حصيد البرهان في عام (١)
بقلم: عروة الصادق
مقدمة:
ليس من السهل نسج وشيجة اجتماعية وتوثبق عرى كبان إنساني متعدد وبناء أمة موحدة وتشييد حضاره تزدهر على مر الدهور والعصور لتكون مثار إعجاب الأمم من حولنا، ولكن من السهل جدا أن تجر أمة بحالها إلى الزوال وبلاد برمتها إلى الدمار الأنساني والسياسي والاقتصادي والإنهيار الأمني واضطراب القرار وضياع استقلاليتها وإهدار كرامتها، وتظل الأنظمة الدكتاتورية أقوى معاول الهدم والتنكيل بالآدمية والتبديد للثروات والإغراق للأمم في الأزمات، وفي ذلك تستغلها دول وأجهزة مخابرات وجماعات فساد، وتوظفها في امتصاص الثروات ولخدمة أجندتها وتجهيل الأمة وجعلها تحت الوصاية والارتهان والاستغلال، وهو الأمر الذي يحفز جذوة الحياة لدى الشعوب الوثابة للنهوض والانقضاض على الدكتاتوريات وإسقاط الأنظمة القمعية ونشدان الحرية والسلام والعدالة والكرامة الإنسانية والتضحية لأجل إقامة النظام الديمقراطي التام الذي يحقق السلام العادل الشامل المستدامـ وقد شكلت عملية الانقلاب على السلطة في السودان بتاريخ 25 أكتوبر 2021م أصدق مثال وأقوى شهادة يمكن أن يستدل بها علما الاجتماع والسياسة والاقتصاد وسيمثل الحالة المرجعية العملية للانهيار الأمني والاختلال في القرار الوطني والسيادة الوطنية.
في هذا الجهد المتواضع أحاول حصر ما استطعت رصده من جوانب تجريف للحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والدبلوماسية في السودان وتأثيرات إنقلاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو على حياة السودان والسودانيين ومدى مفاعيله التدميرية في حياة الوطن والمواطن.
● أولا: إنسانيا
أ. أعظم الكوارث الإنسانية التي تفافمت بعد إنقلاب 25 آكتوبر 2021م كانت محتكرة في إقليم دارفور رغم ما وقع من اتفاق سلام، وسفر نائب رئيس مجلس السيادة واستقراره بها لعدة أشهر، يزامن ذلك فظائع ونزاعات أهلية في أقاليم أخرى وقتل ممنهج في الخرطوم للمحتجين والمتظاهرين ضد سلطة الإنقلاب، وقد حصد النزاع المسلح في إقليم دارفور، في منتصف العام الأول من الإنقلاب ما بين 500 إلى 600 قتيل وعدد لا حصر له من الجرحى يقدرون بعشرات المئات إذ أن كثيرا ممن يصاب لا يحبذ الاستشفاء في المشافي الحكومية ولا تتمكن أطقم المنظمات الطبية الطوعية من الوصول إليهم، إضافة إلى نزوح نحو مئة ألف أسرة، بحسب تقديرات المنسقيّة العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين في السودان، وقد أعلنت الأمم المتحدة في يونيو 2022م عن 100 قتيل جراء أعمال عنف في دارفور ونزوح أكثر من 50 ألف شخص خلال اشتباكات قبلية اندلعت بين قبيلتين، إثر نزاعات وخلافات على ملكية الأراضي في الإقليم جميعها كان يمكن تلافيها دون إراقة دماء تكررت حوادث مماثلة لها في غرب كردفان والنيل الأزرق.
1. فيما رصدت منظمة حاضرين التي توقفت عن العمل في أغسطس 2022م إصابات الطلق الناري في أجساد المتظاهرين بعد الإنقلاب بحوالي 512 إصابة منها 42 في الرأس، و46 في الصدر، و25 في الظهر، و36 في الوجه والفك، و21 في العنق، و91 في الذراع، و60 في البطن و173 في الساق.
2. كما تسبب الانقلاب في نقص الغذاء ووقف المساعدات الإنسانية المباشرة التي وفرتها الحكومة الانتقالية مع الأمم المتحدة، وهو أحد دوافع المجتمعات المسالمة للصراع، والنزوح والتنافس على الموارد الشحيحة، كما عطل الإنقلاب تدابير حماية النازحين، وأوقف مشاريع الكفاية والقضاء على الفقر، وبدد حقوق المرأة والطفل وتسبب في جنوح عدد كبير من الأطفال وتسربهم من المرافق والمؤسسات التعليمية.
