(١) مقدمة
● في 6 يناير من 2020م وقّع وزراء خارجية الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن ميثاقَ تأسيس منظمة جديدة في الرياض هدفها تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين تلك الدول، وقد أتت هذه الخطوة لأنه لم يعد البحر الأحمر مجرد مجرى مائي يصل بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، وإنما أصبح منطقة اقتصادية واعدة يمكنها أن تجعل عملياً خطوط المنتصف البحري بين الدول المتشاطئة جسور عبور بينها.
● ومنذ ذلك التاريخ تم إقرار عقد هذه القمة التي تضم ثماني دول عربية وإفريقية هي: السودان والسعودية والأردن واليمن وإريتريا والصومال ومصر وجيبوتي، ويأتي هذا المؤتمر لرفض أي محاولات تستهدف تدويل منطقة البحر الأحمر، وتعزيز التعاون العربي الأفريقي لتحقيق الأمن في البحر الأحمر وخليج عدن، أخذا في الاعتبار لمسؤولية الدول المتشاطئة على البحر الأحمر في تأمين سواحلها، وسبل مواجهة التهديدات التي تواجه الدول الثمان في ظل توجه قوى دولية وإقليمية إلى ترسيخ نفوذها في منطقة القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر.
كما أن هناك شواغل تؤرق دول المنطقة أهمها الحرب في اليمن ورغبة المملكة استئناف أنشطتها التنموية في ساحل البحر الأحمر كمدينة نيوم، الأمر الذي يتطلب إحكام التعاون الأمني بين الدول، وهناك التدخل الروسي في السودان الذي مثل كابوسا مؤرقا للغرب وحلفائه في المنطقة، تسعى جميع هذه الدول لتحجيمه، فضلا عن الرغبة الشديدة في الاستحواز على المواني خصوصا شرقي السودان وجيبوتي وموانئ اليمن.
(٢) موقع السودان
● موقع السودان وحدود الممتدة مع سبع دول وهي: مصر وليبيا من ناحية الشمال ودولة جنوب السودان من ناحية الجنوب وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى من ناحية الغرب وإثيوبيا وإريتريا من ناحية الشرق يجعله أهم دول البحر الأحمر المشاطئة للجارة السابعة المملكة العربية السعودية، وينظر الجميع للسودان بأنه مكان استراتيجي أفريقي وعربي في آن واحد، فهو العمق الاستراتيجي لمصر مائيا وغذائيا وأمنيا، والجناح الغربي للمملكة العربية السعودية، وهو بوابة أفريقيا للعرب وبوابة الأفارقة للشمال والشرق، وأهميته لأمن البحر الأحمر لا ينازع فيها بحكم موقعه الجيوسياسي.
● هذا الموقع المميز على البحر للأحمر ظل محفزا لأطماع كثير من الدول للدخول في شراكات استراتيجية على سواحل البحر الأحمر، وقد وقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس المخلوع عمر البشير، أثناء زيارته إلى السودان 13 اتّفاقاً شمل عدد من المشروعات أهمها منطقة تجارة حرّة في بورتسودان، وميناء وحوضاً للسفن العسكريّة والمدنيّة في البحر الأحمر، ومخازن للحبوب في مواقع مختلفة، وجامعة ومستشفى ومحطّات للطاقة الكهربائيّة، فضلا عن ترميم بعض المواقع الأثرية وإعادة إعمار جزيرة سواكن التاريخية على الساحل.
(٣) التهديدات المحلية والإقليمية والدولية
● يعد العنف والإرهاب والتطرف أكبر المهددات على ساحل البحر الأحمر وفي دوله، وظلت الضرورة ملحة لتعيين منسقين مختصين من تلك الدول لمتابعة أعمال وأنشطة جماعات مسلحة تنشط في البحر الأحمر وتهدد ضمان حرية وسلامة الملاحة فيه، كما أن الخطر البيئي ظل من شواغل تلك الدول ما جعلها تراقب التهديدات البيئية المحدقة بمياهه وحياته المائية، الأمر الذي يعد مسألة على درجة كبيرة من الأهمية لكافة دول المنطقة والعالم والإقليم، التزاما بالبروتوكول المتعلق بحماية البيئة البحرية من أنشطة برية في البحر الأحمر وخليج عدن، الموقع في بجده 1982م، والمعتمد في سبتمبر 2005م.
