استغلال الحرب لتأجيج الحرب
● إن دخول أي من الحركات المسلحة وجيوشها المنتشرة في مدن كثيرة في المعارك الحالية مع أو ضد يعتبر انحيازا لأحد أطراف الصراع وهو من التصرفات التي ستؤثر بشكل كبير على العمليات العسكرية والتوجهات الاستراتيجية والعملية السياسية برمتها، وبالتالي عندما ينحاز طرف مسلح لإحدى الأطراف في الصراع، فإن ذلك يعني أنه يقف في صف هذه الجماعة أو تلك مما يجعله جزءًا من الصراع بشكل مباشر، ولا أعتقد أن الحركات المسلحة مستعدة للتموضع أو الاصطفاف في أي جانب، فما حازوه من مكاسب سلما لا يمكن أن ينالوه بالحرب أو حتى يصلوا الي معشاره.
● كذلك أي مشاركة في الحرب تترتب عليها نتائج كثيرة وكارثية منها التأثير على عملية الحوار والتفاوض بين الأطراف المتحاربة، فيمكن أن تنتهي مباحثات جدة التي تستطيفها المملكة العربية السعودية وتشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية، لتبدأ من عاصمة أخرى كما رأينا في مباحثات اتفاق سلام جوبا، فهناك من كان يريد نقله للدوحة والقاهرة وانجمينا، وهذا يعني أنه سيصبح من الصعب على الطرف المسلح الذي ينحاز لإحدى الأطراف أن يعتبر الأخرى كشريك متساوٍ في الحوار والتفاوض، مما يجعل من الصعب التوصل إلى حل سياسي للصراع، وهو أمر سيعقد عملية الوصول لسلام مستدام واستكمال عملية السلام التي بدأت في جوبا ويرتجى استكمالها بانضمام عبد العزيز الحلو وعبد الواحد نور.
● وأي تحرك عسكري من أي كيان مسلح كالذي حدث في كادوقلي من الجيش الشعبي قيادة الحلو في يونيو الجاري، سيخلف العديد من الخسائر والضحايا والأزمات والكوارث الإنسانية وهو ما سيؤثر على مستقبل البلاد المتضررة من صراع دامي ودائم ومنهك لإنسانها ومواردها وسيمتد إلى ولايات كردفان جميعاها وصولا للنيل الأبيض وولايات دارفور المتاخمة لكردفان الكبرى، وهذا الأمر حتما سيقود لانفجارات اجتماعية واصطراعات قبلية واصطفافات اثنية قد تؤدي إلى تأجيج العنف وتصعيد الصراع بشكل أكبر، وتبعث برسالة خاطئة إلى المجتمع الدولي بأن الحل العسكري هو الحل الوحيد للصراع، وهو ما سيقابلة المجتمع الدولي بالعقوبات والتدخلات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
● عليه فإنه ليس من مصلحة أي من أطراف الصراع أن ينحاز إليه كيان مسلح وليس من صالح الكيانات المسلحة كذلك الانحياز لأي طرف أو استغلال فترات السيولة الأمنية لتجاوز مناطق السيطرة والتفكير والتخطيط التوسعي فهذا سيكون محفزا لاستخدام الجيش للطيران والوسائل التي كان يستخدمها النظام السابق ضد المدنيين ما سبب في كوارث وفظائع إنسانية، لذلك، يجب على الأطراف المعنية بالصراع وبخاصة (الحركات المسلحة) أن يتفادوا الانحياز لأحد الأطراف المتحاربة، وأن يعملوا بشكل مستقل ومتعاون للوصول إلى حل سياسي ينهي الصراع ويحقق مصلحة السودانيين في العيش الكريم واستعادة النظام الديمقراطي والسلطة المدنية لاستكمال عملية السلام العادل الشامل وتحقيق التحول الديمقراطي الكامل.
● لذلك يعتبر استغلال هشاشة السلطات الأمنية وتسرب الكيانات المسلحة "المتمردة" أو"الغازية" من أخطر التحديات التي ستواجه السودان ومحيطه الإقليمب وكافة الدول والمجتمعات في العالم، حيث سيقود ذلك إلى انعدام الأمن والاستقرار وتفشي العنف والفوضى في المجتمعات المحلية وينسف أدنى مقومات الاستقرار وينهك تلك المجتمعات.
● الوضع الحالي في السودان يشهد ضعف أمني بائن وخلل استراتيجي يحفز جماعات كثيرة للدخول إلى السودان واستغلال ثقوب السيولة الأمنية للانقضاض على المدن، وعندما تصبح السلطات الأمنية هشة وغير قادرة على التصدي للتحديات الأمنية، فإن ذلك يشجع الكيانات المسلحة على التسلل وربما التسلط على المجتمع ويمكن أن ترتكب فظائع على أساس إثني وقبلي، والتي يمكن أن تسعى لتحقيق أجنداتها الخاصة على حساب مصالح الدولة ككل ويمكن أن تتدخل حينها أيادي أجنبية دعما وإسنادا وتمويلا واستضافة لمحطات الانطلاق ومعسكرات التجنيد والتدريب.
● وما لم يتم تدارك الأمر وإعادة الأمور إلى نصابها في السودان ولايات التي لم يتمدد إليها الصراع فإن ذلك سيسمح بانخراط مجموعات في في الصراع وخدمة الأجندة المشار إليها أعلاه وهو ما يقود لخطر داهم وهو إثارة الفوضى والعنف في المجتمع، وتفشي الجريمة والإرهاب والتهريب والاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر وغيرها من الأنشطة غير الشرعية، وتزايد جرائم الاختطاف للمدنين والعاملين في المنظمات الاممية والمطالبة بأموال طائلة في مقابل إطلاق سراحهم. وحينئذ، فإنه سيصعب على الحكومات رتق الفتق وستعجز السلطات الأمنية عن توفير الأمن والاستقرار اللازمين للمجتمع، وسيتعرض المواطنون للخطر ويشعرون بالتهديد والخوف وتتضاعف موجات اللجوء والنزوح والفرار من الحرب وازدياد أعداد المفقودين.
● ختاما: هنا يقع الواجب علينا جمبعا كقوى مدنية وكيانات سياسية واجتماعية وسلطات محلية وولائية ومجموعات عرفية ورجالات دين بذل كل الجهد مع الحكومات والسلطات الأمنية وتحفيزهل لتعمل على تقوية نفسها وتعزيز قدراتها الأمنية والعسكرية، والإسهام المجتمعي في تحسين الخدمات العامة المتدهورة وتطوير البنية التحتية المنهارة وورفع المستويات الاقتصادية المنهارة للمجتنعات، وذلك بتعزيز التضامن والتعاون بين المؤسسات المختلفة في الدولة. كما يجب عليهم أيضًا تكثيف الجهود للتصدي للتنظيمات المتطرفة التي ستطل برأسها في مثل هذه الحالات اتعاظا من التجارب التي عاشتها عدد من الدول الجارة والشقيقة والصديقة.
#لا_للحرب
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
١١ يونيو ٢٠٢٣م