3. استمرت أسعار الذرة الرفيعة والدخن المزروع محليًا في الارتفاع حيث وصلت إلى مستويات قياسية جديدة في أغسطس.
4. واصل اللاجئون من جمهورية جنوب السودان وإثيوبيا التماس المآوي والحماية وغيرها من المساعدات في السودان.
5. وبحسب اليونيسيف إنه قد تم التحقق من حدوث أكثر من 500 انتهاكًا جسيمًا ضد الأطفال في مختلف أنحاء السودان منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي.
6. هذا وقد قُتل تسعة أطفال خلال مظاهرات، كان أغلبها في الخرطوم، كما أصيب 13 آخرون. ارتكبت معظم الانتهاكات ضد صبيان يافعين. واعتُقل فتيان وفتيات لا تتجاوز أعمارهم الـ 12 سنة. ودهس طفل بإحدى مركبات القوات النظامية بمدينة عطبرة وقد تأثر الأطفال نتيجة الهجمات المتكررة على المرافق الطبية.
7. في أبريل 2021م تعرضت سيارة إسعاف تابعة بشكل لمنظمة طبية في جبل مرة بغرب دارفور في طريقها إلى المستشفى لإعتداء صريح على الطاقم والركاب ومن بينهم امرأة حامل.
8. اقتحمت قوات الأمن في ديسمبر قوات نظامية مستشفى الخرطوم التعليمي بحثا عن مصابين من المتظاهرين واعتقالهم وأطلقت الغاز المسيل للدموع في داخل المستشفى ما أدى لحالات اختناق وسط المرضى والمرافقين والطواقم الطبية وتكرر الأمر باقتحام عدد من المستشفيات لعشرات المرات في مدن الخرطوم الثلاثة تخلل ذلك اعتداء على الطواقم الطبية وتأخير عمليات الإسعاف الأمر الذي أدى لوفاة أحد ضحايا الإحتجاجات.
9. وقد تم اعتقال حوالي 22 عامل صحي وتحطيم وإلحاق الأضرار بحوالي 25 مرفق صحي وإصابة 34 من عمال الصحة وهناك ما يزيد عن 50 بلاغات مدونة لدى منظمات دولية صحية وطبية.
10. وقد فاقم الإنقلاب تأزيم الوضع الصحي في دارفور حيث تقلص عدد العاملين في المجال الصحي والعاملين في مجال الرعاية الصحية إلى0.75 فقط من الفرق الصحية لكل 1000 من السكان، والمطلوب فعليا للتغطية الشاملة بحسب منظمة الصحة العالمية 4.45 لكل 1000 مواطن، ينعكس هذا الأمر على ولايات النيل الأبيض وكردفان وبعض الولايات شرق السودان.
11. أعلنت هيئة محامي دارفور عن تلقيها 30 بلاغاً حول حوادث شملت الاغتصاب والاعتقال والاعتداء بعد موكب 25 ديسمبر2021 بينها 13 حالة اغتصاب مؤكدة.
12. حسب التحالف الإقليمي للمدافعات عن حقوق الإنسان، شهدت الفترة من نوفمبر 2021م وحتى يناير/ 2022م، أربع أحداث عنف بارزة، شملت فض اعتصام المعلمات يوم 8 نوفمبر، وحالات إجهاض وكسور في صفوف المحتجين في اليوم التالي، واعتداء وحشيا جنسيا يوم 20 ديسمبر، وحوادث قبض واعتداء في 30 ديسمبر و22 يناير.
13. وشهدت مواكب 19 ديسمبر 2021 وقائع عنف جنسي، رصدت 13 حالة، ووثقت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل (تابعة لوزارة التنمية الاجتماعية) تسع حالات إحداها لطفلة في العاشرة، وهناك تقارير عن وقوع انتهاكات جرت في محيط القصر الرئاسي. وأعلنت لجان الأحياء تعرّض عشرات الفتيات للتحرّش والاعتداءات الجسدية والجنسية أثناء اعتقالهن، وكذلك في أقسام الشرطة، ومراكز الاحتجاز، فضلا عن تقارير لجنة الأطباءالمركزية ومنظمة حاضرين التي ترصد الانتهاكات بصورة دورية.
