الأحد، 2 يوليو 2023

سنن الانقلابات وطموح الجنرالات

سُنن الانقلابات وطُموح الجنرالات


● مقدمة: في سوداننا أرض أجدادنا ومنبت رزقنا، شهدت البلاد العديد من الانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية على مر العقود منذ الاستقلال في 1956م وحتى يومنا هذا، منها المذكور ومنها المنسي ومنها ما تم حفظه في الصدور وبين السطور.

• وأعدد أمثلة لبعض الأحداث الرئيسية في تلك الحقب وتأثيرها على الاستقرار السياسي والأمن الإقليمي والدولي مقروءا مع حاضرنا لاستشراف مستقبلنا مقبل الأيام، وذلك بالاشارة لانقلاب الجيش (نظريا) والجبهة (فعليا) في 30 يونيو 1989م، في هذا التاريخ تحديدا حدث انقلاب من قبل جماعة عسكرتارية أمنجية أيدولوجية تعرف بـ"الجبهة الإسلامية"، تطورت إلى أن عرفت "المؤتمر الوطني" بقيادة العميد وقتئذ عمر البشير وزمرة من الجنرالات الذين تباهوا في فترات الحكم بانضمامهم للتنظيم الإخواني، واعتزازهم  بانجاز انقلاب يونيو، وانكارهم الشديد والتام للأمر برمته لدرجة أذهلت حتى المقربين منهم في محاكمات مدبري الإنقلاب التي شهدتها محاكم العاصمة الخرطوم في (2021- 2022م).

• وقد أثر هذا الانقلاب على الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي فى السودان وأدى إلى تغيير جذري في الهيكل الاجتماعي والقيمي والديني والسياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد، وكبل وجهة الوطن وجهوده الدبلوماسية فصار السودان كالأجرب في الحظيرة الدولية مضروبا عليه حصار اقتصادي ووضع في قوائم رعاية الارهاب وانتهاكات الحريات الدينية وطولب مسؤولين رفيعي المستوى على رأسهم الرئيس المخلوع للمحكمة الجنائيةالدولية لارتكابهم فظائع في حق شعبهم.

• فقد بدأ وقتذاك الانقلاب الدموي المشؤوم بكذبة وخديعة (اذهب إلى القصر رئيسا وسأذهب إلى السجن حبيسا)، بها تحلل الجيش من أي ارتباط بأيدولوجيا وتحرره من أي قيد تنظيمي، وأنه لا يوجد أي ارتباط لجهة داخلية أو خارجية بالإنقلاب إلى أن تبدت ملامحه الإخوانية الجهادوية بسفور، ومزقت إمكانية الوصول لاتفاق سلام شامل في سبتمبر 1989م وختضت حرب عبثية سميت بالجهادوية نجم عنها انفصال السودان في 2011م إلى دولتين.

• وفي تلك الأثناء بدأت التوترات في إقليم دارفور في عام 2003م عندما اندلعت صراعات مسلحة بين الجماعات المتمردة والحكومة وقيل وقتها أن حسم التمرد لن يتطلب وقتا كثيرا أو جهدا كبيرا لأنه محدود من قلة قليلة، إلا أن الأمر استفحل للدرجة التي شهد فيها السودانيين حريق كامل لقرى ومدن ومحو جماعات سكانية ومجمعات سكنية من الوجود في مناطق كمجر وشطايا وبليل ومهاجرية وبندسي وغيرها، وتم تكوين نواة الجيوش القبلية التي تحفزها النعرات العنصرية والجهوية وتخليق مشاريع عنصرية أسهمت لاحقا بصورة كبيرة في إحداث جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وشهد السودان لأول مرة التطهير العرقي للدرجة التي وجدت فيها مقابر جماعية بشهادات محلية وإقليمية في مناطق كوادي صالح، جميع تلك النيران ألهبت أوضاعنا اليوم وهي محركات تجدد الاقتتال في دارفور سيما حريق الجنينة وزالنجي واشتباكات نيالا واجتياح كتم وطويلة وغيرها في يونيو 2023م.

