الأحد، 14 أغسطس 2022

خريف ٢٠٢٢م في السودان

خريف ٢٠٢٢م في السودان
▪︎ السودان بلد موعود بخير المياه ووعيدها وليس من المستغرب أن تكون الأنهار والوديان وروافد النيل جزءًا مهمًا من تاريخ البشرية وكذلك واحدة من أخطر مهدداتها فهي بقدر ما توفر من غذاء ومياه عذبة ومزارع انتاج حيواني وسمكي وأراضي خصبة لزراعة المحاصيل الغذائية والنقدية إلا أننها تتمرد كثيرا وتهلك الحرث والنسل وتتسبب في كوارث كالتي رأيناها في ولايات نهر النيل وكسلا. هذا يعني أن الماء بقدر كونه ضروري للحياة ، إلا أنه قوة مدمرة أيضًا وهو أمر لن يتوقف طالما أن السماء تمطر والأنهار تجري.

▪︎ ومعلوم أن السيول والفيضانات من أكثر أنواع الكوارث الطبيعية شيوعًا في السودان وشهر أغسطس يتزامن فيه همر الأمطار مع دفق السيول وطغيان النيل، ودوما ما تكون النتائج قاتلة وكارثية تخلف أضرارا مادية ونفسية وصحية ومادية ودمار في البنى التحتية، وستنتشر تبعا لذلك الأوبئة المنقولة بواسطة البعوض والذباب كالكوليرا والملاريا وغيرها من الأمراض المعدية تدرجا من الحالات الالتهابية وصولا للأمراض المزمنة. وكذلك يتجاوز الأمر أضرارا على الآثار والحضارة والحياة البرية وانحسار الأنشطة الانتاجية من زراعة ورعي واستثمار وقد رأينا ما جرى للعديد من البساتين ونفوق عدد كبير من القطعان وإنهيار المتاجر والمنازل وحالة من الذعر واللا استقرار تشهدها تلك المناطق.

▪︎ أما الآثار غير المنظورة هي التلوث واختلاط المياه النظيفة مع مخلفات قاتلة خصوصا أن منطقة نهر النيل بها مناطق تعدين تستخدم أحواض سطحية ستختلط مياهها الملوثة مع مياه الفيضان لتخلف أثرا صحيا خفيا والواجب هو الاستعداد لكارثة صحية تفوق الكارثة الماثلة، الأمر الذي سيضر مستقبلا أيضا بالأحياء المائية ومستويات الإنبات وخصوبة التربة في بعض المناطق الزراعية.

▪︎ المؤسف أن حادثة انهيار الطرق تبعا للفيضانات ليست جديدة وذلك لأن البني التحتية في السودان يتم التلاعب بها وقد أحصيت في طريقي لنهر النيل حوالي الـ 16 مزلقان في وديان وخيران موسمية جميعها فنيا من المفترض أن تشيد عليها جسور ولكن للتلاعب الذي تنتهجه الشركات والمؤسسات المعنية يتم إلغاء هذه الكميات مع تضمينها ضمن موازنة الطرق القومية.

▪︎ ولكن هذا لا يعني أن الفيضانات شر مطلق ففي طياتها خير وفير يمكن عبرها تجديد المياه الجوفية وتعزيز المخزون الجوفي واستزراع المناطق التي تغمرها أطماء الفيضان وكذلك يمكن بذر ونثر بذور الأشجار الصحراوية في المناطق القاحلة ليسهم ذلك في الحد من الزحف والتصحر في كثر من مناطق الولاية وبقاع السودان المختلفة.

▪︎ إن خريف ٢٠٢٢م لا زال في ذروته والنيل واعد بفيضان حتى منتصف سبتمبر القادم وهو أمر ينذر بالمزيد من الكوارث في محاذاة النيل وفي مناطق الأمطار التي اتسعت رقعتها هذا العام، الواجب رفع درجة الحذر، وتعميم نشرات الإنذار المبكر، والرصد المتواصل للتوقعات الجوية، والقراءة الدقيقة واليومية لمحابس نهر النيل وروافده في كل المناطق، وتجهيز أكبر قدر من الآليات والوقود لتلافي آثار وأضرار الفيضان، كما ينبغي الإسراع في تقديم يد العون لكل المتضررين وإعداد الكساء والغذاء والدواء لأولئك المنكوبين.

▪︎ تباطؤ التحرك الحكومي والأهلي والدولي تجاه المنكوبين جراء كوارث الخريف يفاقم الأزمة ويزيد مضاعفاتها لاحقا، وهو ما سينهك كاهل الدولة والمجتمع في مقبل الأيام، لذلك واجبنا جميعا الاضطلاع بالدور الإنساني المنظور و (النفير) العاجل لنجدة الوطن وأهله المنكوبين، وليسارع كل منا في مجاله حتى تنتظم قوافل صحية وإغاثية وتعلمية وشعبية ورسمية، ولنجعل من هذه المحنة منحة لأهلنا في كل المناطق المتأثرة بالأمطار والسيول والفيضانات.

________
@orwaalsadig