الاثنين، 24 أكتوبر 2022

الإفلات من العقاب .. التمهيد له جريمة!!

الإفلات من العقاب .. التمهيد له جريمة!!

 
مقدمة:

● الاحتجاجات ضد الإنقلاب منذ اليوم الأول دفع ثمنها الشباب السودانيون والشابات كست النفور، بمختلف أنماط الاعتداء الجسيم، وتختلف طرائق القتل من شهيد لآخر، فمنهم من مات تحت التعذيب في مقابيء الاحتجاز، ومنهم من قتل بالرصاص الخي ومنهم من هشمت جمجمته قذيفة الغاز المسيل للدموع، ومنهم من تم دهسه بمركبة تتبع لواحدة من القوات النظامية أو منعه من الاسعاف بواسطة نظاميين، والنتيجة الحتمية هي الموت.



● إن جميع جرائم القتل تمت بأدوات ومركبات نظامية وقوات تتزيا بزي نظامي، حتى المدنيين الذين يحملون السلاح ويصوبونه تجاه المحتجين يتحركون في أرتال القوات النظامية وضمن دورياتهم، وهو ما يعني أن المسؤولية المباشرة تقع على القوات النظامية مجتمعة وتقع المسؤولية الأكبر على السلطة الإنقلابية التي تتحكم في توزيع وتجميع تلك القوات وتصرف لها التوجيهات عبر وزير الداخلية ومدراء عام الشرطة والمخابرات العامة.



● يمتد الأمر ليصبح جريمة عدوان وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في حق مدنيين عزل بآلات الدولة العنيفة، جراء سياسات تم اقرارها من سلطة عسكرية يشاطرها الحكم مدنيون، ويديرون دفة الحكومة التنفيذية في مختلف الوزارات، وهنا يصعب استبعاد أي ممن في السلطة من المسؤولية الجنائية أو المسؤولية التقصيرية أو المسؤولية التضامنية ضد المحتجين.



● وهو ما  شكل أعظم التحديات التي تواجه النتقال السياسي وأكبر العقبات الخطيرة التي تواجه تحقيق العدالة، وولد اهتزاز الثقة في السلطة الحاكمة والمنظومة التنفيذية والجهاز القضائي وغياب سيادة حكم القانون وانعدام صون وتعزيز وحماية حقوق الإنسان في السودان وهو ما ينتج عنه الإفلات من العقاب.



● وفي الفترة الأخيرة مهدت السلطة الإنقلابية لتضليل مؤسسات العدالة وتقييد لجان الوصول للحقيقة، ومحاولات طمس الأدلة والبراهين وذلك لاصطباغ بعض قادتها بالجرائم الجسيمة ذات الصبغة السياسية والإنسانية والاقتصادية، كالاعتقالات غير المشروعة ومحاولات الإخفاء القسري والتعذيب وما يترتب على إجراءات الإنقلاب من عسف بما في ذلك الاغتيالات السياسية وتصفية الخصوم، وجرائم التهريب والتخريب الاقتصادي خصوصا تلك التي اقترفت في الأربعة أعوام الماضية ولم تتبين ملابساتها أو تصل لجان تحقيقها إلى نتائج.



● فضلا عن محاولات حثيثة لتقييد الوصول إلى نتيجة مرضية للضحايا في ملف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجريمة قتل المتظاهرين وفض الاعتصام وجرائم العدوان المرتكبة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، والتمنع عن تسليم أو مثول الجناة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ووفقا لمبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام روما الأساسي، فإن الإجراءات القضائية الوطنية تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الإفلات من العقاب، إلا أن السلطة تبذل قصارى جهدها للعبث في الإجراءات الأولية المقيدة في مضابط الجهات الحكومية والعدلية في السودان، وهو الأمر الذي صور لسلطة الإنقلاب أنه بالإمكان الإفلات من العقاب بواسطة تأخير الإجراءات أو التسويف والتماطل لتسقط تلك الجرائم بالتقادم.



● لسنوات خلت استمرت ثقافة القتل وانتهاك  حقوق الإنسان في ظل صمت مكتوم للضحايا، وهروب عدد من الأسر التي فقدت ذويها تحت تهديد أذرع وأجهزة السلطة الحاكمة للدرجة التي اختفى فيها أي خيط يوصل لتلك الأسر، وحتى القضايا الماثلة أمام المحاكم يتم تأخير إجراءاتها والضغط على ذوي الضحايا عن طريق الصلات الاجتماعية والإدارات الأهلية لنيل العفو وإطلاق سراح الجناة أو التلاعب في مستنداتها وشنودها.