14. فيما شهدت أوضاع السجون تراجعا تبعا للحالة الإقتصادية التي تشهدها البلاد بتقليص الغذاء الكافي للمحكومين والمنتظرين وتحميل النزلاء تكلفة العلاج والتداوي، والإعتقال والاحتجاز في أوضاع غير إنسانية والتشديد على بعض المحكومين في الولايات كحادثة المحكومة بالرجم في مدينة كوستي والتي أثارت حملة تضامن واسعة من منظمات عديدة (لمبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي، و مركز الناس للعون القانوني، وحملة خشي اللجنة، وحركة ميدانك النسوية، وهيئة محامي دارفور، ومركز إنسان للعون القانوني، ورايب العدلية، ومركز المدافعين السودانيين عن حقوق الإنسان، ومركز عون القانوني، وجمعية المساعدة الذاتية، ومنظمة نورا لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، ومحاميات للتغيير، والمنظمة السودانية للعدالة الانتقالية، و منظمة البردي للسلام والتنمية – رهيد البردي، و مؤسسة قناديل لتنمية المجتمع، ومؤسسة سوا للسلام والتنمية، وشبكات المساواة النوعية – إقليم دارفور، ومنظمة حماية للعدالة والتنمية – جنوب دارفور، و شبكة المجتمع المدني للتحول الديمقراطي – إقليم دارفور.
ب. كما تعامل النظام مع الكوارث التي حلت في البلاد بصورة متهاونة ما مجم عنه عشرات الضحايا وآلاف المشردين وآلاف الهكتارات والأفدنة الزراعية وتزايد الأوبئة وانتشار الكوارث الصحية وانهيار منظومة التعليم والخدمات في عدد من المدن والولايات، وتراجع الوضع البيئي بصورة ستخلف المزيد من الكوارث والأزمات.
1. وقد أثرت الأمطار الموسمية والسيول هذا العام بحسب الدفاع المدني ومفوضية العون الإنساني على حوالي 299,500 شخص ودمرت الأمطار والفيضانات ما لا يقل عن 17,600 منزل وألحقت أضرارًا بـ 45,100 منزل آخر في 16 ولاية من أصل 18 ولاية. وتوفي 129 شخصًا وإصابة 120 آخرين.
2. في الوقت الحالي هناك إحصاءات مزعجة اضطلعت بها "أوشا" رصدت حوالي 11.7 مليون يعانون عدم استتباب الأمن الغذائي الحاد، و 10.9 مليون الأشخاص المستهدفون بالمساعدات في عام 2022م، 7.1 مليون إجمالي من بلغتهم الإغاثة (يناير-يونيو 22)، 3.03 مليون الأشخاص النازحون، و63,280 عدد الأشخاص المصابين بفيروس كورونا المستجد، و 4,961 حالة وفاة متعلقة بفيروس كورونا المستجد، و 59,501 اللاجئون الإثيوبيون في الشرق والنيل الأزرق.
3. منذ بداية عام 2022م، نزح أكثر من 177,000 شخص حديثًا في السودان بسبب النزاع بما في ذلك 126,000 شخص نزحوا في دارفور.
4. ويشمل ذلك ما يقدر بنحو 38,000 شخص نزحوا من أجزاء من ولاية النيل الأزرق في يوليو 2022م.
5. تضرر أكثر من 258,000 شخص من الأمطار الغزيرة والفيضانات في جميع أنحاء البلاد..
● ثانيا: أمنيا
أ) تهاون النظام في التعامل مع الفصائل المسلحة، ولم يكيف أوضاعهم الأمنية، ولا زال ملف الترتيبات الأمنية يراوح مكانه، إذ أقال البرهان في تعديلاته الأخيرة كافة ضباط القوات المسلحة العاملين في الملف، بعد أن أوشكوا على إكماله، ما يعني تأخير عملية الدمج والتسريح وضبط تواجد القوات في المدن ومحيطها ما يعني تزايد الانفلاتات التي تبدر من بعض الفصائل المسلحة، كما أتاح أمر التغافل عن ملف الترتيبات الأمنية تعامل الفصائل المسلحة مع أهل الأقاليم بصورة مباشرة، وبعضهم غير مدرب للتعامل مع المجتمعات المدنية وهو ما أدى لاستشراء عمليات العنف المسلح وتزايدت حوادث القتل والتهجير في إقليم دارفور والنيل الأزرق، وبعض مناطق السودان الأخرى.
