(١)
● راج لأيام خلت تسريب لمستند ممهور بتوقيع قائد الانقلاب قضى بمصادرة أملاك الحزب المحلول وأيلولتها لحكومة السودان، بغض النظر عن صحة المستند أو عدمه، في المعارك السياسية تستخدم التسريبات المتلاحقة لإرباك المشهد السياسي ولخلط الأوراق، وحينما يتم التسريب من مكتب رئيس مجلس السيادة أو الامانة العامة للمجلس أو غيره من المرافق والمؤسسات قد يعني ذلك أن هناك شخصًا قرر تسريب موقف أو أذن بنشر قرار أو مستند.
● ويترتب عليه رد فعل معين من القوى السياسية المتعجلة أو انفعال شعبوي تلقائي ينصرف أصحابه من مشاغلهم الرئيسية ليلتهوا بما يتم وضعه أمامهم من معلومات وما يغرقوا به من مجموعة المستندات التي بعضها يكون كرت ابتزاز سياسي لتيار أو كيان أو وسيلة لاستدرار العطف أو استمالة الخصوم، وربما في بعض الأحيان تكون فقاعات إختبار لرد الفعل المحتمل، وفي السودان منصات وغرف رسمية وأمنية وعشوائية امتهنت تزوير الوثائق وتلفيق الآراء وتزييف الحقائق وهو ما يستدعي الحرص على فحص كى شيء بعين الدقة المتناهية.
● امتهن البرهان ومستشاروه لعب هذه اللعبة من حين لآخر، وتساندهم لذلك شبكات إعلام وصفحات وصحف وإعلاميين يمارسون نشاطهم من عوامات نيلية في ضفاف النيل الأزرق، تتلقف تلك الإشاعات منظومة إعلامية إقليمية ودولية ومحلية تعتمد في نشرها على تطابق المصادر المفتوحة دون الاستيثاق من صحة تلك المعلومات، وهو ما يسهل ارتجاع الصدى للأخبار المضروبة من صفحات موثوقة (كرويترز ومومنتي كارلو والعربية والجزيرة وغيرها)، وهو ما ينبيء بخطر شديد يرقى لتهديد الحياة العامة والاستقرار ويمكن أن ينسف السلم والأمن في منطقة ما بهذا المنطق المعطوب( حرب الإشاعات).
(٢)
● ولإقحام القوى السياسبة ولجان المقاومة والكتل المدنية في حروب بينية، نشطت أيضا تسريبات متعمدة تحت ما يسمى (مصدر مطلع فضل حجب اسمه) لتسعير الخلاف وتصعيد الشقة بين مكونات المجتمع السوداني وقواه الحية وفيما بينها، فقد أشيع رفض الحرية والتغيير لميثاق تأسيس سلطة الشعب، كما تم الترويج لرفض حزب الأمة القومي عدد من الأشخاص قي الحكومة الحالية ورضاه عن البعض الآخر بقصد الوقيعة بينه وبين كياناتهم، ومعلوم أن الحزب ليس ضد شخص وإنما يقف مع الحرية والتغيير وجماهير الشعب السوداني وقواه الحية وتنسيقيات المقاومة ومجموعاته المهنية ضد نظام إنقلابي كامل يتحصن فيه أردول ومناوي وجبريل وغيرهم بإجراءات إنقلابية هم من مؤيديها وأحد منظومتها.
● وجميع من ذكرتهم من القوى الحية يطالبون ليس بإسقاط (زيد أو عمر) فحسب بل بإسقاط المنظومة الإنقلابية وترتيب نظام انتقالي بمهام محددة ليس من الأولوية تحديد أشخاصه وإنما رسمت ملامحهم بأنه كفاءات مستقلة تقود ما تبقى من الفترة الانتقالية لتحقيق الانتخابات الحرة والشفافة والنزيهة في نهايتها، إذا المطالبة ليست بإقالة شخص أو موظف في سكرتارية الانقلاب أو حتى برهان وإنما كل المنظومة الإنقلابية أشخاص وسياسات وإجراءات وقرارات ينبغي أن تذهب إلى غير رجعة.