● الغريب في الأمر أن الدولة لها من الإمكانيات التقنية والفنية والكوادر الأمنية ما يسهل القبض على الجناة ومعرفة مصدر تعليماتهم في أوجز مدى زمني، فالحكومة تتنصت على هواتفنا وتراقب تحركاتنا و تجمع بياناتنا وترصد بدقة كافة أماكن تواجدنا واحتجاجاتنا ومسارات المواكب وفي بعض الأحيايين تصدر بيانات بأعدادنا، وهنالك رصد شعبي أيضا لغالبية حوادث القنص والقتل والضرب المباشر والدهس التي قادت لتلك الانتهاكات، ولكن لأن الحكومة عبر عناصرها وقواتها النظامية والغة في دماء الأبرياء تحجب تلك البيانات والمعلومات وتستخدمها للابتزاز والمساومة.



● كل هذا حفز الضغائن والغبائن وحرك تيارات شعبية لم تنخرط في مناهضة الإنقلاب منذ يومه الأول لتتقدم صفوف المواجهة، وهو الأمر الذي سيجعل من العسير جدا إدخال أي صفقة للهروب من العدالة والإفلات من العقاب، ولن يكون ذلك ممكنا في ظل تنامي البطش وعمليات القتل خارج الأطر القانونية أو مكافحة الجريمة، وانتشار السلاح وحملته دون ضوابط، وفي رأيي ذلك كله يحدث لإغراق البلاد في مزيد من دماء الضحايا حتى يستسلم الجميع لمساومة تمكن الجناة من الإفلات من العقاب والملاحقة الجنائية.



● إن معاناة ذوي الضحايا تزداد كل يوم بتأخر القصاص من الجناة، وترتفع درجات السخط الشعبي وتتنامى وتيرة التصعيد ضد السلطة، وهو ما يقود لحالات الإحتقان والإنسداد السياسي، وبالتالي انفراط عقد الأمن والاستقرار كما حدث في بعض المناطق التي تشتعل فيها نيران الحروب الأهلية في السودان، وما يعني إضطرابا في المنطقة والمحيط الإقليمي والدولي، وهو الأمر الذي يستوجب استحداث آليات حوكمة فاعلة لئلا يسود الإفلات من العقاب وإلا سنشهد ازدياد المعاناة أكثر فأكثر، وتضاعف أعداد النازحين واللاجئين واتساع رقعة الحروب فلا استقرار بلا عدالة.



● وهناك من يطالب بكل وقاحة ليس الإفلات من العقاب فحسب بل يطالب بما يسميه حصانة، تمكنه من العيش بصورة طبيعية دون ملاحقة من أهل الضحايا، وهو في نفس الوقت ينكر ارتكابه لأي جريمة ويكذب كل متهميه، ويرمي اللوم على جماعات اصطلح على تسميتها بالطرف الثالث، وهو ما مهد لنمو وازدهار كوارث العصر والجريمة المنظمة ما بين الاتجار بالممنوعات والمخدرات والاتجار في الأسلحة إلى الاتجار بالبشر وتدريب وتمويل الإرهابيين وتنظيم مافيا التهريب للثروات عبر الموانئ الرسمية والمعابر والمطارات والنظاميين.



● دون أدنى شك أصيب القضاء السوداني في مقتل وتم تجريف العناصر الكفوءة والنزيهة والمهنية، وكثير من القضاة اليوم وعناصر النيابة العامة والشرطة منتسبون لما يسمى بالأمن الشعبي وكتائب الظل التي تتبع للنظام المباد والحركة الإخوانية، ما يعني أن أي حديث عن تحقيق عدالة واقتصاص في ظل وجود هؤلاء ضرب من المستحيل لأنهم أعضاء الحاضنة الإجرامية للنظام المباد والسلطة الحالية، والأنكى أن رأس الإنقلاب أعادهم إلى الخدمة بعد إقالتهم من قبل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م ليعودوا لمواطن النفوذ ويرأسوا الأجهزة القضائية في العاصمة والولايات ويتحكموا في المحاكم العليا والإستئناف والعامة.



