● فقط يمكننا النظر إلى حروب السودان جميعها لندرك خطورة الاصطفافات القبلية، فقد ظلت البلاد تعاني من صراعات مسلحة طويلة الأمد بين القبائل المختلفة على أسس عرقية أو جهوية أو عشائرية أو مناطقية أو على الموارد. وهذه الصراعات قادت إلى تدهور الأمن والاستقرار في البلاد وتعرقل عملية البناء والتنمية وتمزيق اوصال الوطن والمواطنين.
● لذلك ثبت أن انخراط القبائل في الصراعات المسلحة وتشكيل اصطفافات عرقية أحد القضايا الحساسة التي تؤثر على استقرار واستقلال الدول وتزيد من احتمالية نشوب الحروب الأهلية. وبين أيدينا بعض الأمثلة الماثلة في السودان والقارة الأفريقية ونماذج معاصرة أخرى لا تحصى ولا تعد، فمن الأمثلة التاريخية في السودان والقارة الأفريقية، يمكن ذكر الحرب الأهلية في السودان (1983-2005م) والتي بدأت نتيجة لصراعات بين الحكومة السودانية المركزية والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان SPLM/A، واستمرت لعقدين مع تداعياتها الواسعة على السكان المحليين وخلفت صراعا قبليا داميا استمر حتى بعد انفصال الجنوب في 2011م، ما يعني أن أي اصطفاف قبلي في وقت الحرب سيتمزق فور زوال أسبابه وتنفض التحالفات المؤقتة أو التكتيكية.
● أما فيما يتعلق بالأمثلة المعاصرة، يكفينا فقط النظر إلى النزاعات القبلية والعرقية في دول مثل نيجيريا والصومال والكونغو الديمقراطية. هذه النزاعات تتسبب في تدمير البنية التحتية لتلك البلدان لبلدان وتهجير المدنيين وتقوض استقرار الدول، وتمخضت عنها كافة الشرور التي لا زالت تعاني منها وأخطرها تولد جماعات قبلية متطرفة واحتكار أخرى للجريمة وعصاباتها المنظمة.
● للخروج من مأزق القبلية الذي زجتنا فيه إدارة نظام المخلوع البشير عبر أمن القبائل في جهاز المخابرات وتعزيز الاستقرار، علينا الآتي:
١. الإسراع في اتخاذ عدة إجراءات بالضرورة أن تشمل هذه الإجراءات نداءات مباشرة لملوك، ومكوك، ونظار، وعمد، وشراتي، وأمراء، وفرش، وسلاطين تلك القبائل تعزيزا للمصالحة والحوار بين الأطراف المتنازعة؛
٢. وتعزيز مفاهيم السلم والتعايش والعدالة وحقوق الإنسان؛
٣. وتشجيع الحكومات الولائية على توفير خدمات عامة عادلة ومتساوية لجميع المواطنين؛
٤. وإبعاد تجنيد القبيلة لصالح محور من محاور الصراع؛
٥. والشروع في صياغة ميثاق شرف اجتماعي يجرم ويحرم الاستعلاءات القبلية؛
٦. ويحث على أن تكون السمات العامة للمجتمعات التعايش والتكافل على نحو يحقق أن تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات ويعترف ذلك الميثاق بالتعددات الثقافية والدينية والإثنية وحفظ الحقوق الإجتماعية لتلك الشعوب وحماية حضاراتها وموروثها الثقافي.
● بالإضافة إلى ذلك لا بد من الاهتمام بملف الخدمات وخصوصا إعلاء قيمة العناية بالتعليم والتوعية لرفع مستوى الفهم المتبادل والتسامح بين الثقافات المختلفة، وتشجيع الشباب على المشاركة في أنشطة اجتماعية لتدارك آثار الحرب، وأن يؤسسوا منصات جامعة للطواريء والغوث الإنساني والدعم الاجتماعي عابرة للقبائل والتكوينات المناطقية الضيقة.
● خلاصة: فقط يكفينا النظر إلى حروب الصومال، التي تركت بلادهم تعاني من صراعات قبلية ومذهبية أدت إلى انهيار الحكومة المركزية ونشوب حروب أهلية مستمرة، وها نحن نسير على ذات الخطى التي تعجل بظهور جماعات قبلية على شاكلة حركة الشباب أو نجمع القبائل، وهذا سيورثنا خرابا ودمارا وجب تحلي قادتنا في الإدارات الأهلية بالحكمة والروية والرؤية الثاقبة لتدارك مخاطر تلك الاصطفافات.
● ختاما: ليس لنا سبيل للخروج من مأزق القبلية، إلا بتوفيق أوضاع المظالم المتراكمة وتوفير كافة مقومات الوحدة الوطنية والمصالحة بين القبائل المختلفة، وإعمال حكم القانون والعدالة وكفالة المشاركة السياسية المتساوية لجميع الأطراف بما يحقق التكامل والتوازن. ولا ينبغي أن تتوقف منصات الحوار والتفاهم بين أبناء وشباب تلك القبائل المختلفة لتشجيع العيش المشترك والتمسك بالكل وليس الجزء وبالأصول وليس الفروع، فالسودان أصل والقبيلة فرع، وهو السبيل الوحيد لكفالة المشاركة في صناعة القرارات السياسية والاقتصادية وإدارة المستقبل، وإلا فستدور رحا الحروب وستستمر دوامة الدماء وفقد الأعزاء.
عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com