(٣)
● كما راجت حملة احتجاجية تم تصميمها باحترافية عن السيد حاكم إقليم دارفور وسفراته الخارجية دون علم وزارة الخارجية، فهو حاكم بلا قانون لذلك كثيرا من تحركاته الداخلية والخارجية غير منضبطة بلوائح أو نظم أو حتى بروتوكول، وسفره للخارج بعلم أو دون علم وزارة الخارجية ليس بدعة فقد سافر الحاكم لتشاد وألمانيا وقطر وجنوب السودان وغيره، دون أن نسمع احتجاجات وهو يسير وفق ما يمليه عليه مستشاروه ومعاونوه الذين يتحركون لاثيوبيا وتركيا والإمارات أيضا دون معرفة الخارجية أو حتى الحكومة
● إن الوضع الذي تمت فيه تسمية حاكم لإقليم دون إحكام العلاقة مع المركز بقانون جعل من هذا المشهد أكثر فوضوية على صعيد الداخل والعلاقات الخارجية، وهناك من يدفع الحاكم للتعامل باستقلالية تامة عن السودان في ملف العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وربما لم يقرأ هؤلاء تجربة جنوب السودان التي قادت لاحقا للإنفصال، وعدم اعتماد قانون يحدد هذه العلاقة مع الحكومة الاتحادية سيجعل من هذه التصرفات المحفزة للإنفصال أمرا واقعا.
● ولو أن حاكم النيل الأزرق لم يكن يرأسه شخص في التنظيم والحركة لحذا ذات الحذو، وله أيضا اتصالات بأقاليم إثيوبية مجاورة وصلت لدرجة التنسيق التجاري والسياسي والأمني، إذا ما نحتاجه ليس الإلهاء بأن فلان وعلان يتحركون دون ضابط أو رابط، الواجب هو وضع المبضع على الجرح بأن كل الوضع والقائمين عليه منظومة إنقلابية تحركها أجندة ذاتية وميكافلية رديئة تستوجب إنهاء هذا الوضع العبثي في السودان وأقاليمه المختلفة
(٤)
● وأشد تلك التسريبات والشائعات هي ما راج عن عودة د. حمدوك لتولي منصب قيل أنه رئيس مجلس السيادة تارة وأخرى عودته رئيسا لمجلس الوزراء، وهو دون أدنى شك من السودانيين المهنيبن المحترمين القلائل وقد حظي بتأييد شعبي لم يلقه حتى الرؤساء المنتخبين في فترات الديمقراطية، وبدأ هذا التأييد يتآكل في نهاية العام الأول للفترة الانتقالية وهو ما قاد لتغيير حكومته الأولى.
● وظل دأب د. حمدوك مخاطبة العواطف والانحناء للعواصف لا مواجهتها وله في ذلك فلسفته وتقديراته، ولكنه تخلى في فترة من الفترات عن حاضنته التي أتت به وكذلك تنازل عن أهم أعمدة حكومته وأخص بالذكر د. البدوي، وسهل تغلغل نافذين من رجال أعمال وساسة لهم ارتباطاتهم ومصالحهم للتغلغل في محيطه ومكتبه واستمالوا قراره.
● كما أنه تهيب استصدار قرارات كان من شأنها انعاش الاقتصاد واحتكار المال في يد الحكومة وذلك باسترداد كافة الشركات الرمادية لولاية حكومته، الأمر الذي جعل العسكر يهيمنون على الاقتصاد ويتحكمون في مفاصله، كما ان بطء تفاعله مع قضايا العدالة والشهداء وتفكيك التمكين مثل نقطة محرجة له، أما الموقف الفارق بينه وبين التأييد الشعبي يوم أن خرج من إقامته الجبرية بعد إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١م منها إلى القصر ليوقع اتفاق الإذعان لقرارات القائد العام للقوات المسلحة، والذي في رأيي أن حمدوك قد تم تضليله وحجبه من المعلومات الحقيقية.
● وقد تم زجه في محرقة ذلك الإتفاق المؤسس على قرارات الإنقلاب ما جعله مقيدا في بحر (باطل) متلاطم الأمواج، وبعد أن جرده الإنقلاب من تأييده الشعبي وحل حكومته الثانية ووزرائه واعتقلهم وسجن مستشاريه، وبطش الانقلاب ونكل وسحل واغتصب مؤيديه، فقبل أن يسمحوا له بالذهاب لتعزية رمزية لأسر الشهداء، ورطوه في حفل القصر الذي أنتهى باستقالته، لذلك لا تجد عودته حماسة تذكر، وبخروجه من العملية السياسية وصمته طوال هذه الفترة عما ارتكب من فظائع عزز عزلته من الجماهير ورضا الشعب.
● الختام: الآن البحث ليس عن (عودة حمدوك) وإنما عودة منظومة سياسية وحوكمة راشدة ذات مصداقية تحقق كفالة الحريات ومؤسسات حقوقية وإنسانية وتنموية متكاملة تحكمها أسس دستورية جديدة ببرنامج محدد تنفذه شخصية مهنية كفوءة مستقلة توصل هذا الشعب إلى انتخابات حرة ونزيهة.
عروة الصادق
١٠. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________
@orwaalsadig fb&tw
📧 orwaalsadig@gmail.com