● تسبب نظام ٣٠ يونيو ١٩٨٩م في تبديد أصول البلاد الاقتصادية وتدمير بناها التحتية ما ألحق ضررا بالغا في قطاعات عدة، أكثرها تأثيرا قطاع النقل الذي تأثر ببيع الخطوط الجوية وخط هيثرو وتدمير أطول خط سكك حديد في القارة، وخصخصة الخطوط البحرية السودانية والعبث بالنقل النهري للدولة الذي يربط شمالها بجنوبها في أطول المجاري والمحطات المائية الأفريقية ما تسبب في ضيق مواعين النقل النهري والسكة الحديدية وانعدام الطائرات والسفن الوطنية.
● عكفت حكومة الفترة الانتقالية على ملاحقة تلك الأصول الثابتة والمنقولة وتتبع إجراءات تمليكها للغير، الأمر الذي قاد إلى العثور على عمليات فساد تقف عليها مؤسسات وشركات وأفراد بعضهم من السودان وآخرين أجانب، وفور استرداد تلك الأصول واستخلاصها من جماعات تدمير الإقتصاد الوطني شرعت الحكومة في وضع مشروع لتجديد السكك الحديدية والخطوط البحرية والنقل الجوي والنقل النهري، كل ذلك كان غاية منتهاه تطوير قطاع النقل.
● فيما يخص النقل النهري وجدت لجنة التفكيك أن أصوله قد تم الاستحواذ عليها لصالح شركة لا سجل وطني لها ولا أجنبي، امتلكت جميع أصوله بموجب عقود مجحفة وصفقات فاسدة، وقد أودع النائب العام لجمهورية السودان وقتئذ توصية بضرورة اتخاذ قرار باسترداد أصول هذا القطاع المنقولة والثابت والأرصدة، الأمر الذي عنى للبلاد والعاملين في النقل النهري استعادة شريان من شرايين الحياة ورحبوا به غاية الترحيب وأكدوا على الفوائد التشغيلية والاقتصادية التي تحققت من خلال استخدام النقل النهري، واستعادة أصوله وتشغيله.
● تدفقت عمليات الترحيل لدولة جنوب السودان بعقود تدر على البلاد ملايين الدولارات جراء نقل الأدوية والأغذية والوقود، الأمر الذي شمل التأثير على إمدادات الزراعة والصناعة في البلدين ونقل المواد الخام والتقاوى والمحاصيل والأسماك والمواد السمية لمكافحة الآفات من وإلى البلدين.
● كما أدى تشغيل هذا القطاع واسترداد أصوله إلى الانتعاش تجاريا وبصورة رسمية الأمر الذي أدى لتقليل عمليات التهربب للسلع الاستراتيجية ونشاط التجارة الحدودية الرسمية بين البلدين ما انعكس على تجديد وتوطيد الصلات مع جوبا وملكال، ناهيك عن الآثار الاقتصادية التي كانت مترتبة على هذا العزل، فقد كانت هائلة ومدمرة لنمو القطاع، وأعاقت التطور في البلدين.
● وقد وفرت عمليات النقل النهري الكثير من الوقود والتكاليف وقطع الغيار، والمحروقات لأنها أرخص كثيرا من العمليات الجوية والبرية، وتعتبر وسيلة أكثر فعالية فيما يتعلق بالنقل، في ضوء انعدام البنى التحتية للطرق البرية المناسبة بين السودان وجنوب السودان.
● وقد مثلت عودة النقل النهري فرصة للاستفادة من الأسطول الموجود في نقل الإغاثة التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي لدولة جنوب السودان، إذ تعاقدت الحكومة السودانية مع الأمم المتحدة لنقل المواد الغذائية والإغاثية التي توفرها الأمم المتحدة لدولة الجنوب ما يحقق مكاسب مادية للبلدين، ويكفل تيسير وصول الطواقم الأممية والعاملين في مجال تقديم المساعدات الإنسانية وإيصال الإمدادات الجديدة بصورة مستمرة ومتواصلة لا تتأثر بأي ظرف من الظروف الطبيعية أو المناخية.
● كما أن عددا من المشروعات الاستراتيجية في الجنوب وخصوصا شركات النفط تعتمد في ترحيل المعدات والأدوات والمواد الخام على أسطول السودان النهري، الأمر الذي يحقق أحد أهم الموارد المالية بالنقد الأجنبي للاقتصاد السوداني، ويسهم في تسريع عمليات التطور ونقل معينات تشييد المشاريع الاستراتيجية في دولة الجنوب.
● وقد ساهم تشغيل النقل النهري في تطوير المجاري المائية الداخلية وتوفير أعلى درجات الأمان للناقلين، بحيث ازدادت المحطات التشغيلية على طول المجرى المائي الأمر الذي أدخل قطاعات عمالية جديدة في كافة عمليات النقل من تقنيين، وميكنة، وتشغيل، وعمال، وكلات شحن وتفريغ، ومرافق خدمية تشغل الآلاف على طول مجرى النيل الأبيض من البلدين.
● ختاما: إن محاولات إرجاع تلك الأصول لعامل اللحام المصري يسري فاضل ليبيعها بدوره كخرده لصهرها، ما هي إلا محاولة لتصفير جهود الحكومة الانتقالية في تطوير قطاع النقل والتي عكف عليها الوزيرين السيدين هاشم ابن عوف وميرغي موسى، ما يعني تدمير البلاد وبنيته التحتية، وإرجاعه إلى عهود العزلة الإقليمية والارتهان للخارج، وهو محاولات لتمكيل أسطول النقل البري المصري للوصول من أقصى شمال البلاد إلى جنوبها للتحكم استراتيجيا في مدخلات انتاج البلدين، لأن هذا سيقطع الطريق أمام اتفاقات تعاون إقليمي ودولي في مجال الأمن المائي والعلوم والتكنولوجيا والطاقة والنقل النهري وصيد الأسماك عكف الوزيران على تطويرها، وهو ما سيوقف تسريع التكامل السياسي والاقتصادي بين بلدينا التوأم السودان وجنوب السودان، وربما أدى ذلك لانتعاش التجارة السوداء خارج الاطر الرسمية وتوفير فرص التهريب والتهرب الضريبي وتمكين جماعات مجهولة من السيطرة على التجارة الحدودية وقطع الغوث الإنساني الدولي لجنوب السودان، وهو ما سيدفع دولة الجنوب لاتخاذ طرق ومعابر ووسائل لا صلة لها بالسودان، حينها سيخسر السودان ريعان ماديا وعمقا استراتيجيا وجوارا أخويا.