● وقد مثل المال والثراء السريع أهم عوامل الإفلات من العقاب فنحن نرى كيف يتحرك قادة الإنقلاب لشراء ذمم الإدارات الأهلية وخصوصا في المناطق التي ارتكبت فيها انتهاكات جماعية، ليسهل الحصول على العفو تحت ما يسمى بمؤتمرات المصالحات، دون أدنى مراعاة لمشاعر الضحايا الذين تشتتوا في أصقاع الوطن وأنحاء المعمورة نزوحا ولجوءا.




● ختاما: 

● أستطيع القول أن شباب الثورة السودانية لن يتراجع من مواكبه واحتجاجاته السلمية، ليس لأنه يريد الاقتصاص لمن رحلوا من زملائهم، ولكن ليحققوا ما استشهد لأجله الضحايا، حرية تنعم بها البلاد، وسلام عادل شامل، وعدالة تنصف كل مظلوم، وهو ما يعني أن أي محاولة للاستمرار في قمع الشغب السوداني ستنتهي باقتلاع النظام القائم عليها مثلما كرر ذلك السودانيين في كل مرة يستبد فيها طاغية.



● وعلى القوى السياسية السودانية التي تطلع لتحقيق السلام واستدامة الاستقرار في السودان عدم السماح للمشتبه بهم ناهيك عن المتهمين والمجرمين ممن تورطوا في جرائم فساد وقتل وجرائم ضد الإنسانية، ومنعهم من استخدام الفضاء العام وفتح الباب لهم لإقحام أنفسهم كفاعلين في الشأن السوداني، كما نرى اليوم كثيرين ممن لا ينكرون ارتكابهم فظائع في حق الشعب السوداني يحاولون التواصل مع الجماهير عبر حماية وتمويل وتغطية من السلطة الإنقلابية للتطبيع الشعبي والتمهيد لإنتشار ثقافة الإفلات من العقاب في البلاد.



● كما يقع على عاتق كافة القانونيين والحقوقيين والفقهاء الدستوريين الذين ستقع عليهم مسؤولية التشريع ودسترة شؤون الدولة أن يضعوا هذه القضية نصب أعينهم في كافة التشريعات والقوانين ونص الدستور الانتقالي ومسودة الدستور الدائم بضرورة ووجوب وضع عبارة "تجنّب الافلات من العقاب" في كافة النصوص المجترجة ذات الصلة بالحقوق والعدالة.



● هذا يستوجب مخاطبة الضحايا بصورة عاجلة وفورية للمؤسسات الإقليمية والدولية وبخاصة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة وأمينها العام بضرورة إنشاء لجنة ادولية لمناهضة الإفلات من العقاب في السودان ودراسة الحالة الراهنة التي تمهد لإفلات الجناة من العقاب، وضرورة إدراك الأمم المتحدة لقصورها في تحقيق العدالة في السودان ودول كثيرة أخرى، بل ضاعت كثير من قرارات مجلس الأمن في الأضابير، ولا زال المطلوبون للمحكمة الجنائية الدولية طلقاء في السودان.



● ففي ظل ما يتم الترويج له عن اتفاق تسوية وتقديم التنازلات كمنح الحصانة للعسكر، هو عطاء من لا يملك لمن لا يستح، ولم يفوض أهل الضحايا شخصا للتنازل عن دماء ذويهم، ولا يوجد تصور متفق عليه عن ماهية هذه الحصانة ولمن وكيف ومتى؟ فالوحيدون الذين يستطيعون منح تلك الحصانة ليس القوى السياسية ولا لجان المقاومة ولا قوى الثورة مجتمعة وإنما هم ذوي الضحايا، وليتحلى رأس الانقلاب ونائبه بالشجاعة ويذهبوا لاسترحام أسر الضحايا وانتزاع تلك الحصانة منهم، حينها سيفكر الشعب السوداني وقواه الحية في الصفح عن هؤلاء المجرمين، وأي محاولة لتضييع حقوق الضحايا باتخاذ إجراء سياسي لا يحقق العدالة الجنائية ولا يمتثل للمحكمة الجنائية الدولية ولا يحقق العدالة الانتقالية فهو اشتراك في جريمة التمهيد للافلات من العقاب.

عروة الصادق

٢٤. أكتوبر. ٢٠٢٢م.
_________



@orwaalsadig   fb&tw 
📧 orwaalsadig@gmail.com