• ومن ثمرات ذلك الانقلاب أن قعت حروب واسعة النطاق وانتهكت حقوق الإنسان بشكل خطير في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق سببها اصطراع على السلطة واتخذ مؤخرا صراعات على الموارد والهوية وتم اقحام الأجندة القبلية فيه، مما أدى إلى نزوح الكثير من السكان وانتشار الفوضى وحدوث انتهاكات مروعة بعضها رصد وبعضها الآخر لم يتمكن أحد من رصده أو تدوينه إلى في صدور الناجيين من لهيب الحرب.

• تمدد الأمر ليشكل الانقلاب وشعاراته الجوفاء تهديدا للمنطقة والإقليم، فقد شرع التنظيم في تدبير محاولة فشلت لاغتيال الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك بإثيوبيا عام 1996م، وانخرط كذلك في استقطاب ودعم الجماعات المتطرفة، بما في ذلك حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة وأسامة بن لادن الذي دخل البلاد بأموال طائلة أخرجوه منها خالي الوفاض، ومن بعده استمر الأمر لاستجلاب جماعات إخوانية من المنطقة وتدريبهم وتسليحهم ومحاولة تصدير الأسلحة إليهم في فترات مختلفة الأمر الذي جعل من البلاد هدفا عسكريا وتهديدا جيوسياسيا لبعض دول المنطقة على رأسها دولة الاحتلال التي أجبرت النظام على قطع علاقاته مع إيران وقفل حسينياتها وطرد بعثتها، ومهدوا للقاءات سودانية اسرائيلية قادت مباحثاتها الراحلة نجوى قدح الدم.

• من الإجحاف أيضا تحميل ذلك النظام فوق طاقته وإدعاء أن تأثير هذه الأحداث على السلم والأمن الدوليين كان بليغا، ولهذا يتطلب المزيد من الدراسات العميقة والشفافة التي ليس لها محمول سياسي أو عداء وتنميط من غرماء ولذلك خير من يفيد في الأمر، تلك الشهادات التي نبعت من داخل البيت الإسلاموي في الداخل والخارج من شخصيات كالراحل بروفيسور الطيب زين العابدين، وخالد التجاني النور، والمحبوب عبد السلام، وعبد الوهاب الأفندي، والمفكر الموريتاني محمد مختار الشنقيطي ولا توجد شهادة أقيم في هذا الصدد من شهادة عراب الحركة والتنظيم الراحل الشيح حسن الترابي.

● إن تحليل انعكاس الصراع الداخلي في السودان على الاستقرار الاقليمي والدولي عتمد على تفاعله مع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية ويمكن رصد قائمة من المنظمات والجماعات والحركات والأنظمة وأجهزة المخابرات التي لها ارتباط عضوي ومادي وتنظيمي بجماعة الانقاذ. وقد أدرت تلك الارتباطات وذلك الانعكاس السلبي للاضطرابات في السودان إلى زيادة التوترات الإقليمية وتمدد الجماعات المتطرفة التى تم تفريخها لتشارك في أنشطة هدامة وعدائية في دول الجوار على رأسها عناصر مسلحة ارتزقتفي ليبيا وأخرى متطرفة في سوريا والصومال وغيرها. 


● أما أخطر ما تم استنانه من الانقلاب وانتهاجه كممارسة ضد الخصوم ومن قبلهم الحلفاء هو تصفية الحسابات السياسية والعسكرية بعد الانقلابات وإقالة العسكريين الذين نفذوا الانقلابات والبطش والتنكيل بهم وبالسياسيين أو تصفيتهم أو نفيهم، واعتبرت وقتها قضية معقدة ولها تأثير كبير على الاستقرار السياسي في البلاد الأمر الذي جعل الملايين يفرون بجلودهم من البلاد هجرة ونزوحا ولجوءا او اعتزالا للعمل العام. 


