الأحد، 9 يوليو 2023

جماعات إعلامية تضليلية

جماعات إعلامية تضليلية


● لعبت الجماعات الإعلامية التضليلية دورًا خطيرا في الحروب والنزاعات على مر العصور بعضه يندرج ضمن الدعاية الحربية، وبعضه تضليلي لتثبيط همة العدو، وقد تم استخدام كافة وسائل الإعلام لنشر معلومات مشوهة وغير صحيحة بهدف التأثير على الرأي العام وتشويه سمعة الأطراف المتنازعة لبعضها في الصراع. وتم استغلال هذه الأدوات الإعلامية لتأجيج التوترات وخلق الانقسامات بين الأفراد والمجتمعات، أشهرها الحرب الإعلامية بين الروس والأوكران الدائرة حاليا، والصراع الإعلامي داخل البيت الأمريكي وخارجه ضد الصين وإيران.


● إن تأثير الجماعات الإعلامية التضليلية على الاستقرار السياسي في السودان سيكون كارثيًا. وسيؤدي نشر المعلومات المضللة إلى زعزعة الثقة في كيان الدولة وشعبها وقطاعاتها الحية والمؤسسات السيادية والسياسية، وتقويض مبدأ التعاطي الحر والتدافع المدني وإجهاض العملية الديمقراطية مستقبلا،  وستسهم هذه الأنشطة التي تمارسها جماعات التضليل في تأجيج الكراهية والتحريض على العنف ورفع شأن النعرات وخفض درجة الولاءات القونية، مما سيزيد حدة الصراعات وتعقيدها في المركز والولايات الهشة التي تتزايد فيها تلك الخطابات المقيتة.


● بالنظر والقراءة في صحائف التاريخ نجد العديد من النماذج التي تشهد تأثير الجماعات الإعلامية التضليلية في السودان وإفريقيا والعالم. على سبيل المثال، دور منصات الجبهة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول وواجهاته الإعلامية التي عبأت الرأي العام ضد الجنوب وصورت أن النزاع هو عمليات جهادوبة أوردت البلاد إلى الانقسام بعد قتل مليوني نفس، وتصوير النظام الديمقراطي في 1989م بأنه أفشل نظم الحكم وتم تكرار ذلك في شيطنة الفترة الانتقالية، واليوم يتم تكرار ذات الأمر عبر الآلة الإعلامية الحربية، وبدأت بعض المجموعات الموالية للنظام المباد تتخذ ذات الأسلوب الذي استخدم في النزاعات الدامية بدولة الصومال، حيث استخدمت الجماعات الإرهابية وسائل الإعلام للترويج لأفكارها الطائفية والعنصرية البغيضة، وتكرار هذا الأمر سيقود لذات النتائج مما يهدد الاستقرار السياسي والأمن في المنطقة ويمزق نسيج المجتمع.


● هناك العديد من النماذج والأمثلة الأخرى في العالم أيضًا، مثل تأثير وسائل الإعلام التضليلية في النزاع السوري، حيث استخدمت أطراف الصراع العديد من القنوات الإعلامية لنشر المعلومات المضللة وتشويه صورة الأطراف الأخرى في الصراع، وذلك بالاستعانة بمجموعات روسية تنشط في هذا المضمار، واليوم تنشط ذات تلك الجماعات ودول عديدة في استضافة منصات تحرض على العنف في السودان وتبث خطابات الكراهية وفتاوى القتل والتصفية السياسية للخصوم.


● في مناهج الإعلام الحربي والسياسي تعد الدعاية الحربية أحد وسائل الصراع حتى وإن لم تلتزم بمعايير مهنية وأخلاقية وقد تكون لها تأثيرات متناقضة في إنهاء النزاعات أو استمرار النزاعات، فعلى الصعيد الإيجابي قد تدفع الدعاية الحربية الشعور بالوحدة والتضامن بين الشعب وقواته المسلحة وتعرض الجوانب الأخرى للصراع بشكل مجتزأ وغير مواتٍ، كما يمكن استخدام الدعاية الحربية للتأثير على الرأي العام ورفع معنويات القوات العسكرية في الجبهة الداخلية أو الخارجية.


● وكذلك للدعاية الحربية آثار سلبية أيضًا، وتسهم في تأجيج العنف والتشفي والانتقام وعدم الثقة، وتعزز حالة من العنصرية والكراهية نحو الأطراف الأخرى في النزاع. وتاريخيًا كما أشرت أعلاه فقد استُخدمت الدعاية الحربية لتبرير العمليات العسكرية وترويج الأفكار الدكتاتورية والعسكرية وتصورات الحسم العسكري، مما أطال وعقد عمليات التفاوض وعمليات السلام ليستمر الصراع في الجنوب إلى عقدين من الزمان وكذلك في غرب السودان ولا زال في جنوب كردفان يراوح مكانه.


● وأخطر المعارك الإعلامية تلك التي تخاض بالأسلحة رخيصة التكاليف وسهلة الامتلاك، وذلك باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة من أدوات التضليل، فقد أثرت هذه الظاهرة سلبًا على المشهد الإعلامي السوداني وضللت الراي العام الإقليمي والعالمي، إذ تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي منصات سهلة وزهيدة وسريعة لنشر المعلومات، وهي في الوقت نفسه تفتقد للرقابة والتحقيق والتدقيق الصحفي المهني الاحترافي المستقل المحايد والشفاف ويتوارى خلفها مؤججوا الصراع بأسماء وهمية، لذلك يستغل كافة أطراف الصراع الوسائط الاجتماعية لنشر الأخبار المضللة والشائعات بهدف تشويه الحقائق والإضرار بالأطراف الأخرى في النزاع، وهناك ممتهنون محترفون لبث الشائعات وتصميم الحملات التضليلة وصناعة المحتوى الزائف يقتاتون من هذه المهنة وهم مع من يدفع أكثر.


● وليس السودان بمعزل عن تلك المصانع التضليلية أو الجماعات التطبيلية، إذ تعتبر الدول الأفريقية والعربية ودول العالم بشكل عام معرضة لتأثيرات الدعاية الحربية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتضليل، فما يحدث فيه هذه الأيام شييه بما حدث في حرب اليمن، التي تم استخدام الدعاية الحربية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع للتأثير على الرأي العام وتشويه الحقائق في الحرب، وانتشار انتاج ما سمي بمنصات الإعلام الحربي، يحاول المتصارعون في السودان جاهدين تصميم منتج شبيه بمنتج الإعلام الحربي اليمني، والبعض لا يجتهد كثير اجتهاد بل يقتطع بعض ذلك المنتوج ويعيد تدوي+ره.


● واجب الأفراد والجماعات والمؤسسات الإعلامية وقادة الرأي والمؤثرين العمل بجد لبذل الحقائق مجردة وبثها بصورة واضحة لا تحتمل اللبس والتأويل، وذلك للتصدي لهذه الأنماط الإعلامية السلبية التضليلية، وقد تحتاج الدولة والمجتمعات السودانية والأفراد إلى رفع ونشر الوعي والتثقيف الإعلامي بصورة عاجلة وكثيفة، وينبغي تشجيع الإعلاميين ومحترفي المهنة وصناع المحتوى لتطوير مهارات التحليل والإطلاع والقراءة النقدية والبحث عن المعلومات الحقيقية والمجردة من مصادر موثوقة، فضلاً عن تشجيع الحوار والتواصل الفعّال بين كافة الأطراف، ويتعين أيضًا مخاطبة منصات التواصل الاجتماعي والسلطات الرقابية بحملات توعوية لتبني إجراءات فعّالة في مواجهة هذه الأنماط الضارة والتضليلية التي ستضعف مصداقية تلك المنصات التفاعلية وستعصف مستقبلا باستقرار أمم وشعوب ويمكن أن تجهض حتى الأنظمة الديمقراطية، ويمكن أن ترسخ لخطابات وأنظمة دكتاتورية.


● وواجبنا جميعا كقوى وكيانات اجتماعية إدارة معاركنا السياسية والتنافسية بصدق وتجرد وأن نعمل سويا للتخلص من المنصات الإعلامية التضليلية وتحجيم أدوارها في الفضاء العام، والسير في هذا الطريق بوعي وصدق وهمة وتنافس شفاف واتباع خطوات مهمة تخلصنا من الصحائف الصفراء والمحتوى الزائف وصانعيه وذلك بالآتي:

1. رفع درجات الوعي الإعلامي بأهمية التحقيق والاستيثاق من المعلومات والتثقيف الإعلامي لدى المهنيين و الجمهور، وينبغي تعليم الناس كيفية تحليل المصادر وتقييم المعلومات بشكل نقدي وتدريب طيف واسع من المجتمعات، وفي ذلك تقوم عدد من المؤسسات الإعلامية بعقد دورات تدريبية بهذا الصدد.

2. إنشاء منصات محايدة والترويج للإعلام المستقل بكثافة، وينبغي دعم وتعزيز وسائل الإعلام المستقلة التي تلتزم بمبادئ الحياد والمصداقية والمهنية والشفافية والتي في الغالب تعاني من شح الموارد المالية في بلداننا، ودعم الحسابات الشخصية للصادقين اللامنتمين ورفدهم بالمعلومات الموثوقة لأنهم من أهم مصادر النشر فهناك حسابات شخصية لأفراد موثوقيتها عالية جدا لدى الجمهور الواجب المحافظة على استقلاليتها وصدقيتها وتوسيع دائرة انتشارها.

3. تفعيل أدوات المراقبة القانونية والمتابعة اللصيقة والرقابة الصارمة ذاتيا وفنيا وأخلاقيل، والتشديد على المنصات الإعلامية التضليلية ومراقبة نشاطها على مدار الساعة من جهات رسمية أو تطوعية أو منظمات غير ربحية كالذي تفعله منصة (جهينة) الاستقصائية، ويجب ألا تتعارض أو تتناقض هذه الرقابة مع حرية التعبير وأخلاقيات المهنة الإعلامية، فالبحث عن الحقيقة وحرية التعبير هما عماد النظام الديمقراطي وأهم شعارات الثورة السودانية.

4. واجب الكيانات الرسمية والشعبية والخاصة وجميع الأفراد العاملين في الاعلام العمل والتشبيك التعاوني الدولي، فالواجب يقول أن تعمل المؤسسات والأفراد والدول والجهات الدولية سويًا لمواجهة التحديات التي تثيرها المنصات الإعلامية التضليلية على المستوى الدولي، بحيث يسهل تبادل المعلومات وتبني استراتيجيات مشتركة لمواجهة هذه التهديدات ومكافحة الإعلام المضلل، وخلق آفاق تعاون مستقبلي.

● ومثال لذلك التعاون المهني المثمر الحيوي والفعال الذي يشير إلى  بعض النماذج المهنية والاحترافية في إفريقيا والمنطقة العربية والعالم، هناك العديد من الأمثلة، على سبيل المثال تقدم وسائل الإعلام المستقلة في تونس وشبكة تنوع الأصوات والآراء في جنوب أفريقيا قدرا عاليا من الصدقية والموثوقية والاحترافية، والتي توفر منصات إعلام مستقلة تقدم تقارير حيّة ومهنية عن أحداث متعددة بصورة احترافية في الساحة العربية والإفريقة، وهناك صحفيون ومؤسسات إعلامية متميزة تعمل على نقل الأخبار بشكل دقيق وشفاف، إلا أن الاهتمام بهذه المنصات في الغالب يكون فقط من المختصين أو الباحثين عن منصات شفافة.

● وعلى المستوى العالمي لا يمكن حصر المنصات الإعلامية المستقلة ولكن توجد منظمات غير حكومية مثل "صحفيون بلا حدود" و"مراسلون بلا حدود" التي تعمل على دعم الصحافة المستقلة وحماية حرية التعبير في جميع أنحاء العالم، وهؤلاء منفتحون للتعاون مع المؤسسات الإعلامية بصورة مباشرة أو عبر الانترنت وتقدم محتويات احترافية ومهنية وتدريبية، عملت في السودان بصورة كبيرة بعد الانفتاح إبان الفترة الانتقالية إلا أن دورها بدأ في الانحسار منذ إنقلاب 25 أكتوبر 2021م.

● ختاما: إن تحقيق السلام والاستقرار واستكمال الثورة والتغيير وإنهاء الحرب وإعادة إعمار ما دمرته وكشف الانتهاكات، يتطلب جهودًا مشتركة من الأفراد والحكومات والمجتمع المدني، والمنظمات الإقليمية والدولية والفاعلين والمؤثرين لدعم ((مشروع الحقيقة))، وحراسة مشارع الحق، وصد كافة أشكال الكذب والادعاء، ورصد جميع الفظائع المرتكبة في كل ولايات السودان، وينبغي أن تكون الشفافية والرقابة والتثقيف الإعلامي من أولويات الجميع وفي صلب الجهود المبذولة لاحتواء وتحجيم الأثر الضار للمنصات الإعلامية التضليلية، والعمل سويا على مكافحة هذه الجماعات الإعلامية التضليلية، بالتأكيد على رفع الوعي العام بالحريات وأهمية الحصول على المعلومات من مصادر موثوقة والتمكن من تحليلها وتنقيحها، حينها سيلعب الإعلام المستقل الحر وحرية التعبير دورًا حاسمًا في تحقيق ذلك الحلم الذي تنادى به ثوار وثائرات السودان.



عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


.