وطن شاب يقتله يائسون
1. السودان يعد من البلدان التي تذخر بثراء في الموارد المتجددة والمتبددة إلا أنه يستحوذ على أهم وأقوى الموارد التي تقوم عليها الدول بل تطمح لزيادتها وإثرائها وتطمع في الحصول عليها، وهو المورد البشرى ، الذي يمثل سواده الأعظم شباب في ربيع العمر يجدون ويجتهدون لتزهر أوطانهم وتزدهر حيواتهم.
2. إلا أن الأيادي التي تعبث بموارد ومقدرات المنطقة والمحيط العربي والإفريقي والإقليم تريد أن تجعل من تلك الموارد نهبا وسلبا حتى وإن كلف ذلك الشعوب حيواتهم وسلبهم أرواحهم، فالشيئ الطبيعي صار أن تكون جنديًا أو ممتهنا لمهنة أبعد ما تكون عن سلك الحياة السوية والتوجه الاستراتيجي للأمم
3. فقد خلفت التوجهات الأيدولوجية الواهمة والسياسات الخاطئة والحروب الأهلية خلف هذا الثالوث كوارث إنسانية دفع ثمنها إما شباب ضاعت زهرت شبابهم أو أطفال الآن يكابدون دفع تلك الفاتورة الكارثية فليس هناك أسوأ من أن تكون طفولتك قائمة على نزاعات وصراعات وأزمات وكوارث، فهو أمر لا يدمر الطفولة فقط ، وإنما تدمر المستقبل وتحد من الطموح والتطلع للحياة السوية، وبالسودان حوالي جيل كامل من الشباب يجيد ضرب طلقات البندقية الآلية أكثر من كونه يستطيع أن يتقن مهارة فنية أو تقنية أو علمية.
4. وفي العام 2019م قد تجاوز الشباب السوداني بعزمهم هذا الثالوث المقيت وأنهوا أظلم حقبة للأنظمة الأيدلوجية الإخوانية في المنطقة وأوقفوا مشروع التجنيد القسري والسياسة الحربية العدائية التي تشغل الشعوب عن التنمية والتطور، وحققوا مدخلا للسلام السياسي والسلم الإجتماعي ولكن سرعان ما انقض على ذلك كله وقوضه انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وعادت نداءات الاستقطاب وصيحات التجنيد والتسليح.
5. فقد السودان بذلك فرصا كانت تلوح في الأفق لتوظيف عشرات الآلاف من الشباب وتشغيل الملايين منهم في فرص عمالة موسمية وضاع دعم نصف السكان دعما نقديا مباشرا، وهو ما فتح بابا للتجنيد من جديد للالتحاق بصفوف الجماعات المسلحة والمليشيات واختار جزء ليس باليسير الارتزاق في دول الجوار وصار التجنيد هو الملاذ الأول للشباب بعد الهجرة والفرار من البلاد بالطرق الرسمية وغير النظامية عبر التسلل من الحدود.
6. حتى أولئك الذين ينعمون بوظائف حكومية أو في القطاع الخاص تراجعت مخصصاتهم ورواتبهم وصارت لا تفي بالتزاماتهم الخاصة والأسرية وهو الأمر الذي زاد من حدة الضيق المعاشي، وأسهم سلبا في تزايد معدلات الجريمة والتردي الاجتماعي والأخلاقي، وقد تنامت بصورة كبيرة نسب التعاطي والإدمان للمخدرات وسط الشباب والتي يتم استيرادها بصورة ممنهجة ومنظمة تتجاوز كل الحواجز الأمنية والرقابية.
7. كما أن توالي الأزمات والكوارث ككوفيد وفترات الحجر الصحي عطلت الكثير من مشاريع الحد من الفقر وزادت من نسبة البطالة في السودان وقيدت سوق العمل ومجالات الانتاج ما أجبر عددا من الشباب في ريادة الأعمال للخروج برؤس أموالهم إلى دول جارة.