● وقد مثل كابوس الهجرة غير المنتظمة خطرا أمميا ومهددا أمنيا للدول من حدود جنوب إفريقيا والمكسيك، إلى شواطئ ماليزيا وإندونيسيا وأوروبا، ومن ليبيا إلى ناورو وصولا لشواطئ البحر الأحمر، وما تشهد به تقارير طواقم أطباء بلا حدود الطبية على القسوة التي تنطوي عليها سياسات الهجرة الحالية في هذه الدول، وهو أمر يجعل هذه الدول أمام أكبر تحدياتها، فبعضها دول تصدر الهجرة وأخرى معابر وأخيرا مستقبلة للمهاجرين.
(٤) الجزر والنزاعات
● في البحر الأحمر عشرات الجزر المهمة والاستراتيجية والتي مثلت واحدة من نقاط النزاع بين الدول، غالبيتها تقعل على سواحل المملكة، كما أن جزء كبير من هذه الجزر تشكل ما يشبه الأرخبيل بمحاذاة الشاطئ اليمني، وأبرز تلك الجزر في أرخبيل الزبير، في سلسلة صغيرة من الجزر البركانية، التي تملكها اليمن، والتي ارتفعت من البحر الأحمر بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية.
● وتنتشر مجموعة الجزر اليمنية في المياه الإقليمية لليمن في البحر الأحمر وخليج عدن ولها مناخها وطقسها وبيئتها الخاصة، ولها تضاريسها وتكويناتها الطبيعية وتتركز أكثرها في البحر الأحمر موزعة على محاذاة الشاطئ اليمني أهمها وأكبرها جزيرة كمران المأهولة بالسكان وبعض الحيوانات البرية النادرة بالإضافة إلى أرخبيل حنيش، والذي يعرف أيضا بحنيش - زكار الإريتري الأمر الذي قاد لخلاف يين إريتريا واليمن في 1996م نُزع فتيل الصراع بينهما بالتوصل إلى تفاهم متبادل، حول حل النزاع على الأرخبيل بالوسائل السلمية عن طريق التحكيم في ديسمبر 1999م.
● وفي السودان أهم الجزر التي يدور الحديث حول استثمارها جزيرة سنقنيب وجزيرة الريح وجزر تلا تلا وجزر بار موسي وأرخبيل جزر سواكن وأخيرا جزيرة مقريسم التي يسميها البعض قلب العالم، فيما مثلت جزيرتا صنافير وتيران نموذجا للخلاف البيني بين الدول على الجزر البحرية واتسم حله بالهدوء بين مصر والمملكة العربية السعودي، وتحتفظ مصر الآن بجزر الزبرجد نواحي ساحل برنيس و الجفتونين الكبير والصغير بالغردقة وأبو منقار وشدوان والفنادير.
(٥) الصيد والقرصنة والإرهاب
● يمثل الصيد البحري النشاط الرئيسي في جميع البحار الإقليمية الثلاثة والبحر الأحمر يمثل أهم تلك البحار، إذ تشكل سواحله أخطر وأهم حواضن وأماكن تواجد الممارسين للصيد، ويمارس هؤلاء العمال مهنا في ظاهرها بسيطة كالصيد البحري والتجارة ولكنها تمثل في بهض الأحيان غطاء لأنشطة خارجة عن القانون ومهددة للأمن القومي للدول والإقليمي للمنطقة والدولي للعالم كالاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والممنوعات.
● ولقد مثلت قضايا القرصنة والإرهاب أهم مؤرقات دول البحر الأحمر، فإلى جانب الإرهاب البري، هناك إرهاب من نوع آخر يهدد الملاحة والتجارة العالمية، يرتكبه قراصنة البحر في المحيط الهندي والبحر الأحمر - ذلك الخطر الذي يمارسه القراصنة وتسانــده الحركات المتطرفــة في العالم، وقد شكل أكبر مخاطر تلك الدول، ما دعا الأمم المتحدة إلى القيام باستجابة شاملة وفعالة لمشكلة القرصنة في البحر الأحمر خصوصا قبالة سواحل الصومال إلى وقت قريب.