ب) تمددت الجماعات المتطرفة بالصورة التي صار قادتها يخاطبون المجتمعات ويتحركون بحرية مطلقة، مع إعلان ولائهم المطلق لجماعات إرهابية كداعش والقاعدة، وقد انتشار الأسلحة والاتجار فيها بكميات تفوق المعدلات الطبيعية، وتزايد الطلب على السلاح تبعا لانتشار الظواهر الأمنية السالبة وتنامي عمليات السلب والنهب في المدن والأسواق، وأعزي ذلك لوقف الحملات المنعية التي كان ينظمها وزير الداخلية الأسبق الفريق عز الدين، كما أن إيقاف الاستجابة الفورية للحوادث والطواريء قل بنسبة كبيرة للدرجة التي انسحبت فيها كثير من الدوريات والحملات ضد الجريمة من الأحياء والمدن والارتكازات المعهودة.
ج) وانتشرت ظواهر دخيلة على المجتمع السوداني، كالتصفيات المجهولة التي تتم للنشطاء والفنانين ومحاولات الاغتيال التي تستهدف رموزا اجتماعية وسياسية، وكل ذلك يقيد ضد مجهول، بل حتى قتل الشهداء في المواكب والذي تتم فيه عمليات رصد وتصوير الأشخاص والدوريات والأسلحة التي شاركت في القمع وتسببت في القتل تقيد بلاغاتهم ضد مجهول.
د) تجدد ظواهر جماعات النهب والسلب بصورة أكثر تنظيما حيث شهدت الخرطوم حوادث كثيرة وبلاغات بالمئات في مضابط الشرطة أخرها عمليات تنظمها أفواج من عصابات السلب والنهب في شوارع الخرطوم وبعض الذين تم إلقاء القبض عليهم يحمل بطاقات انتساب لقوات نظامية، وتكررت حوادث نهب المركبات العامة وإيقافها أشهرها حادثة بص سفري في تخوم ولاية الخرطوم.
ه) تزايدت عمليات الاتجار في السلاح والبشر والمخدرات وتهريب الذهب بصورة فاقت كل التوقعات وتجاوزت التجارة الداخلية بصورة عابرة للقارة والإقليم، ودخلت للبلاد أصناف جديدة من أنواع المخدرات والأسلحة والمتفجرات وتوصيلات التفجير، ومن دول جارة للسودان، واستمر تهريب الذهب عبرمطار الخرطوم لتضبط السلطات شخص واحد قام بحوالي 30 رحلة كل رحلة لا تقل عملية التهريب فيها عن 20 كليو جرام شارك فيها نظاميون وموظفون في الدولة، فضلا عن العمليات المنظمة التي تتم عبر مطار بورتسودان إلى اللاذقية والتي ظهرت في تقارير دولية.
و) حاولت الحكومة الانتقالية عقد شراكات استراتيجية مع دول وأجهزة مخابرات لرفع قدرات القوات الأمنية في كل من الامن الداخلي والخارجي وملف الإستخبارات ومكافحة الارهاب، وفي ذلك وصلت وفود أمنية أهمها وفد أمريكي غادر البلاد بعد الإنقلاب مباشرة وهو ما أدى لعدم تشكيل قوة أمنية موحدة ذات مقدرات عالية لحماية المدنيين، وسيظل الأمر كذلك لأننا نرى عدم جدية ورغبة وإرادة للسلطة الانقلابية في توحيد القوات النظامية ودمج الحركات المسلحة وتسريح العناصر غير المؤهلة.
● ثالثا: سياسيا
أ) أما الاخفاق السياسي يتحمل المدنيون جزء اكبيرا منه لتأخرهم في الوصول لمشتركات تقلص الفوارق والمسافات بينهم، وعطلت بعض القوى الوصول لنفاهمات حول الدستور والبرنامج، واستخدمت بعض القوى السياسية نفوذها في تنسيقيات لجان الموقاونة بشن حروب عدمية على الآخرين، لكن يظل المسؤول الأول عن حالة الانسداد السياسي في البلاد، الجنرال البرهان وزمرته من كوكبة المستشارين وجيوش الخبراء والساسة الإخوانيين في صفوف الجيش السودان، بالإضافة لمجموعات السدنة من الإنقلابيين الذين احتموا بسلاح الجيش والدعم السريع لتنفيذ إنقلاب ٢٥ أكتوبر.