8. وتراجعت مؤشرات التنمية في البلاد وقد فاقم كل ذلك من أزمات متجذرة ظل يعاني منها شباب السودان والشباب الإفريقي عموما، الأمر الذي قلص نسبة التعليم الأكاديمي والحرفي والتقني وجيش أعدادا كبيرة للهجرة والبطالة والمخدرات والتجنيد القسري وكثرة جماعات السلب والنهب والكيانات الخارجة عن القانون في المركز والولايات.
9. ويعد تحالف الكتلة السياسية اليائسة من عسكر وانتهازيين في بعض الكيانات الأهلية والجماعات الدينية بالإضافة للنخبة السياسية (المرخرخة) هم العدو الأول للشباب السوداني، الذين يظنون أن هذا الشباب يسعديهم ويسعى لإزالتهم ومحو آثارهم كليا، وهو أمر مناف للحقيقة فجل الطيف الشبابي السوداني له قبائله التي يعتز بالإنتماء إليها ولكنه يرفض عصبية القبيلة، ولهم انتماءاتهم الدينية التي يفاخرون بها ولكنهم يناهضون الاستعلاء، وجميعهم له رغبته في تأييد سياسي ينتخب عبره من يشاء ولكن دون إملاء، هذه الحقائق يطمسها هذا التحالف اليائس ليصور أن هؤلاء الشباب عبارة عن حفنة من شذاذ الأفاق والصعاليك والفواقد التربوية.
10. وقد أسهمت الأحزاب السياسية السودانية بقدر كبير في تلك الأزمات، فالشأن السياسي والتعاطي مع الراهن اليومي أضعف فرص التدريب والتأهيل والتوعية، وقد تزايدت تبعا لذلك المواعين السياسية حتى تعدت المائتي كيان وحزب ناهيك عن الآلاف من المنظمات والجمعيات والروابط والواجهات التي في الغالب تأخذ شكلا استثماريا في الأزمات وكيانات تطوعية أنشأتها سلطة الإنقلاب أسهمت في تغييب عقول الشباب.
11. تظل إفريقيا هي الإحتياطي النفطي والتعديني والغذائي القادم للعالم والسودان يمثل أهم دول القارة وأكبر مطامعها، لذلك لن تتوقف أيادي العبث به والتضييع لمقدراته والتهريب لثرواته والتضييق على شبابه حتى يذعنوا للسلطات المهيمنة أو ينحازوا لمشاريعها التمزيقية العدوانية ويؤسسوا تبعا لذلك جيوشا شبابية تستخدم في حروب مباشرة أو حروب بالوكالة.
12. كما أن العدوان البيولوجي على القارة لن يتوقف عند الإيدز وإيبولا وكوفيد بتحوراته المختلفة، وسيستمر وصولا لمجتمعات ممزقة وضعيفة ومريضة لن يكون السودان بمعزل عنها، وحينها سيسهل كسر إرادة وعزيمة الشباب الوثاب الذي ينشد السلام والحرية والعدالة والديمقراطية والكرامة الإنسانية وصون حقوق الإنسان.
13. هذا لن يتم في ظل مجتمعات وجماعات وكيانات مفككة وممزقة وأوطان متشظة، واجبنا هو توحيد السبيكة المجتمعية والكتلة السياسية المناهضة للإنقلاب لتقويض سلطته وإقامة نظام عادل يحقق تعاونا إقليميا ودوليا مشتركا يرفع قدر السودان ويمكنه من مراصفة دول المنطقة والعالم.
14. وواجب الكيانات السياسية السودانية أن تجدد دماءها التي تخثرت وإقامة مؤتمراتها التي تعطلت وتحديث الهياكل والبرامج والأفكار والتوجهات لاستيعاب أكبر قدر من الشباب إن لم يكن كأعضاء فداعمين وناخبين ومؤيدين لسياسة الحزب ما سيقلص نسبة التشظي السياسي ويقلل الكتل المتنازعة ويسهم في توحيد التوجهات القومية.
_____
@orwaalsadig