(٦) دول غير متشاطئة ولكنها تتأثر بالبحر الأحمر
● وهناك دول غير مشاطئة للبحر الأحمر الا أنه يمثل بالنسبة لها شريان حياة فقد اعتمدت إثيوبيا على جيبوتي للوصول إلى البحر الأحمر منذ استقلال إريتريا، ويمثل السودان المنفذ البحري لدولة تشاد والذي يتحكم في وارداتها المحلية بصورة كبيرة.
● وقد تدخلت في شأن البحر الأحمر دوله كدولة الإمارات العربية المتحدة التي تقع في المنطقة المدارية الجافة التي تمتد عبر آسيا وشمال أفريقيا وتخضع في الوقت نفسه لتأثيرات المحيط لوقوعها على ساحلي الخليج العربي وخليج عمان الذي يتصل بالبحر الأحمر عن طريق باب المندب، وتعتبره عمقا استراتيجيا بالنسبة لها ولحركة السفن من موانيها.
● وقبل انفصال السودان وحتى الآن تمثل موانئ شرق السودان هي المنفذ الأهم لصادرات وواردات دولة جنوب السودان، خصوصا الصادرات النفطية التي تنساب عبر أنبوب يمتد من حقول الانتاج وصولا لميناء بشاير في شرقي السودان، وكذلك الأمر لإفريقيا الوسطى التي تردها كثير من الصادرات عبر موانيه ليتم إدخالها بالطرق البرية، فصارت الإمارات وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى من المتأثرين بما يجري في البحر الأحمر.
(٧) الثروات
● تظل ثروات البحر الأحمر أكبر دوافع التسابق الدولي والتنافس الإقليمي وواحدة من أسباب نشوب النزاعات بين الدول، وظلت الأمم المتحدة على الدوام تؤكد أن لكل دولة سيادة دائمة كاملة تمارسها بحرية على كل ثرواتها ومواردها الطبيعية وأنشطتها الاقتصادية، في الوقت الذي يتأثر الناتج القومي العام في تلك الدول بالانتاج الصناعي والزراعي والثروة البحرية وتتأرجح المعاملات المالية والمصرفية تبعا للاستفادة من تلك الثروات في باطن البحر الأحمر وعلى سواحله، ويعلم الجميع مدى التردي الاقتصادي في السودان نتيجة حدوث خسائر فادحة نجمت عن تعطل العمليات التجارية في موانيه بالبحر الأحمر بسبب الاضطرابات التي شهدتها البلاد.
● ولأن البحر الأحمر ليس بحراً محاطاً باليابسة على امتداده طويل جدا وبه مرابط طبيعية وعميقة تستغلها السفن، بل يمثل واحدا من أهم مستودعات التنوع البيولوجي في العالم، وهو محط ثراء اقتصادي وثقافـــي ومهد تلاقي دينـــي، وذاخر فـــي تنوعه الاجتماعي، وبه عدد مقدر من الثروات والمعادن والغاز، ويعد من أكثر البحار ثراء بالأحياء والحيوانات البحرية والشعاب المرجانية، ومحاط بتيارات تحتوي وتغلف هذه الثروة من الطحالب التي تنمو وتتكتل فيه، وهو البحر الذي يؤمن في كل الفصول ثروة من العوالق النباتية والأسماك الصدفية التي تشكل داعما أساسيا ولو لفترات قصيرة ونظاماً اقتصادياً مهما للمجتمعات المحلية في تلك الشواطئ القريبة.
● وهناك ثروات البحر الأحمر المعروفة بـ«أتلانتس2»، أو (كنز البحر الأحمر) والمقدرة عائداته، بعد انطلاقة المشروع التي كانت مقررة في عام 2020م، بنحو 20 مليار دولار. وتُقدر الثروات المعدنية داخل المشروع الواقع في أعمال البحر الأحمر في المنطقة المشتركة بين السودان والسعودية، بنحو 47 طنا من الذهب٬ ومليوني طن من الزنك٬ و500 ألف طن من النحاس٬ و3 آلاف طن من المنغنيز٬ و3 آلاف طن من الفضة٬ إلى جانب معادن أخرى، وهو الملف الذي ظل أحد ألغاز العلاقة بين البلدين إلى أن تتبعته لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو قبيل الإنقلاب في ٢٥ أكتوبر بشهرين وقطع الطريق أمام استكماله.