• فمثلا رأينا بعد الثورة المصرية في 25 يناير 2011، تم إقالة العديد من القادة العسكريين وتم تشكيل مجلس عسكري لإدارة البلاد. ومع تصاعد الاحتجاجات المدنية والاضطرابات، تمت إقالة المشير حسين طنطاوي في 12 أغسطس 2012 يليها العديد من تغييرات القادة العسكريين. تأثر استقرار البلد في الفترة التي تلت الثورة بسبب تقلبات السلطة والقيادة التي تعرضت لها البلاد، في السودان تم فعل الأمر بصورة شبيهة بالتخلص من قادة انقلاب 1989م تباعا بالاقالة أو النفي أو الاغتيال والتصفية، واستمر الأمر ماثلا في الممارسة السياسية في السودان ليتكرر بعد إنقلاب أكتوبر 2021م الذي تخلص قائده من كافة الجنرالات الذين نفذوا الانقلاب في مختلف الوحدات.

• وأسوة بالمشهد الذي حدث بعد محاولة الانقلاب في تركيا في يوليو 2016م، وكيف تمت تصفية العديد من الحسابات العسكرية وإقالة آلاف العسكريين. وكيف تأثر الاستقرار السياسي في البلاد في مناطق محددة ولكن احتفظت تركيا في المجمل بقوة استقرارها السياسي، حاول قادة الإنقلاب في السودان في 2021م تكرار أمر مماثل بشراء الوقت واستنساخ التجربة التركية واستدعاء واجهات مصنوعة لخلق حاضنة اجتماعية وسياسية لدعم الإنقلاب ولكن قاد الأمر لاندلاع حرب ضروس بين رأسي الانقلاب في أبريل 2023م

• وعندما حاول البعض العبث بالثورة السودانية التي اندلعت في ديسمبر 2018م، وتكرار نموذج زيمبابوي الذي تمت فيه إقالة الرئيس روبرت موغابي عندما تعرضت البلاد للانقلاب من قبل الجيش في نوفمبر 2017م. تم احتجاز العديد من العسكريين المشاركين في الانقلاب وتم تنصيب إيمرسون منانغاجوا رئيسًا جديدًا، وبعد إقالة البشير تم تنصيب الفريق ابن عوف لساعات ويخلفه الجنرال برهان على ذات النسق الزمبابوي. وعلى الرغم من تأثير ذلك الأمر على الاستقرار السياسي في زمبابوي، إلا أن البلاد تعمل على تجاوز تلك الظروف وتحقيق استقرار أفضل، أما نحن اخترنا المضي نحو طريق الحرب وحريق المراحل للهيمنة على القرار السياسي في البلاد.


● خطورة تلك الانقلابات وعقلية القائمين عليها أنها إلى يومنا هذا لم تتدرك او تع تنامي الوعي بالديمقراطية في إفريقيا وفي السودان على وجه الخصوص وهو أهم عامل في تعزيز الاستقرار وبناء دول مستقرة خالية من الحروب والصراعات وجماعات التطرف، يحاول الجنرالات وأد ذلك العقل ليتمدد شبح الجهل والأمية والفقر ويعشعش عقل التمجيد للدكتاتورية وعسكرة الدول. والشاهد أنه على مر العقود الأخيرة، شهدت القارة تطورًا ملحوظًا في هذا الصدد، والسودان مثل النموذج الثوري السلمي الامثل والأنصع، إذ شاركت فيه جميع القطاعات الفئوية والمهنية والنوعية وقاد جذوة وعيه شابات وشباب لن يتخلوا عن حلمهم في الحرية والسلام والعدالة.

● ولأن تعزيز الديمقراطية يعني تعزيز المشاركة الشعبية وحكم القانون وحقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. ما يتطلب في هذه العملية تحقيق توازن بين السلطات المختلفة وتنمية مؤسسات قوية ومستقلة مثل البرلمان والقضاء والمؤسسات الرقابية، تتواءم والجهاز التنفيذي، قطع الطغاة غي كل الحقب تكوين تلك المؤسسات، فإما صنعوا مؤسسات تمكين أساسها الولاء قبل الكفاءة وعمادها الطاعة العمياء، أو قطعوا الطريق أمام تكوينها بالانقلاب على السلطة التي تريد تكوين تلك الأجهزة وتفكيك بنية التمكين التي ضربت عماد الدولة واستوطنت في كافة مرافقها.