ب) الأمر الأخطر أن النظام الإنقلابي انتهج سياسات تمزيق كيان الدولة السياسي المترابط، وحفز الولاءات القبلية والعنصرية والجهوية والدينية لاستمالتها لصالح المشروع الإنقلابي، الأمر الذي كلف البلاد دماء ونزوحا وقتلا على أساس القبيلة والإثنية، ولم يتحرى قادة الإنقلاب الرشد السياسي وصياغة مشروع جامع للأمة، وإنما توجهوا لخطة موروثة وقديمة( فرق تسد)، وتقاسموا تلك الولاءات بين الجيش والدعم السريع، الذي أعاق التفاهم بين الفرقاء وقاد لتعطيل الوصول لاستقرار سياسي.
ج) وتظل القوى السياسية السودانية تحمل وزر تماهي بعض قادتها مع الانقلاب، فمنذ الأيام الأولى رأى بعض هؤلاء القادة أنه يمكن الجلوس مع للعسكر واستخلاص السلطة منهم، إلا أنه ومرور الأيام تبين أن النظام لا يفكر حتى في تصحيح أخطائه ناهيك عن تسليم السلطة للمدنيين، واستمر في تجريف إصلاحات الفترة الانتقالية، وتمكين النظام الإخواني من الهيمنة على مفاصل مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات النظامية.
● رابعا: اقتصاديا
1. رغم ما تم تبريره وتعديده من أسباب لإسقاط الحكومة الانتقالية إلا أن الجميع اتفق أنها أوقفت الإنهيار الإقتصادي وفتحت آفاقا كبرى للتنمية الاقتصادية في السودان ورسمت راهنا اقتصاديا منتعشا وحددت ملامح المستقبل على المدى القريب والمتوسط والبعيد والاستراتيجي، وبدأت الحكومة بالتخطيط والتنفيذ للاكتفاء الذاتي من الحبوب ووفرت مدخلات الانتاج الزراعي من وقود وتقاوى وأسمدة ومبيدات وتمويل، كان مقررا له أن يتضاعف في العروة الشتوية 2021م بتمويل يقارب المليار دولار للموسم.
2. وقد تمكنت الحكومة الانتقالية منذ أيامها الأولى من إنشاء محفظة السلع الاستراتيجية بتوفير مبلغ 200 مليون دولار تضاعف في الستة أشهر الأولى ليصل 600 مليون دولار، ومن بعدها المحفظة الزراعية التي نجحت في تمويل الموسم الزراعي، والاستفادة من الأصول الاستثمارية لإحياء أسطول السودان البحري وتمويل شراء قطارات وتجديد وتمديد تحديث خطوط السكك الحديدية دون تمويل خارجي ونحن نرى كيف تتجه دول لتمويل خط السكك الحديدية بيننا وبين مصر وهو الأمر الذي كانت الحكومة الانتقالية تحول دون تنفيذه إلا بأيادي سودانية دون إملاء أو ارتباط خارجي.
3. إلا أن الانقلاب تسبب في كارثة اقتصادية عطلت الاستفادة من حوالي ٨ مليار دولار من المنح والقروض، وتسبب بالعجز في ميزان المدفوعات والحساب الجاري والرأسمالي في البنك المركزي، وأعاق تمويل الموسم الشتوي في ٢٠٢١م بحوالي مليار دولار منحة، وبدد عائدات صادر مليون فدان من القطن زرعتها الانتقالية كان مقررا لها أن توفر حصائل صادر ١.٥ المليار دولار، بالإضافة لتهريب وتسريب الذهب والمعادن وتعطيل إنشاء بورصة الذهب في الخرطوم، وبذلك انسحب المستثمرين الأجانب وسحبوا أموالهم، بعضهم سحبها بصورة رسمية وبعضهم اشترى بها سلع ومواشي وذهب، لم تعد حصائلها للسودان، كل هذا لا يساوى شيء أمام تعطيل خطة السودان في التوسع الزراعي التي كانت ستحقق الكفاية وتضع السودان في موشع استراتيجي للأمن الغذائي في المنطقة والعالم.