(٨) الموانئ
● تعد الموانيء أهم المرافق الخاصة بنقل وشحن البضائع والسلع والنفط والحيوانات وبخاصة موانينا التي تقع على سواحل الدول الثمانية، إذ يمنع للحيوان الدخول لكثير من دول العالم إلا من خلال بعض المطارات أو الموانئ البحرية، الأمر الذي يتسق تماما مع الإنتاج الحيواني الكبير في بلد كالسودان، ويؤكد على ضرورة الإهتمام بموانيه، فيما تأتي أهمية قصوى بالموانئ والمرابط وورش للصيانة كالتي في قناة السويس.
● ولقد شهدت موانئ كميناء العقبة الأردني خلال الخمسة عقود الماضية تطورا مضطردا ليصبح أحد الموانئ الرئيسية في منطقة البحر الأحمر، كذلك مواني ساحل البحر الأحمر خصوصا تلك المتعلقة بتصدير النفط ومشتقاته والتي تمثل شركة أرامكو واحدة من أهم الشركات العاملة في تطوير المواني بجانب عملها النفطي، كما أن ميناء القنفذة كان من الموانئ المهمة على ساحل البحر الأحمر حيث ساهم باستمرار في استقبال السفن الكبيرة المحملة بحاصلات اليمن والشام قبل أن تندلع الحرب في كليهما.
● وما يؤسف له الدمار الذي لحق بموانئ استراتيجية في المنطقة كالتي حدثت باليمن وصار بعضها عبارة عن موانئ عسكرية، وتأثرت بالتدخلات الإقليمية والدولية وصارت واحدة من مهددات الملاحة والتجارة الإقليمية و العالمية، وذلك لأن جميع عمليات الشحن والنقل البدائية حول العالم تتأثر بمواني البحر الأحمر إذ تمثل شريكا استراتيجيا للشحن من الصين شرقا إلى هامبورغ غربا وصولا لأي نقطة في أنحاء العالم، كما تشكل موانئ البحر الأحمر نقطة مهمة لتقديم الخدمات البحرية والصيانة للسفن.
● ولأن المواني تمثل واحدة من أخطر نوافذ انتقال عدوى الأمراض والأوبئة حول العالم للإنسان والحيوان على حد سواء نجد أنه في عام 2010م صدر إعلان جيبوتي بشأن الحركة والهجرة والسكان على امتداد موانئ البحر الأحمر وخليج عدن إزاء فيروس نقص المناعة البشرية، وهو الإعلان الذي حظي بدعم واسع من دول المنطقة المنطقة، واليوم نشهد أوبئة ككوفيد، وجدري القرود، والحمى النزفية بالنسبة للحيوانات، وهو ما يوجب تعزيز أوجه الرعاية الصحية والبيطرية في تلك الموانئ.
(٩) أمن البحر الأحمر
● كل ما في هذه الدول الثمانية من ثروات وثورات وإضطرابات وحروب يجعل أولويتنا الأولى تأمين سواحلنا وإحكام السيطرة عليها وحماية الموانئ البحرية، وتعزيز الحصون والدفاعات البحرية، كما أنتا ملزمين بحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية ومنع انتشار المواد الكيميائية الخطرة، فقد أفادت التقارير عن تلوث البحر الأحمر من الأنشطة الزراعية عند خليج السويس في مصر، والسودان واليمن والصومال.
● وبالتأكيد أن أي دولة عظيمة ذات عزيمة تستحق قوة بحرية استراتيجبة قوية مهنية منضبطة ومدربة، لأن هذه الثروات في البحر الأحمر يراها البعض غير معقولة ومحفزة للأطماع والتدخلات والقرصنة الدولية وزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي.
