حوار الآلية الثلاثية
ينبغي التسليم بأنه لا يوجد صراع في العالم سياسي، كان أو ديني، أو ثقافي، أو اقتصادي، أو أمني، أو حرب، إلا وانتهى بتسوية أو حوار ما، والجميع الآن يجتهد لفتح باب الحوار وضع تسوية ساسية للأزمة الماثلة في البلاد، إلا أنه في عوالمنا هذه يقع "الحوار" تحت اتهامات (الهبوط الناعم), ومسمى "التسوية السياسية" في خانة (التخوين والترهيب)، لارتباطه بتجار الأزمات وجنرالات الحروب، وذلك لأن الحوارات السابقة و تلك التسويات، دوما ما تنهي الصراع بمحاصصة قاصرة لا بتسوية جذرية ومخاطبة للمظالم التاريخية
الآن هنالك خطوات حثيثة تخطوها البعثة الأممية والاتحاد الإفريقي وإيقاد لبدء الحديث عن (تسوية شاملة) لإنهاء الصراع السياسي في السودان، وقد تم الإعداد لانطلاق في (١٠-١٢ مايو الجاري)، والذي يرجى في نهايته الوصول لتسوية نهائية، وهو في رأي - لن يحدث - في ظل تراخي الدول الراعية للحوار والضامنة للحلول والداعمة للانتقال، فالمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، يتركون حبل التسوية الشاملة على قارب الاتحاد الإفريقي والضامنين العرب، الذين تورط بعضهم في دعم إنقلابهم الفاشل هذا، لذا فإن أي حديث عن تسوية للصراع دون بذل ضمانات قوية لن يكون ذو قيمة ولن يحقق تسوية بل سيثمر شراكة هشة مشوهة تشرعن الإنقلاب القائم، وتفاقم أزمات وكوارث الوضع القادم.
التقت الآلية الثلاثية وبإشراف البعثة الأممية وبتسهيل دولي بمئات الأشخاص والكيانات والأجسام ومبدئيا هي مع إشراك الجميع، ولكن الحرية والتغيير ترى أن أي إشراك لوكلاء الإنقلاب والجماعات التي تم استنساخها بعد 25 أكتوبر، وتلك التي خرجت من رحم التنظيم المحلول، وجماعات مسيئة للثورة والثوار المتخلفة حديثا في قاعة الصداقة، فتلك جميعها لا مجال لاستصحابها في حوار مثمر ومسؤول، وهنالك من يقول بوضوح أن الحوار يجب أن يشمل فقط القوى التي تصدت للإنقلاب إلا إن فولكر وولد لبات يتشاورون في إلحاق بعض القوى الأخرى التي تم استثناءها في السابق كحركة الإصلاح الآن والمؤتمر الشعبي، وهذه المشاورات تجد تحفظا شديدا من بعض القوى باعتبار أن أي حوار لايعزل من شاركوا الإنقاذ وساندوا الإنقلاب الحالي، لا يقود للحل ولن يحقق تطلعات الشارع السوداني، وهنالك قوى متحفظة كالشيوعي وتجمع المهنيين (ب) وهؤلاء لهم رؤية ترفض الجلوس حتى مع الحرية والتغيير ككتلة واحدة وإنما يرون بضرورة الجلوس مع كل حزب على حدة، وهنالك قوى سياسية عزلت نفسها من الحوار وناصبت البعثة الأممية العداء ونددت بها ونادت بطردها يقف على رأسها مجاميع اسلاموية وأهلية وتكتل يضم عبد الله مسار.
قبل الجلوس للحوار في موعده المضروب، هنالك إجراءات يجب أن تستكمل منها: وقف السحل، والقتل، والتعذيب، والاعتداء على الحريات العامة، وإطلاق سراح المعتقلين، وإخلاء سبيل المحتجزين قسرا، وتفريغ حراسات الشمالي وزنازين سوبا والجزيرة أبا وبورتسودان ودبك من معتقلي لجان المقاومة والنشطاء السياسيين، ورفع حالة الطواريء، ووقف استنساخ جماعات ووكالات الانقلاب عبر أجهزة المخابرات والاستخبارات، ومن ثم يأتي الحديث عن الجلوس كيف؟؟ ولماذا؟؟ وأين؟؟ ومع من؟؟ وفي اعتقادي أنه في حالة إصرار "وكلاء الإنقلابيين" من جماعة القصر على استصحاب الجماعات السياسية الخديجة، والتكوينات الإجتماعية والواجهات الأهلية المختلقة بعد 25 أكتوبر في الحوار، سينفض سامر هذا الحوار قبل انعقاده، وفي هذا الجانب هناك محاولات كثيرة لشق قوى الثورة وتقسيمها ويعمل البعض ليكون الحوار بمن حضر، وإذا حدث ذلك سوف يتنامى السخط الجماهيري، وتتجدد حملات التخوين والابتزاز السياسي، وربما العودة للقبضة الأمنية بعد الانقلاب، وتنامي الانتهاكات، وعلى البعثة أن تنأى عن أي حلول معلبة أو املاءات واشتراطات لا تتواءم مع تطلعات الشارع السوداني وقواه الحية، وهو ما يجب أن يقابله السودانيون بجدية وعزم ووحدة رأي، وقرار سياسي وهو الأمر الذي لم يتوفر حتى الآن، وأخشى إن لم نتخذ من هذه الفرصة سبيلا للحل الشامل أن يكون هذا الحوار الأممي مدخلا للحرب الشاملة والتي يتحفز لها كثيرون، وتتداعى الكوارث في اطراف البلاد المختلفة والتي ربما جلبت التدخل الأجنبي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ختاما: الأكيد الذي لا مراء فيه أن رحيل البرهان وجماعته وإنهاء الإنقلاب، وإبطال قراراته، وإيقاف إجراءاته، وتفكيك جماعاته، سيفتح الباب واسعا للتسوية السياسية السودانية الشاملة، وبقاؤهم سيجهضها ويعطل الوصول لمدخل للحوار حتى، هذا إن تحلوا بالشجاعة والجرأة وإلا فستتواصل حلقات الخداع والتدليس لخلق حواضن جديدة على شاكلة جماعة "شيخ تف"، وستتصاعد وتيرة الشارع السوداني حتى الاقتراع وإسقاط الانقلاب باستخدام كافة الوسائل السلمية المجربة والمبتكرة والتي ستتطور بالاعلان عن ميثاق (سلطة الشعب). الذي سيدشن الاربعاء