4. وواصل الدولار الجمركي صعوده بنسب تجاوزت 25% رغم الركود الماثل في الأسواق ما أدى لارتفاع الأسعار والسلع الأساسية الأمر الذي فاقم الأزمة المعيشية في السودان، وسدد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي لكمته الأخيرة للقطاعات التجارية وأدخلها في حالة كساد لم تعشها منذ عقود بزيادة رسوم المعابر إلى 600% وضريبة الأرباح إلى نسبة وصلت 30% عوضا عن 15%، الأمر الذي شكل سلاحا ذو حدين أضر بالأجهزة الإيرادية للدولة ودفع قطاعات حية كاتحادات الغرف التجارية والصناعية والنقل والتجار الدخول في موجة احتجاجات واعتراضات وإضرابات وإغلاق عمت معظم المناطق التجارية في مدن السودان الرئيسية الأمر الذي سيتصاعد ويخرج قطاعات كبيرة لتبرز ما سمي بالاقتصاد الخفي حال استمرت إجراءات الإنقلاب الاقتصادية الشائهة.
5. طوال فترة الانقلاب ظل الجهاز الاقتصادي حبيسا عن التعاملات الخارجية ومثلت الحكومة السودانية تمثيلا خجولا في عدد من المناسبات الاقتصادية بعد أن انفتحت طوال الفترة الانتقالية على العالم فتراجعت بالصورة التي اقتصرت لقاءات وزير المالية بنظرائه في الإيقاد وبعض وزراء الكوميسا وأخيرا وزير دولة جنوب السودان ولقاءات صارمة في نيويورك مع البنك وصندوق النقد الدوليين الذين تراجعا وأوقفا كافة التمويلات والمنح والجدولة للديون المزمع تنفيذها لصالح السودان جراء الإنقلاب الذي أيده وزير المالية، والذي وعد في اجتماعاته الأخيرة في أكتوبر 2022م بأن الوضع السياسي سيفضي إلى حكومة مدنية ذات مصداقية.
6. كما تراجعت كافة الفرص الاقتصادية التي تم فتحها بواسطة وزارة الخارجية وقسمها الاقتصادي وعادت الملحقيات الاقتصادية والتجارية في البعثات الدبلوماسية للتجار والسماسرة من سدنة النظام الإخواني المباد، والذين يرتبط غالبيتهم بأعمال تجارية شخصية ليس لها علاقة بالتبادل التجاري أو التعاون الاقتصادي بين السودان والدول الأخرى، وظلت العلاقات الاقتصادية الروسية السودانية أكبر مهددات الاقتصاد الوطني إذ مثل تهريب ذهب السودان إلى روسيا والإمارات واحد من أكبر جوانب التدمير للاقتصاد السوداني لأنه يتم خارج الأطر والقنوات الرسمية وأخيرا دخل التهريب البري للذهب إلى مصر بالصورة التي رفعت بها مصر إحتياطي ذهبها من 700 كجم و900كجم في الأعوام (2018-2020) ليقفز إلى 44 طن من الذهب خلال الفترة من أكتوبر 2021م إلي يونيو 2022م.
7. واستشرى الفساد في المؤسسات بالصورة التي ضيعت مئات الملايين من الدولارات للدولة وأدى ذلك لاهتزاز الثقة في المنظومة الاقتصادية السودانية بنوك وزارات إدارات، وظل الركود الاقتصادي ماثلا بصورة شبحية أخافت التجار والمستثمرين في القطاعين الحكومي والخاص، وأقر وزير مالية الانقلاب بازدياد نسبة العجز في الموازنة العامة وتراجع نسبة النمو، الأمر الذي راكم بنسب مئوية معدلات العطالة وأوقف مشاريع تشغيل الشباب التي ابتدرها د. عبد الله حمدوك وأوقف مشاريع الدعم المباشر التي كانت ستشغل الآلاف وتمول الملايين.
8. كما ظلت السياسات الاقتصادية في حالة اضطراب وتراجع عما تم الاتفاق عليه مع البنك وصندوق النقد الدوليين، والمؤسسات الاقتصادية لدول أصدقاء السودان، الذين اشتركوا معايرة السياسات الاقتصادية لما هو عليه دوليا، وهي خطوات ابتدأها د. البدوي ووأدتها السلطة الانقلابية وطاقم وزارة المالية الذي أربك السياسات والتخطيط والإدارات التابعة للوزارة وأسهم في تراجع سوق الخرطوم للأوراق وكساد معاملاته، بل حتى وصمت بغض الصكوك والسندات بأنها سندات غير آمنة، ما قاد لإضطراب الأسواق المتقدمة والناشئة، وهو ما أثر في تداول الأسهم ونمو الصناعات وتطور الشركات، بالصورة التي أدت لتوقف ٥٩٤٠ مصنعًا عن العمل بالبلاد، حتى العامل فيها يشتغل بطاقة إنتاجية لا تتجاوز ٣٠%.