● مع أن البحر الأحمر شهد اضطرابات شديدة متأثرا بالنزاعات في الصومال واليمن إلا أنه ظل بلا استشارات أمنية أو شراكات استراتيجية على طول سواحل دوله، الأمر الذي تسبب في تسرب كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والألغام البحرية والمخدرات وتهريب الآثار والثروات.
● هذا التعاون إن قدر له النجاح سيعزز قدرات الدول في تنفيذ خططها الإنمائية، وبناء قدراتها الأمنية لمكافحة الإرهاب، وحماية موانيها والممرات البحرية في خليج عدن ومجرى وسواحل البحر الأحمر من القرصنة البحرية، بالإضافة إلى حماية الحدود البحرية والبرية.
● وينبغي لهذه البلدان أن تستحدث استراتيجيات متخصّصة قائمة على مكافحة الإرهاب ومنع التهريب البحري، وتنفيذ العمليات البحرية، بما في ذلك استحداث قوة استخبارات بحرية، لأجل رصد حركة السفن، وكذلك تبادل تلك المعلومات مع الحكومات الأخرى، فنحن نرى في تاريخنا الطويل أن كافة الدول التي استعمرت العالم تحركت عبر أساطيلها وقواتها البحرية.
● ونرى اليوم أن المكتب الوطني للاستخبارات البحرية ومجلس الأمن البحري في الولايات المتحدة الأمريكية من أهم المكاتب الدفاعية المتقدمة، وأن أبرز ضابط فيها هو رئيس العمليات البحرية (CNO)، وهو أميرال من فئة الأربع نجوم، يتبع لوزير البحرية مُباشرةً ويُسأل أمامه، ألا يوجب هذا الإهتمام بالقوات البحرية ومنحها وضعا خاصا في أسلحة الدول؟؟؟.
● إن ضباط الاستخبارات الذين عملوا في أسلحة البحرية سابقا، كنز ثمين ينبغي المحافظة عليهم والاسترشاد بهم، فمنهم من يمتلك ثروة من المعلومات السرية لا تقدر بثمن ومنهم من كان يرأس واحدة من أهم الأجهزة الأمنية في سواحل المنطقة، لا ينبغي أن يتسربوا إلى مناطق أخرى.
(١٠) الأوضاع الداخلية في المدن الشرقية السودانية
● في شرق السودان رغم ما ذكرنا من ذخائر وكنوز وثروات، إلا أن السكان في ولايات البحر الأحمر وجارتيها كسلا والقضارف يئنون تحت وطأة الأزمات والكوارث الطبيعية وانعدام الأمن الغذائي المزمن والفقر، فضلا عن التوترات بين عناصر المجتمعات المحلية، ما يسبب حالة من الزعزعة على البحر الأحمر ويسبب انعدام الأمن بشكل مستمر.
● وقد عانى الإقليم الشرقي للسودان من التهميش الاقتصادي والسياسي لسنوات طويلة، وهو ما أدى إلى انتشار الفقر على نحو واسع، الأمر الذي خلف كوارث وأزمات إنسانية، ورغم محاولات الحكومة الانتقالية بتوفير دعم مباشر لكل ولايات الشرق ودعم عيني وغذائي للأطفال والنساء الحوامل في الشرق، إلا أن الفجوة كانت أكبر بكثير من قدرات السودان، الأمر الذي استدعى تدخل إقليمي ودولي، وقد تابعت تدخلات إنسانية من أوكسفام بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، في تلال البحر الأحمر في السودان، وبعض المحاولات القطرية والكويتية برعاية سفراء تلك الدول.
● وقد كانت اليونيدو بالتعاون مع معهد البحوث البحرية النرويجي تسعى لتقديم المساعدة التقنية والفنية بغرض تقييم حالة الموارد البحرية المتجدِّدة في ولاية البحر الأحمر في السودان، للاستفادة منها في تنفيذ مشاريع لتحسين سبل كسب العيش والأمن الغذائي للسكان في مجتمعات تمتد من السواحل الجنوبية حتى تلال حلايب وما حولها من مناطق شمالا.
● ورأينا أيضا التدخلات بغية رفع القدرات وتوفير الإمكانات الاقتصادية للمجتمعات المحلية التي تعتمد على صيد الأسماك، لتُنفذ اليونيدو مشروعاً مهما يقوم على التدريب وتحديث مصائد الأسماك الحرفية وإيجاد فرص تسويق جديدة في ولاية البحر الأحمر، الأمر الذي يدفع قادة هذه الدول لإلقاء نظرة على الجوانب الاجتماعية - الاقتصادية المتصلة بإدارة الأزمات والكوارث الإنسانية للمجتمعات المحلية وما يمكنها عمله.
(١١) اليهود وإسرائيل في البحر الأحمر
● لا يمثل البحر الأحمر بالنسبة ليهود العالم مجرد مجرى نُحت في تضاريس الكون، بل يرون فيه القرية التي كانت حاضرة البحر، ويذكرون عنده أهل المدينة التي كانت قريبة من البحر بين مدين وجبل الطور، تلك الأماكن التي تعدوا فيها على حدود الله، وتجاوزوها يوم السبت الذي يعظمونه، ولا يعملون فيه ويخصوصونه للعبادة.
● كما أن شق هذا البحر على يد نبي الله موسى عليه السلام، ظل الآية العظمى التي تعتمل دواخلهم بها وتمجدها عقائدهم، ونشاركهم نحن المسلمون الإيمان بحقيقتها، ولكن إسرائيل ككيان ودولة وتنظيمات سياسية وأجهزة أمنية تستغل هذه الموروثات العقائدية لتبرر بها التدخل في البحر الأحمر وشؤون الدول المشاطئة فيه بدءا من الصراع التاريخي مع مصر حول سيناء.
● لذلك نجد أن لإسرائيل تحركات عسكرية وأمنية كثيفة في البحر الأحمر بعضها دون علم هذه الدول الثمانية، وظلت تعتدي على الحدود السودانية وتنفيذ ضرباتها الجوية في مدن ساحلية على البحر الأحمر دون رقيب أو مساءلة إقليمية أو دولية.
● وهو ما يجعل بالضرورة أن تكون المسؤولية الرئيسية عن أمن البحر الأحمر تقع على عاتق الدول العربية والإفريقية المطلة عليه، وأن أي تهاون فيه سيحفز إسرائيل وغيرها لمد يدها في العمق الإقليمي لتلك الدول والعبث داخل مياهها وسمائها وأراضيها.
(١٢) توصيات
● ختاما: إن هذه القمة الجداوية لا يقع على عاتقها تحقيق الأمن والاستقرار السياسي لدول المنطقة فقط، أو العمل على حماية أجندة بعض الدول التنموية والاقتصادية، ولكنها معنية بعدد من الملفات التي تهم الشعوب قبل الحكام أهمها:
١. استلهام تاريخ الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي على دول ساحل البحر الأحمر، وجعله منصة انطلاق يشبه جمال رواشين جدة ونقاء مياه ثغر السودان الباسم في بورتسودان، ويحمل في طياته عبق وعراقة باب المندب.
٢. التأكيد للعالم أن هذه المدن الساحلية على البحر الأحمر تمثل الفرصة الاقتصادية الذهبية لدول الإقليم والمنطقة والعالم، لأنها لا تقع في موقع توافر المواد الخام والمعادن والمواشي والغاز وإنتاج المحاصيل ومصدر العمالة الزائدة فحسب، ولكنها أيضًا تقع بمحاذاة أهم طريق شحن ونقل دولي على البحر الأحمر.
٣. ضرورة رسم مشروع استراتيجي متكامل لهذه الدول، سياسيا واقتصاديا واكاديميا وامنيا، ويشمل تطوير مناطق اقتصادية خاصة على طول ساحل البحر الأحمر، ومراكز أمنية تحد من خطورة النزعات الإجرامية والإرهابية وتعنى بحفظ واستغلال الثروات البحرية في البحر الأحمر على أكمل وجه.
٤. العمل بصورة عاجلة على إصلاح وتحديث الموانئ البحرية مما ييسر نقل الأشخاص والسلع والنفط والغاز والمواشي وتسهيل الاستخدام للأنشطة المدنية، وتعزيز قدراتها العملياتية والأمنية لتقليل أطماع الدول الزاحفة نحو الهيمنة والإطباق على سواحل البحر الأحمر.