● ولا زال البعض يعقد جازما أن تجارب الديمقراطية الناجحة في العديد من الدول الأفريقية قد تكون نموذجًا يمكن استنساخه لتحقيق الاستقرار في السودان. فعلى سبيل المثال، بوتسوانا وغانا والسنغال هي بلدان أفريقية، قد مرت جميعها بظروف أشد مرارة مما مر به السودان ومع ذلك تشتهر بنجاحها في تحقيق استقرار سياسي واقتصادي عبر التحول الديمقراطي. وقد تمكنت هذه البلدان من بناء مؤسسات قوية وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتعزيز حقوق الإنسان وتنمية الاقتصاد، وما يؤسف له أننا كنا على شفا هنيهة من بلوغ ما بلغته تلك الدول.


● عملت جميع تلك الدول على ضو حقيقة مؤكدة وهي أن تاريخ إفريقيا الحديث شهد العديد من الأمثلة لطموح وجموح الجنرالات والطغاة والسياسيين والدكتاتوريين في الهيمنة على السلطة واحتكار القرار السياسي والاقتصادي، والعبث بمقدرات البلاد ومع ذلك، وقظةتعافت إفريقيا بشكل عام من هذا الداء الدكتاتوري خلال العقود الأخيرة، ومع ذلك يريد البعض تصوير أن السودان لن تصلح فيه أي ممارسة ديمقراطية وجعلوا من ذلك الحلم كابوس مليء بالأكاذيب والأباطيل التي جعلت من التطلع للحكم المدني والحرية هو دعوة للسفور والمجون والمثلية والشذوذ ودعاوي الانحلال.

● وهذه الأصوات مع أنها مستوطنة في قلب القارة الافريقية إلا أنها مشدودة لأشواق دكتاتورية مشيخية وملكية وأميرية أو عسكرية تحكمها الأقطاب الآحادية التي لا شريك لها في السلطة، مع العلم أنهم لو أعادوا الكرة ونظروا لما اقترفوه من آثام في حق شعبهم ودرسوا كيف خرجت بعض دول المنطقة من هذه الدوامة لوجدوا أن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الحكم في إفريقيا كانت فترة الحكم العسكري في العديد من البلدان خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات حينما قام الجنرال جوزيف موبوتو سيسي سيكو بالانقلاب في جمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 1965م وحكم البلاد لمدة 32 عامًا، وخلال هذه الفترة تعرضت البلاد للاستغلال والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، وفي غينيا قام الجنرال لانسانا كونتي بالانقلاب في عام 2008م وحكم البلاد حتى وفاته في عام 2020م وقد تميزت حكومته بالقمع والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، مع ذلك، عرفت إفريقيا تحولًا هامًا نحو الديمقراطية والحكم الشرعي خلال العقود الأخيرة. شهدت العديد من البلدان إصلاحات سياسية واقتصادية تهدف إلى تعزيز الديمقراطية ومكافحة الفساد. تم تعزيز قوة المؤسسات الديمقراطية مثل البرلمان والقضاء، وتم تنظيم انتخابات حرة ونزيهة في العديد من البلدان، ونحن نصر على قراءة ألواح موبوتو ولانسانا.

● ختاما: من الضروري النظر للماضي واعتبار الدروس والمضي بالعبر نحو المستقبل للعبور الحقيقي الذي يحقق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل، ولبلوغ ذلك لا مفر من تنفيذ القرارات والتصورات التي خلصت إليها جهود الوساطة التي تبذلها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية والاستجابة الفورية لكافة المبادرات التي تريد استقرار السودان وإنهاء حرب إبريل اللعينة، ومساعدة السودانيين لأنفسهم قبل أن يساعدهم غيرهم لتهدئة الوضع وتحقيق السلام والاستقرار في السودان، فاستمرار الحرب يعني نتائج أفظع مما حدث في تاريخنا الحديث وأسوأ مما أشرت إليه من تجارب جوارنا الإقليمي، فهل من رشيد؟!!


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com