة وقادة العملية السياسية في البلاد.
٤. التضييق على الحريات العامة.
٥. وغيرها.
• كل الإشتراطات التي تقدمت بها البعثة "ثلاثية الحوار" وأيدتها الحرية والتغيير هي اختبار لمدى جدية الانقلابيين في الاسراع لإنهاء جريمتهم النكراء التي كلفت البلاد دماء وأرواحا وأموالا ومكتسبات داخلية وخارجية.
• ومع أن البعض يشير إلى عدمية اللاءات الثلاثة، يقيني أن هذه اللاءات (الذهبية) ما كانت لتكون لولا ماكان، فمن الذي أوصل الناس إليها؟؟، أجيب: تعنت الإنقلابيين الذين ظنوا أنهم سيديرون دفة البلاد دون الرجوع لغيرهم، وأنهم سيشكلون حكومتهم ومجلس وزرائها ومجلسهم التشريعي ويكملون هياكل السلطة في البلاد دون تأخير أو رجوع لأحد، ونحن اليوم لنا قرابة الستة أشهر بدون حكومة تنفيذية وبلا رئيس وزراء، والبلاد تتردى إلى درك سحيق ودامي، واللاءات الثلاث في الأساس معني بها قادة الإنقلاب وأي حديث في مقبل الأيام لا يقضي بإبعادهم من المشهد السياسي واه، ولا مجال لابتعاث المساومات الرخيصة، وكذلك المتفق عليه بإجماع أهل الثورة أن لا شرعية للنظام الإنقلابي القائم، وبإنهائه تكون حققت هذه اللاءات مقاصدها، والحديث عن أنها صفرية قال به فقط العسكر وخبارؤهم الاستراتيجيون والسدنة، وهم يعلمون علم اليقين أن الوضع القادم لن يكفل شرعنة للإنقلاب وقد جربوا ذلك بمحاولة استعادة حمدوك، ولن تكون فيه شراكة سياسية مع العسكر فالدور المنظور للمؤسسة العسكرية هو المنصوص عليه وفق الدستور والصلاحيات الممنوحة لها من السلطة المدنية، ولن يركن أي شخص أو كيان أو مجموعة سياسية مقاومة للمساومة، وكل من يقع في ذلك سيكون مصيره معلوم، فلا زالت الثورة ترمي بالأوراق الصفراء وتحتفظ بالخضرة والثمر.
• ولأن دعوات العسكر للحوار المباشر تظل مفخخة وملغومة ومسمومة، فلا يوجد عاقل يرفض الحوار أو يتمنع عنه، وبالمقابل لا يقبل دعوة العسكر الحالية للحوار إلا مجنون، ونحن لا نخشى الإنخراط في الحوار وإنما نتجنب تكرار تجارب هشة ومذلة ذلك للآتي:
١. دعوة الحوار المكررة التي إطلقها العسكر كانت قائمة على الإرغام و الإكراه (إما القتل والسجن أو الحوار)؛
٢. أو الااستمالة بعوامل الترغيب والشراء السياسي؛
٣. أو الحرص الانقلابي الشديد للحفاظ على شرعية مؤسسات مؤسسات الإنقلاب والإبقاء على رموزه وقياداته وقراراته؛
٤. أواستخدام أدوات وأبواق الدعم الإقليمي الخارجي للإنقلاب بالضعط على المعارضين عبر الإعلام المضاد وأجهزة المخابرات.
• فهذه النقاط لا يمكن الحوار معها إلا أن يكون الحوار "حوار طرشان"، ولو أراد الإنقلابيون المضي فيه فليذهبوا فهناك كيانات بعدد نجوم السماء تريد أن تحاورهم وتتقاسم معهم (جيفة) الإنقلاب، وأي حوار لم تسبقه إجراءات إبطال الإنقلاب سيخلفه تمزق للسبيكة الوطنية واللحمة الإجتماعية وتردد في القرار السياسي وبالتالي تعميق للأزمة السياسية السودانية واستمرار التدهور الأمني والسياسي والاقتصادي وربما اشتعلت الحرب الأهلية في عواصم ومدن الأقاليم.
• وللخروج الفوري والآني والعاجل تتدرج الحلول من الحديث بوضوح عن ضرورة الوصول إلى "التسوية السياسية الشاملة" وليس (المساومة) والتي تبدأ بإنهاء الحالة الإنقلابية وتنحي الانقلابيين فورا، والتي حتما ستحقق الآتي:
١. الإستقرار السياسي والأمني والإقتصادي.
٢. وتنصب موازين العدالة وتعجل بتسليم الجناة للمحكمة الجنائية الدولية.
٣. وتضع الاهتمام بالتنمية في أولوياتها، وتعيد مكتسبات الثورة الإقتصادية من عون ومنح وهبات.
٤. وتحقق التوافق والرضا الجماهيري الذي شرطه تنحي العسكر عن السلطة.
٥. وتحد من هيمنة النخبة العسكرية وكذلك السياسية على القرار الوطني وإِشراك أكبر قدر من قطاعات المجتمع وتكويناته المطلبية والمدنية والمقاومة على مستوى المركز والولايات).
• هذا ما سيكون مفتاح لاستعادة مكتسبات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وتنموية إن لم نتداركها ستضيع بحلول يوليو القادم وربما يستجلب شررها المستطير تدخلات أممية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي لاحت بوارقه بأزمة كرينك الأخيرة.
• أما بخصوص عودة الفلول من النافذة بعد لفظهم بالباب فهذا سيمثل أكأد العقبات أمام الاستقرار السياسي، وهذا مرده لأن هناك ضباط في الأمن والمخابرات وآخرين في الاستخبارات وكوكبة الخبراء الاستراتيجيين نصحوا رئيس الانقلاب بإزاحة الحجارة من جحور الإخوان ليساندوه في إنجاح انقلابه وإدارة المؤسسات التي يزعمون امتلاك مفاتيحها ومعرفة كواليسها، ودون أدنى مراعاة لما يمكن أن يجلبه ملف استحضار الإخوان للسودان من مخاطر وحظر وحصار وتضييق، أقدم قائد الإنقلاب على استدعاء كافة العناصر الإخوانية في كافة المؤسسات الأمنية والشرطية والعسكرية ومؤسسات الدولة وواجهات الحزب المحلول، ليشكلوا له جماعات إسناد أو كتائب ظل ظنا منه بأنهم منجوه ومجنبوه للمزالق والمهالك، ولكن لأن هذه الخطوة يعتملها المكر والمكر المضاد أول ما تم الإعلان عنها تنصلت عنها تيارات إسلامية تريد أن تحجز لها مقعدا في المستقبل كالمؤتمر الشعبي وجماعة الإصلاح الآن وولد التيار المزعوم ميتا، وكان تجمعهم عبارة عن استفزاز للثورة والثوار فكثير من أولئك العناصر شاركوا في وأد الثورة وتصفية الثوار وتعذيبهم فقد رأينا ضباط جهاز الأمن وهيئة العمليات وعناصر الأمن الشعبي يسيئون للثورة ويسبونها في تضاد تام حتى مع ما يقول به رئيس الانقلاب من تمجيد وتعظيم للثورة والثوار.
@orwaalsadig