٥. العمل على إقامة آليات مشتركة بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر لتعزيز أمن وسلامة الملاحة فيه، ومواجهة أي احتمالات لانتقال ظاهرة القرصنة إليه، وتشكيل لجان متخصصة لوضع آليات فعالة في هذا الشأن وفي أسرع وقت لأن القراصنة ما زالوا قادرين على العمل والانتقال من وإلى باب المندب والطرف الجنوبي من البحر الأحمر خلال فترة الرياح الموسمية والمغامرة بالوصول إلى جزر المالديف عندما يكون الطقس مواتيا.
٦. ينبغي أن تؤكد جميع تلك الدول التزامها بحماية مياهها الإقليمية واستعدادها للتعاون مع الدول المعنية لتثبيت الأمن والاستقرار في منطقة خليج عدن والبحر الأحمر ومنع أي تحركات معادية لأي من الدول الثمانية عبر أراضيها.
٧. لقد كشفت وثائق بنما عن أشاء كثيرة وخطيرة حول الثروات البحرية، لكن أحدث مجموعة من التسريبات تلك التي تشير إلى حالات التهريب والإستغلال غير العادل لتلك الثروات الأمر الذي يوجب إعمال الشفافية، وتمكين الشعوب قبل الحكومات من معلومات تلك الثروات المستغلة.
٨. عدم السماح لأي من الدول ارتكاب انتهاكات لحظر توريد الأسلحة عبر وسائط نقل وطرق وموانئ بحرية لتستغل في العدوان وممارسة أنشطة إرهابية ومدمرة للمنطقة.
٩. ضررورة النظر في إمكانية إقامة مناطق اقتصادية حرة معفاة من الضرائب في الموانئ البحرية وإنشاء هذه المناطق في أماكن مستحدثة وجديدة لم يتم القيام فيها بذلك من قبل للإسهام في تنمية الدول.
١٠. على جميع هذه الدول الحرص على عدم تلوث الحوض ومراعاة التخلص من بقايا المواد الكيميائية، وألا يتم التخلص منها إلا عن طريق التعاون مع هيئات إقليمية لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية، بالتعاون مع المؤسسات الدولية المختصة، وذلك للمحافظة على البيئة الصحية وبمعدات مجهزة لهذا الشأن.
١١. الشكوى مستمرة من رواد المناخ والجمعيات البيئية من ارتفاع درجات الحرارة في مياه البحر الأحمر بفعل التلوث وانبعاث الغازات الدفيئة الأمر الذي يهدد الحياة المائية الذاخرة فيه، وهو ما يتطلب إهتمام هذه الدول بالشأن المناخي وترفع توصياتها للقمة الدولية القادمة للمناخ المنعقدة في مصر.
١٢. معظم هذه الدول لم تعلن عن مناطق صيد الأسماك ولا مناطق اقتصادية خالصة، الأمر الذي لا يعطي إحصاءات حقيقية حول الصيد، وكذلك السماح للسفن البحرية بصيد الأسماك النادرة، ما أدى إلى أضرار بالغة باقتصاد دول الإقليم وبخطتها لحفظ الثروة البحرية.
١٣. على هذه الدول التأكيد على الأحكام الدولية اللاحقة أو السابقة في حال نشوب خلاف حدودي بينها، كالذي أعلنت عنه محكمة التحكيم المشكلة للفصل في مسألة السيادة اقليمية للجزر الواقعة في البحر الأحمر وترسيم خط الحدود البحرية الدولية بين اليمن وإريتريا في ديسمبر ١٩٩٩م بلندن.
١٤. ينبغي التأكيد على أن حكومة السودان ممثلة في هذه القمة بحكم الأمر الواقع، وأن من يمثلها هم قيادة سلطة انقلبت على الحكم في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، ومجمدة العضوية في الاتحاد الإفريقي ولا تحظى بقبول الشعب السوداني، الأمر الذي يتطلب دعم تلك الدول لاستقرار السودان واستعادة الاستقرار فيه وفي اليمن السعيد.
٨ سبتمبر ٢٠٢٢م