9. حرم الإنقلاب السودان من نيل جائزة نوبل للاقتصاد والتي كان متوقعا أن يحصل عليها حال استمرت خطة د. إبراهيم البدوي وإجراءات د. عبد الله حمدوك ومتابعات كمبريسي نائب محافظ بنك السودان المركزي، والذين سعوا بجد لإحداث الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة ومكافحة الفساد وتطوير الأداء المؤسسي والنهوض بالإقتصاد الكلي للسودان وتطوير قطاعاته الزراعية والطاقوية والخدمية وإيقاف خطط إدخال مزايا إضافية لمواكبة الواقع الاقتصادي للمعاشيين من الذين أسهموا ولا زالوا يقومون بدور كبير في النمو الاقتصادي.
10. مثلت هذه الأزمة الإقتصادية أهم عوامل انتشار الجريمة وشكلت اقتصاديات الجريمة أهم مصادر الدخل للكثير من القطاعات ونشط أفراد ومؤسسات في تجارة الممنوعات والمخدرات والاستيراد والتصدير والتهريب خارج الأطر الرسمية للدولة ولسلع غير مطابقة للمواصفات والمقاييس، ونشطت كارتيلات اقتصادية لها ارتباطات وثيقة بالإنقلاب وحظيت بتسهيلات من مرافقه المختلفة وعملت تحت حمايته، وفي الوقت ذاته انتهج الانقلاب نهج التنظيم الإخواني المباد لينكل بالبيوتات الاقتصادية التاريخية من جديد ويلاحق رجال الأعمال ويضيق عليهم للدرجة التي اختار بعضهم تعطيل كافة أنشطته التجارية ومغادرة البلاد .
11. كما قادت تلك الأسباب مجتمعة إلى فرار مستثمرين ومشروعات استثمارية ودخول مستثمرين جدد عبر إجراءات استثمارية اتسمت بالمحسوبية وفتحت الباب واسعا أمام اتهامات الفساد لوزير المالية الأمر الذي أغرق الأسواق والمراكز التجارية بسلع تنافس السوق المحلي لما تحظى به من إعفاءات جمركة، كما أدى هروب المستثمرين إلى إغلاق عدد كبير من المرافق والمؤسسات التجارية والصناعية والزراعية وإدخال أعداد كبيرة من الشياب حيز البطالة وما يؤسف له انخراط بعضهم في اقتصاديات الجريمة التي تتدرج من تزوير العملات والمستندات وصولا للاتجار في الممنوعات والأسلحة والمخدرات والجنس وتجارة الأدوية الضرورية والعملات في السوق السوداء.
12. وترتب على ذلك أيضا تردي في البني التحتية وإعاقة التنمية الحضرية والريفية الأمر الذي قاد إلى تخلف اجتماعي وتراجع بيئي وانهيار للمرافق وهو ما زاد من نبرة الاحتجاج ودعاوى التهميش حتى في المناطق التي ترفد الموازنة العامة بعائدات انتاج مجزية وتضخ أموالا طائلة وترفد البنك المركزي باحتياطي نقدي وذهبي إلا أنها تشهد سوءا وتردي في الخدمات والبني التحتية والمرافق العامة وتعوزها أدنى مقومات الحياة والأمن والسلامة والخدمات.
13. ومثلت سياسات الإنقلاب عامل تبديد أكبر لأهم وارداد البلاد الاقتصادية عبر نفط جنوب السودان الذي مثلت الاضطرابات السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد واحدة من مهداد صادراته النفطية التي ظلت تصدر عبر خطوط النقل التي تشق طول السودان وصولا لموانيه في شرق السودان، وبتحويل صادرات نفط الجنوب يفقد السودان أهم مصدر للنقد الأجنبي والتعاون الاقتصادي الأخوى مع دولة جارة وشقيقة وتوأم.
نواصل.....
orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig